تعاون عسكري بين موسكو وكابول: "طالبان" تعيد رسم تحالفاتها
عربي
منذ ساعة
مشاركة
شهدت العلاقات بين حكومة "طالبان" في أفغانستان وروسيا خلال الأشهر الأخيرة تطورات لافتة. إلا أن زيارة وزير الدفاع الأفغاني الملا محمد يعقوب إلى موسكو في 27 مايو/أيار الحالي وتوقيع اتفاقية تعاون عسكري بين الجانبين، تمثل نقلة نوعية في مسار العلاقة بين الطرفين، خصوصاً في ظل التوتر المتصاعد بين أفغانستان وباكستان، والتغيرات الأمنية التي تشهدها المنطقة. وفي حين رحبت الشرائح الأفغانية المختلفة بهذا التوافق، تشير النقاشات على الساحة الإعلامية الباكستانية إلى أن التوافق الأفغاني - الروسي شكّل خيبة أمل لدى صنّاع القرار في إسلام أباد. وذكرت وكالة الأنباء الروسية "تاس"، الأربعاء الماضي، أن مسؤولين روساً وأفغاناً وقّعوا اتفاقية تعاون عسكري وتقني بين البلدين، خلال المنتدى الدولي للأمن الذي عُقد في موسكو، من دون كشف المزيد من التفاصيل. والعام الماضي، اعترفت روسيا رسمياً بحكومة "طالبان" التي تشكّلت عقب التغيير السياسي الذي شهدته البلاد عام 2021. شراكة عسكرية مباشرة بين "طالبان" وموسكو ورغم أن السلطات في كابول وموسكو لم تكشف حتى الآن عن تفاصيل الاتفاقية العسكرية، أو اتفاقية التعاون العسكري، بصورة رسمية، فإن مصدراً في وزارة الدفاع الأفغانية كشف، لـ"العربي الجديد"، أن روسيا ستقدّم دعماً عسكرياً لحكومة "طالبان" يشمل أنظمة دفاع جوي وأسلحة ومعدات تحتاج إليها القوات الأفغانية من أجل الدفاع عن أراضيها والسيطرة على الأجواء الأفغانية بشكل كامل. كما أن كابول ستطلب مسيّرات متطورة من موسكو، مع كونها تملك الآن ثلاثة أنواع من المسيّرات. وإذا تأكدت هذه المعلومات، فإن ذلك سيعني أن موسكو قررت الانتقال من مرحلة التواصل السياسي والأمني المحدود مع "طالبان" إلى مرحلة الشراكة العسكرية المباشرة، وهو تطور يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين البلدين. وقال الأكاديمي الأفغاني كفايت الله سرفراز، لـ"العربي الجديد"، إن ما أنجزه وزير الدفاع الملا يعقوب في زيارته إلى موسكو إنجاز كبير لأفغانستان، وجاء في وقت كان يتحدث فيه الباكستانيون عن إمكانية السيطرة على بعض المناطق الحساسة في أفغانستان، كممر واخان الذي يربط بين الصين وأفغانستان، ومناطق استراتيجية في ولايتي كنر ونورستان، وذلك بفضل الغطاء الجوي الذي تملكه باكستان، وكانوا يعتقدون أن القوات الأفغانية لا يمكن لها أن تتصدى لسلاح الجو الباكستاني، مضيفاً: الآن سدت تلك الثغرة، وسنرى قريباً أخباراً سارة عن نيودلهي وطهران، فهما على وشك الاعتراف بحكومة "طالبان". واعتبر سرفراز أن "هذه بداية جيدة، ولكن الحفاظ عليها يحتاج إلى الكثير من الذكاء، وعلى "طالبان" أن تثبت للمنطقة أن ما تقوم به لن يشكل خطراً لأمن أي دولة، بل للحافظ على أمنها ولمواجهة أي خطر على البلاد". مفاجأة لصناع القرار في باكستان من جهته، قال الإعلامي الباكستاني نويد صديقي، في حديث، لـ"العربي الجديد"، إن دعوة موسكو وزير الدفاع الأفغاني الملا محمد يعقوب للمشاركة في المؤتمر الأمني في روسيا كان مفاجئاً نوعاً ما لصنّاع القرار في باكستان، وهم لم يكونوا يتوقعون أن تُقدم موسكو على أي عمل يعتبر مناهضاً للمصالح الباكستانية، في ظل الصراع القائم مع أفغانستان، لكن ذلك حصل. واعتبر أن توقيع اتفاقية التعاون العسكري بين كابول وموسكو تطور كبير جداً، مضيفاً: "كنا نرى أن الطائرات الحربية الباكستانية، وكذلك المسيّرات، تسيطر على كامل أجواء أفغانستان، وسلاح الجو الباكستاني كان فتاكاً في المواجهة مع حكومة طالبان، وهو كان ينفذ الغارات أينما شاء، وكيف ما شاء، ولكن مقاتلي طالبان الذين يعتبرون أنفسهم ماهرين في حرب الجبهات أو الحرب على الأرض، باتوا عاجزين في مواجهة سلاح الجو الباكستاني". نويد صديقي: توقيع اتفاقية التعاون العسكري بين كابول وموسكو تطور كبير جداً ولفت صديقي إلى أنه "خلال الصراع الأخير بين كابول وإسلام أباد كان النقص الكبير لدى قوات طالبان أنها لم تكن تملك ما تردع به سلاح الجو الباكستاني، ويبدو أن موسكو بادرت إلى سدّ تلك الثغرة المهمة، وبالتالي الآن وبعد هذا التوافق لم تعد كابول كما كانت في الماضي، وهي ستحصل على أسلحة متطورة من موسكو وقد تساعدها الأخيرة في السيطرة على أجوائها، ليس فقط مقابل سلاح الجو الباكستاني بل أيضاً مقابل آخرين مثل الولايات المتحدة". واعتبر أن "الحرب مع كابول لم تكن في أي وقت في صالح باكستان، ولكن يبدو أن قرارات متسرعة وغير مدروسة جعلت إسلام أباد في حرب مع جارتها"، مشدداً على أنه "آن الأوان لأن نعيد النظر بسياستنا الخارجية، تحديداً علاقاتنا مع أفغانستان".   ومنذ عودة "طالبان" إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، سعت الحكومة الأفغانية الجديدة إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها روسيا والصين وإيران. وكانت موسكو من أوائل العواصم التي أبقت قنوات التواصل مفتوحة مع "طالبان"، انطلاقاً من قناعة روسية بأن الحركة أصبحت واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهله في أفغانستان. كما أن روسيا تنظر إلى الاستقرار الأمني في أفغانستان باعتباره مسألة مرتبطة مباشرة بأمن آسيا الوسطى، التي تعد مجالاً حيوياً للأمن القومي الروسي. جوهر مسعود: صراع "طالبان" مع باكستان سرّع عملية حصولها على الدعم العسكري ورأى الإعلامي الباكستاني جوهر مسعود، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "هذه الاتفاقية إنذار لباكستان، وهي تثبت أن حكومة طالبان لن تجلس مكتوفة الأيادي، بل ستسعى بكل ما أوتيت من قوة وما أتيح لها من أجل الحصول على ما يجعلها أقوى مقابل كل المخاطر، خصوصاً الحرب مع باكستان"، مشيراً إلى أن "طالبان لم تبدأ العمل على الحصول على الدعم العسكري بعد الحرب مع باكستان، بل بدأت قبل ذلك، بيد أن الصراع مع باكستان سرع القضية". ولفت إلى أن أفغانستان مهمة لدول آسيا الوسطى وروسيا من كل النواحي، الأمنية والاقتصادية والسياسية، بالتالي روسيا بادرت إلى إبرام الاتفاقية مع "طالبان"، في حين كانت باكستان تظن أنّ روسيا سترسم سياساتها وفق التقارير الدولية والتي مفادها أن أفغانستان ستصبح بؤرة الجماعات المسلحة من جديد، بالتالي هي سعت للحصول على دعم دول المنطقة مقابل حكومة "طالبان" لكن ما حصل هو عكس إرادة إسلام أباد. ويبدو التقارب العسكري الحالي بين أفغانستان وروسيا مرتبطاً بعوامل جديدة، أهمها تصاعد الخلافات بين كابول وإسلام أباد. فالعلاقة بين "طالبان" وباكستان شهدت خلال العامين الماضيين توتراً غير مسبوق، بسبب اتهامات باكستانية للحكومة الأفغانية بعدم اتخاذ إجراءات كافية ضد حركة "طالبان" الباكستانية، التي كثفت هجماتها داخل الأراضي الباكستانية. ورغم أهمية هذا التطور، فإن مستقبل التعاون العسكري بين موسكو وكابول سيظل مرتبطاً أيضاً بعدة عوامل، منها مدى استعداد روسيا للذهاب بعيداً في دعم "طالبان" وطبيعة ردود الفعل الإقليمية، خصوصاً من باكستان والصين ودول آسيا الوسطى، فضلاً عن قدرة حكومة "طالبان" نفسها على إدارة التوازنات المعقدة في المنطقة. لكن المؤكد أن الحديث عن تعاون عسكري روسي - أفغاني لم يعد مجرد احتمال سياسي، بل أصبح مؤشراً على مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية، مرحلة تحاول فيها حكومة "طالبان" إعادة رسم موقعها الاستراتيجي بعيداً عن الهيمنة الباكستانية التقليدية، والاستفادة من التنافس الدولي المتصاعد على النفوذ في آسيا الوسطى وأفغانستان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية