نبوءات صارت واقعاً
عربي
منذ ساعة
مشاركة
قال محمود درويش في واحدةٍ من أكثر قصائده تأملاً: "هناك من سبقت خطاه خطاي/ من أملى رؤاه على رؤاي". وهي عبارة تستدعي معنى قديماً تردّد بأشكال مختلفة في التراث الإنساني، مفاده بأنّ السابقين لم يتركوا شيئاً إلّا وقالوه أو لمّحوا إليه. وما إن يواجه البشر أزمة كبرى حتى يعودوا إلى كتب الفلاسفة والمفكرين والشعراء، باحثين فيها عن تفسير لما يجري، أو عن تحذير لم يُصغَ إليه في حينه. لم يكن أصحاب تلك النصوص يقرأون الغيب، بل كانوا مفكّرين امتلكوا حسّاً نقديّاً وبصيرة أخلاقية ما مكّنهم من استشراف النتائج المحتملة لمسارات بدت لهم خاطئة أو غير متوازنة. ومن بين هؤلاء يبرز الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي، الذي لم يكن روائياً عظيماً فحسب، بل ناقداً اجتماعياً وأخلاقياً أيضاً شديد الحساسية تجاه التحولات التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر. ففي كتاباته الفكرية، ولا سيّما في مؤلفاته المتأخّرة، مثل "ما العمل إذن؟" و"ملكوت الله في داخلكم"، عبّر عن قلق عميق من الحضارة الصناعية الحديثة ومن اتّساع الفجوة بين التقدم المادي والتقدم الأخلاقي. كان تولستوي يرى أنّ المجتمعات الحديثة تمضي بسرعةٍ هائلة نحو تعظيم الإنتاج والاستهلاك، بينما تهمل الأسئلة الأساسية المتعلقة بالعدالة والكرامة الإنسانية. وقد لاحظ منذ أواخر القرن التاسع عشر أنّ حياة العمّال تتحوّل إلى سلسلة من الأعمال المرهقة التي تستنزف الجسد والروح معاً. معتبراً أنّ المشكلة لا تكمن في نقص الثروة بقدر ما تكمن في سوء توزيعها وفي أنماط الحياة التي تجعل قلّة من الناس تستفيد من جهد الكثرة. ولم يكن نقده مُوجهاً إلى الصناعة في ذاتها، بل إلى تحويل الإنسان إلى أداة داخل آلة اقتصادية ضخمة، فقد خشي أن يصبح الإنتاج هدفاً قائماً بذاته، وأن تتراجع قيمة الإنسان أمام قيمة السلعة. عاد كثير من هذه المخاوف إلى الواجهة في عصرنا، مع تصاعد النزعة الاستهلاكية واتساع الفوارق الاقتصادية وتزايد الضغوط البيئية الناجمة عن أنماط الإنتاج والاستهلاك الحديثة. لقد شهد العالم منذ زمن تولستوي تقدّماً هائلاً في الطب والتعليم وحقوق العمّال. وتراجعت ساعات العمل في بلدانٍ كثيرة مقارنة بما كانت عليه في القرن التاسع عشر، كما تحسّنت شروط السلامة المهنية والرعاية الصحية في أماكن كثيرة. غير أنّ جانباً من مخاوفه لا يزال قائماً. فما زالت الاقتصادات الحديثة تنتج كميات ضخمة من السلع قصيرة العمر، وما زالت النزعة الاستهلاكية تدفع إلى استنزاف الموارد الطبيعية بمعدلات غير مسبوقة. وقد حذّرت تقارير الأمم المتحدة والهيئات البيئية الدولية مراراً من أنّ أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة تمثل أحد الأسباب الرئيسية للتغيّر المناخي وفقدان التنوع الحيوي وتدهور النظم البيئية. وهنا تبدو ملاحظات تولستوي، المكتوبة قبل قرن ونصف القرن، كأنّها تتجاوز زمانها، لأنّها انطلقت من سؤال أخلاقي بسيط: ما حدود حقّ الإنسان في استغلال الطبيعة والآخرين من أجل مزيدٍ من الرفاه المادي؟ منذ عصر تولستوي بدأت المدن تنمو بوتيرة متسارعة، وبات أكثر من نصف سكّان العالم يعيشون في المدن، وفق بيانات الأمم المتحدة، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة خلال العقود المقبلة. جلب هذا التحوّل فرصاً اقتصادية وثقافية كبيرة، لكنّه أحدث أيضاً تحدّيات تتعلق بالاكتظاظ والتلوث والضغط على البنية التحتية واتساع الفوارق الاجتماعية. نعود إلى تولستوي، ليس لأنّه تنبأ بالأحداث حرفيّاً، بل لأنّه فهم العلاقة بين الأسباب والنتائج، وأدرك أنّ تجاهل العدالة الاجتماعية، والإفراط في الاستهلاك، والابتعاد عن الطبيعة، أمور لا يمكن أن تمرّ من دون أثمان. وهذه هي السمة المشتركة بين كثيرين من المفكرين الكبار: فهم لا يقرأون المستقبل بقدر ما يقرأون الحاضر بعمقٍ استثنائي. الحكمة الإنسانية تراكم مستمر، والأزمات الكبرى كثيراً ما تكشف أنّ الإجابات لم تكن غائبة تماماً، بل كانت موجودة في كتب الحكماء والشعراء والمفكرين، تنتظر من يصغي إليها. المشكلة ليست دائماً في نقص المعرفة، وإنّما في تأخّر البشر في الإصغاء إلى ما يعرفونه بالفعل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية