حلب في عام... تقدّم نسبي لا يلبّي الطموحات
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يكفي أن يتجوّل الزائر في شوارع وسط مدينة حلب، حتى يكتشف أن حالها لم يتغيّر كثيراً، عما كان عليه قبل عام. بقيت الوعود والأحلام والطموحات معلقةً على حبل انتظار، لا يعرف أحد مداه، الأمر الذي ولّد أسئلةً كثيرة، وأشاع أجواء عامة من الترقب والتذمر. لكن حلب ليست على ما تركها نظام بشار الأسد، كما يروج بعضهم، بل تحسنت فيها بعض الخدمات الأساسية كالكهرباء، والمياه، وحركة السير، والأمن. وهذه إنجازات يتحدّث عنها الناس بصوت عالٍ، وينسبون الفضل فيها إلى العهد الجديد، ولكنهم يطالبون بأكثر من هذا، لأن حلب ذات موقع جغرافي متميز، وثقل سكاني كبير، ومكانة اقتصادية مهمة، لا تنافسها عليها مدينة سورية أخرى، كما أنها نالت نصيبها من التدمير الذي أصاب البلد بصورة عامة. لم تعد شوارع المدينة مظلمة ليلاً، وهذا دليلٌ على أنه جرى تذليل قسم من مشكلات الإنارة، ما يعني أن نظام إنتاج الكهرباء وتوزيعها تغيّر نسبياً، ويسير على طريق الحل بسرعة. وهذا جهدٌ تتشارك فيه السلطات والأهالي. فالدولة أصلحت القسم الأكبر من محطات توليد الكهرباء المعطلة، ووفرت الغاز والوقود لتشغيل المحطّات الأخرى، بينما يتواصل على نطاق واسع، بمبادراتٍ ذاتية، استغلال الطاقة الشمسية من خلال نصب الألواح اللاقطة، وذلك يوفر الكثير. حتى إن عائلاتٍ باتت مستغنية عن كهرباء الدولة، وهذا أعفاها من الفواتير العالية جداً بالنسبة للأغلبية العظمى من السوريين، والتي يجمع خبراء الاقتصاد على أنها تتجاوز المداخيل. وهناك من يعزو هذا إلى فوضى في الحسابات، وارتفاع أسعار كلفة إنتاج الكهرباء التي تعتمد في قسم منها على الغاز المستورد من أذربيجان. استتباب الأمن استتباب الأمن من التطورات الإيجابية الملحوظة، بعد أن كان شبه مفقودٍ قبل سقوط النظام السابق. وتؤكّد شخصيات اقتصادية وثقافية أن المدينة بدأت تستعيد نفسها، وصار في وسع السكان السهر خارج المنازل حتى ساعة متأخّرة من الليل، وقد انعكس هذا على حركة التجارة في وسط البلد، والمدينة القديمة، التي خضعت، على مرحلتين، للترميم من آثار الحرب، وانتهت في عام 2024، وهي تشكل مركزاً تجارياً مهماً في وسط سورية. وفي موازاة هذا، تتواصل نشاطات الأجهزة المختصّة في محاربة الجريمة المنظمة، ولا يمر أسبوع إلا وتعلن وزارة الداخلية عن إحباط محاولة تهريب ضخمة لملايين الحبوب المخدرة، في إطار جهود مكافحة المخدّرات، ما يعكس مستوىً متقدّماً من العمل الأمني، والتنسيق، والرصد، والمتابعة. ويشدّد المسؤولون في منشوراتهم على أن سورية لن تكون ممرّاً ولا ملاذاً لتجارة المخدّرات، التي استخدمها النظام السابق وسيلة للإثراء. وفي الوقت نفسه، تتواصل عمليات القبض على المسؤولين الأمنيين من النظام السابق، وخصوصاً الذين ساهموا بالتعذيب والقتل وقمع التظاهرات. حلب تتنفس من جديد، وهذا مؤشّر مهم إلى أن الاقتصاد السوري بدأ رحلة الخروج من غرفة الإنعاش، لكن السير بذلك إلى الأمام يتطلب ضخّ استثمارات محلية وأجنبية، وإيجاد أسواق في الداخل والخارج، وهو غير متوافر. فعلى المستوى المحلي، لا تزال القدرة الشرائية ضعيفة جداً مع رواتب بالكاد تسدّ الحد الأدنى من الحاجيات، كما أن البضائع الأجنبية، بأسعار رخيصة، تنافس المنتوجات السورية، وخصوصاً المنسوجات التي تتفوق فيها حلب على كل البلدان العربية، وحتى تركيا البلد المجاور الطامح إلى حصّة كبيرة من السوق السوري الواعد. فندق شيراتون حلب المكان المفضل لإقامة رجال الأعمال القادمين من الخارج. ويفيد إعلاميون من حلب بأن الحركة كانت أنشط قبل عام مما عليه اليوم، حيث تحضر شركات تركية صغيرة، ورجال أعمال، يبحث بعضهم عن أسواق لتصريف بضاعته، وكون حلب لا تبعد أكثر من 100 كيلومتر عن الحدود التركية فهي تشكل سوقاً مثالياً، وتراعي هذا الأمر كل من تركيا والسلطة السورية. وفي أحاديث سريعة مع بعض هؤلاء، يكشفون عن توجيهات صادرة عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأصحاب الشركات ورؤوس الأموال التركية للاستثمار بسورية، وترد دمشق على هذا التوجه بتقديم تسهيلات كبيرة، وخصوصاً على صعيد القوانين والإجراءات بما يتجاوز البيروقراطية التي تعيق العمل في بعض القطاعات نتيجة ضعف المهنية عند مسؤولين يتولون الملفات الخاصة بالاقتصاد. وعلى الرغم من هذا، لا يبدو حضور الاستثمارات التركية على مستوى الآمال، تبدو متردّدة، وتتقدم بحذر شديد. يبحث رجال الأعمال الأتراك عن فرص لتشغيل شركاتهم بسورية لكنهم أسرى الحسابات والمخاوف. وينقل إعلاميون عن أصحاب شركات تركية متوسّطة، تعمل في ميادين مختلفة، إن شركاتهم عازمة على العمل في سورية، وقد أجروا اتصالات بالسلطات الرسمية، ولقوا استقبالاً حسناً، لكن الجو العام غير مُريح، ويبعث على القلق، وهناك معوقات عدة تتعلق بالاستقرارين، السياسي والأمني، وعدم كفاءة أجهزة الدولة، وضعف خبرة المسؤولين عن الملفات الأساسية، والقدرة الشرائية المتدنية لأغلبية السوريين الذين لا يملكون المال كي يدفعوا ثمن بضاعة ذات جودة متوسّطة، أو حتى أقلّ من هذا، ولذلك تغزو الأسواق بضائع رخيصة أغلبها صينية، وأخرى مقلدة ونوعيتها متدنية. ويكشف صناعيون من حلب أن مستوى دخل السوريين المتدنّي يؤثر على الإنتاج، وهذا أمر تعاني منه الصناعة المحلية منذ بداية الثورة على النظام، وبنتيجته أغلقت مصانع كثيرة أبوابها، أو اكتفى القسم الباقي بإنتاج يعتمد على ربح محدود جداً، لكنه يسد حاجات العمّال. ويقول صناعي حلبي معروف إن هذا الوضع يحتاج حلاً عاجلاً، وإلا سوف تفقد حلب دورها عاصمة اقتصادية، وإحدى المدن الصناعية الكبرى في العالم العربي. اكتظاظ في أسواق حلب حصل اكتظاظ في أسواق المدينة القديمة ووسط المدينة على أبواب عيد الأضحى، ونشطت عمليات التسوّق، لكن المنتوجات التقليدية واجهت منافسه من البضائع المستوردة أو المهرّبة، ويعود كثيرٌ منها  إلى فترة ما قبل سقوط النظام، حيث كانت الحدود مفتوحة من دون رقابة، الأمر الذي سمح بتسرّب بضائع كثيرة، تلعب دوراً مُضارباً على المنتوج المحلي، ما يفرض على السلطات جهداً إضافياً لتنظيم السوق، وقد بدأ هذا في محافظات عدة من أجل حماية المنتجات المحلية. القاسم المشترك بين جميع السوريين الشكوى والتذمر من الصعوبات المعيشية مهما يكن من أمر، لا يختلف حال حلب كثيراً عن بقية مناطق سورية، سواء في دمشق أو مدن الساحل. القاسم المشترك بين جميع السوريين هو الشكوى والتذمر من الصعوبات المعيشية. لا يتوقف الناس كثيراً أمام تجاوزات هنا وهناك، لكنهم يتحدثون مطولاً عن الهوة بين الأسعار والرواتب. لقد انتظر السوريون عاماً ونصف العام، وتفاءلوا برفع العقوبات بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض في مايو/ أيار من العام الماضي، وساد اعتقاد بأن تدفقاً للمساعدات من بلدان الخليج والاستثمارات العربية والأجنبية سيعقب هذا، ولكن تقدّماً ملموساً لم يحصل، وتبيّن أن رفع العقوبات لم يترجم إجراءات على مستوى التعاملات المالية العادية التي كانت ستحرك الاقتصاد نسبياً بفضل تحويلات السوريين إلى ذويهم. وقد بقيت المصارف مقيدة، ولم يتم التقدّم خطوة في هذا الاتجاه ولا يزال كل شيء على حاله، كما أن توقيع عدة اتفاقات استثمار عربية بقي حبراًُ على ورق. وباستثناء بعض المساعدات القطرية، لم تحصل سورية على أيٍّ من أشكال الدعم المالي، بحسب مصادر سورية شبه رسمية. الجو العام غير مريح بالنسبة للشركات التركية، ويبعث على القلق، وهناك معوقات عدة تتعلق بالاستقرار السياسي والأمني لا أحد يملك تفسيراً لعدم ترجمة قرارات رفع العقوبات الدولية على مستوى حرّية عمل المصارف، وليس هناك إجابة قاطعة على سؤال الدعم والاستثمارات العربية. ثمّة تخمينات وتحليلات متداولة، يغلب عليها تحميل السلطة الجديدة المسؤولية، لكن لا أحد يستطيع أن يجزم بأن خطواتها الداخلية هي السبب الوحيد. وهنا تحضر مسألة غاية في الأهمية، يعيشها الشارع السوري، وهي تتعلق بصدمة الوعود التي أطلقها مسؤولون في الدولة، ثم تبخرت بسرعة. ومثال ذلك، ظهور وزير المالية محمد يسر برنية في تسجيل مصور وهو يقوم بالدفع الإلكتروني من خلال بطاقة مصرفية. لقد اعتبر الناس أن هذه المشكلة وجدت طريقها إلى الحلّ، لكن تبين أن لا شيء تغير، فلا تحويلات مصرفية من الخارج أو فتح حسابات مصرفية تستقبل تحويلات مالية من الخارج. وهذا يضر بتقدم الاقتصاد، ويضعف مصداقية تصريحات مسؤولي الدولة. ويسود الاعتقاد أن العلّة سياسية، وليست تقنية سببها نظام "سويفت". وفي خضم هذا كله، يتردّد خبر بين أوساط اقتصادية مستقلة، أن نهاية العام الحالي سوف تشهد انفراجه مهمة، تتدفق بموجبها مساعدات عربية واستثمارات متنوعة. وينسب هؤلاء هذا إلى الرئيس السوري أحمد الشرع. ويشخص بعضهم موقفه بأن الرئيس يرحب بالاستثمارات، لكنه يرفض أن تكون ذات أجندة سياسية، إذ لا يريد أن يرتبط بمحور، بل أن يصادق الجميع، في حين أن سورية تشهد تنافساً بين السعودية وقطر وتركيا من جهة، ومن الجهة الأخرى الإمارات. ويبدو أن صراعاً مكتوماً يتم بين المحورين، وعلى هذا هناك من ينسج روايات كثيرة تجعل المتابع تائهاً بين الحقيقة والخيال.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية