مارلين مونرو في "التائهون"... كما لم تُعرف من قبل
عربي
منذ ساعة
مشاركة
قبل سنة واحدة تقريباً من موتها، قدّمت مارلين مونرو أحد أجمل وأهم أفلامها، وربما الأهمّ، بحسب رأي نقاد كثيرين. كأنها بهذه الخاتمة تتوّج مسيرتها السينمائية، وتكرّس نفسها ممثلةً موهوبة، ثابرت على تطوير أدواتها التمثيلية، لتتجاوز الصورة النمطية التي طالما أرادت هوليوود ترسيخها في أذهان الجمهور. سيناريو فيلمها الأخير هذا، "التائهون" (1961، ترجمة تقريبية لـ The Misfits)، كتبه طليقها الكاتب الأميركي المشهور آرثر ميلر. الشخصية الرئيسية فيه تبدو كأنها كُتبت خصيصاً لها. فيلم فيه مفارقات ومصادفات تاريخية كثيرة، تجعله مُنجزاً سينمائياً يقارب جوانب من حياتها وشخصيتها الحقيقية، كتبت بقلم رجل عاش معها سنوات قبل انفصاله عنها. في السيناريو، تُقدّم الشخصية المحورية روزلين تاب (مونرو) كائناً رقيقاً وحزيناً ومُعذّباً وحساساً، لا يحتمل القسوة. شخصية تمنح العون للآخر من دون تكليف، وتتعاطف مع الضعيف، هَشّ الدواخل. المفارقة في ذلك التوصيف أنه يتعارض مع نظرته لها يوم اقترانه بها. شهادات مقرّبين منها، كما تظهر في وثائقي أَيما كوبر عنها، "لغز مارلين مونرو: التسجيلات غير المسموعة"، المستند إلى بحث وتقصي الصحافي البريطاني أنتوني سامرز، تشي بمعاملته لها كـ"لعبة"، يتسلّى بها. بكتابته وتخصيصه لها الدور الرئيسي، يُقدّم ميلر شهادة متأخرة عنها، تُعيد الاعتبار لها، وتدفع إلى إعادة النظر في التقييمات السطحية التي شاعت عنها، بينها ضعف أدواتها التمثيلية، واعتمادها على جسدها وسيلةً تعوّض بها فقر موهبتها. في "التائهون"، تؤدّي مارلين مونرو دوراً نفسياً مُركّباً وصعباً، يقتضي توفّر قدرة على تجسيد الانفعالات والتوترات الداخلية لامرأة، تشعر بوحدة وحرمان عاطفي، يتسبّب به الرجال المقرّبون منها. وصولها إلى مدينة رينو بولاية نيفادا، لإكمال معاملة الانفصال عن زوجها، وتعرّفها على إيزابيلا ستيرز (تيلما ريتر)، مالكة السكن الذي تقيم فيه مؤقتاً، يُشعرانها بالأمان، وبوجود كائن طيب ومنفتح ومتعاطف معها، وهي مثلها جرّبت معنى العيش مع رجل، لا تشعر بوجوده قريباً منها في اللحظة التي تحتاج فيها إليه. من دون تخطيط، تلتقي رجالاً من الغرب الأميركي، يعيشون على هامش الحياة، كمدينتهم التي يصفونها بأنها تُرحّب بالغريب، وتتركه مهمّشاً وتائهاً، لا ينتمي إليها ولا إلى أي مكان آخر. الرجال الثلاثة، غاي لانغلاند (كلارك غيبل) راعي الأبقار (كاوبوي)، وصديقه غويدو (إيلي والاش) الطيار الذي شارك في حروب، ويعاني حزناً لوفاة زوجته، وإحساساً بإثم كامن فيه على الذين أنهت قنابل طائرته حياتهم. إليهما، هناك المغامر بيرس هولاند (مونتغمري كليفت)، المفلس الذي يراهن على ركوب الثيران والخيول غير المدجّنة مقابل المال. الحوارات الطويلة بينهم تشي بميل كاتب السيناريو إلى عالم الأدب، ورغبته في تكريسه في النص السينمائي. هذا يتجاوزه صانع الفيلم جون هيوستن ببراعة، تتأتى من تحويل "ثقل" النص، بأبعاده الفلسفية والسياسية، إلى سرد بصري ينشغل بتطوير الشخصيات، وتوسيع مساحات تحرّكها، من دون إهمال الرؤية السياسية للكاتب للغرب الأميركي، في خمسينيات القرن الـ20. مرحلة أعقبت الحرب العالمية الثانية، وكرّست الحضور الرأسمالي والإمبراطوري الأميركي بالكامل. من الرغبة في الحصول عليها وامتلاك جسدها، تدخل روزلين إلى دواخل الشخصيات، وتجرّدهم من رغباتهم الجنسية. وبدلاً منها، تضعهم أمام حقيقتهم كرجال قساة، يواسون بآلامهم النفسية مثالبهم وآثامهم، أكثر من أن يراجعوها ويحسّنوا سلوكهم الذي أبعد عنهم زوجاتهم، وأدّى إلى موت بعضهن بسبب إهمالهم وأنانيتهم. يعيد سلوك المرأة الحزينة بعض توازنهم، لكن الكثير من المترسّخ الذكوري والعنفي فيهم يظل حاضراً وقوياً. ذهابها معهم في رحلة صيد الجياد البرية، لبيعها إلى تجار اللحوم بغرض تصنيعها طعاماً للكلاب، يهزّ دواخلها، ويكشف لها عمق تأثير العنف المتجذّر في سلوك الأميركي. أداء مارلين مونرو التمثيلي لتجسيد علاقاتها بالرجال مُذهل وعفوي، كأنه حقاً يُعبّر عن حالتها. ومن غرابة الوقائع، أنها كانت في فترة التصوير تعاني أزمة نفسية حادة، نتيجة تدهور علاقتها بميلر، إلى درجة تبدو بدورها كأنها تحكي عن نفسها وعن علاقتها بالرجال الذين تعرفهم، وتعرف مقدار قسوتهم. تقرّبها من راعي البقر، في المشهد الأخير، بعد تخليه عن الخيول التي اصطادها، يكسر اختلافاً حاداً حاصلاً بينهما. يأتي التحوّل المزدوج للشخصيتين جرّاء تبدّل القناعات الراسخة والأحكام المُسبقة. الحوارات بين الشخصيات الرئيسية شيقة وعميقة، تجعل "التائهون" فيلماً مهمّاً وممتعاً في آن واحد، يضع صانعه هيوستن بين كبار المخرجين الذين يحوّلون النص العميق إلى مشاهد سينمائية جميلة ومؤثّرة. وهذا لا يلغي مفارقة أن "التائهون" لم يحصل على نجاح مادي، ولم يكسر أرقام شباك التذاكر، كبقية أفلام مونرو، لكنه يحظى بقبول نقدي كبير، إذ يعتبره البعض وداعاً لائقاً لمونرو وكلارك غايبل، اللذين غادرا الحياة بعد فترة قصيرة من انتهاء عملهما فيه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية