عربي
تعيش الأسواق في قطاع غزة حالة من الاضطراب المتصاعد نتيجة غياب السيطرة الفعلية على حركة البضائع الواردة عبر المعابر، في وقت تتزايد احتياجات الغزيين للمواد الأساسية في ظل ظروف اقتصادية صعبة، ليجد المستهلك نفسه أمام سوق تتسع فيها الممارسات غير المنظمة وتتراجع فيها أدوات الرقابة الرسمية. ويرى مختصون وتجار أن عدم تمكين الجهات الحكومية المختصة من الإشراف المباشر على المعابر أسهم في تسرب كميات من الشاحنات إلى السوق السوداء، حيث تباع السلع بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بأضعاف ما يفاقم من الأعباء المعيشية على السكان ويخلق اختلالات واضحة في منظومة العرض والطلب داخل الأسواق المحلية. ولا تقتصر المخاوف على الجانب الاقتصادي فحسب وإنما تمتد إلى الجوانب الصحية، في ظل ورود شكاوى متزايدة حول دخول مواد غذائية ومجمدات أوشكت صلاحيتها على الانتهاء أو انتهت بالفعل، إضافة إلى سلع يثار الجدل بشأن مطابقتها للمواصفات الصحية المعتمدة.
سوق المجمدات
بدوره، يقول بائع المجمدات في منطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، جمال الحج صالح، إن حركة البيع والشراء ترتبط أساساً بالكميات والنوعيات التي تصل إلى الأسواق بغض النظر عن الأسعار أو تواريخ الانتهاء. ويوضح الحج صالح لـ"العربي الجديد" أن الأهم بالنسبة للتجار هو ألا تكون صلاحية المنتج قد انتهت تماماً، مضيفاً: "يمكننا بيع مجمدات تبقى لها يوم أو يومان على انتهاء الصلاحية، وغالبا ما تكون أرخص قليلاً من المجمدات الأخرى الموجودة في السوق". ويضيف: "المشكلة تتفاقم عندما لا تتوفر بدائل أخرى أمام الباعة والمستهلكين، ففي كثير من الأوقات لا يكون لدى التاجر سوى المجمدات التي أوشكت على الانتهاء ويضطر لبيعها لأن الناس تريد الشراء ولا يوجد بديل عنها".
ويشير إلى أن الإشكالية لا تتعلق بتاريخ الصلاحية فقط وإنما بجودة المنتجات نفسها، موضحاً أن كثيراً من اللحوم والدواجن المجمدة المعروضة في الأسواق ذات جودة متدنية، وأن بعض التجار يتعمدون استيراد هذه الأصناف بسبب انخفاض تكلفتها مقارنة بالأنواع الأخرى، رغم بيعها للمواطنين بأسعار تفوق 300% من سعرها الطبيعي. من جهته، يؤكد مصدر تجاري مطلع أن هناك خللاً واضحاً في سوق المجمدات بقطاع غزة، يتمثل في جملة من الممارسات المخالفة التي تؤثر مباشرة على سلامة المستهلك واستقرار الأسواق.
ويوضح المصدر لـ"العربي الجديد" أن أبرز هذه التجاوزات تتمثل في إدخال وتداول بضائع مجمدة منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات المعتمدة، الأمر الذي يشكل تهديدا مباشرا للصحة العامة، إلى جانب التلاعب بالأسعار.
ويضيف: "السوق السوداء أصبحت تشكل جزءا مؤثرا من حركة التجارة حيث تباع بعض السلع بأسعار تفوق التسعيرة الرسمية بكثير، فضلاً عن وجود حالات تلاعب في الموازين نتيجة عدم معايرتها وفحصها دورياً، ما يؤدي إلى إلحاق ضرر إضافي بالمستهلكين. وينوّه المصدر إلى أن المخاوف تتزايد أيضاً بشأن نوعية اللحوم المستوردة المتداولة في الأسواق، مبيناً أن غالبية هذه اللحوم من النوع البرازيلي منخفض الجودة، لافتاً إلى أن دخول اللحوم دون فحوص ورقابة كافية يضاعف حجم المخاطر الصحية.
لا سيطرة على المعابر
من جانبه، يقول مدير عام السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، محمد بربخ، إن الوزارة تعاني من رفض إسرائيلي مطلق لتمكينها من السيطرة على المعابر، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الجهات الرقابية في التفتيش وضبط الكميات الواردة إلى الأسواق ومتابعة نوعية البضائع قبل دخولها إلى القطاع. ويوضح بربخ لـ"العربي الجديد" أن الوزارة تلجأ إلى إنشاء نقاط تفتيش ورقابة على العديد من الطرق الرئيسية لمتابعة حركة الشاحنات والبضائع، مؤكدا أن هذه النقاط نجحت في ضبط أعداد كبيرة من المخالفات، إلا أنها لا تستطيع تحقيق رقابة كاملة في ظل غياب السيطرة المباشرة على المعابر.
ويضيف: "محاولات بعض التجار إدخال بضائع منتهية الصلاحية أو مخالفة للمواصفات ما زالت مستمرة، مشيراً إلى أن حجم الإتلاف الشهري للبضائع المخالفة يبلغ نحو 55 طناً، وهو ما يعكس حجم المخالفات التي تُكتشف من طواقم الوزارة". ويؤكد أن نقاط التفتيش التابعة للوزارة تؤدي دوراً بديلاً عن المعابر في محاولة الحد من دخول هذه السلع إلى الأسواق. وفي ما يتعلق بملف الأسعار والسوق السوداء، يشير بربخ إلى أن الوزارة تتابع حالات التلاعب بالفواتير الرسمية والأسعار، وأن طواقم الحماية والتفتيش تمكنت من ضبط عدد من المخالفات وتحويل بعض التجار إلى النيابة العامة، فيما جرى توقيف آخرين.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الواقع يهدد بإحداث مزيد من التشوهات في الأسواق المحلية، سواء من خلال ارتفاع الأسعار أو تراجع جودة السلع المتاحة للمواطنين. كما أن ضعف الرقابة على البضائع الواردة يفتح المجال أمام ممارسات احتكارية واستغلالية تزيد من معاناة السكان الذين يواجهون أوضاعاً اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة. وفي ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تعزيز أدوات الرقابة والتفتيش وضمان إخضاع جميع البضائع الواردة للفحوص اللازمة قبل طرحها في الأسواق، بما يضمن حماية المستهلك والحفاظ على سلامته الصحية ويحد من تنامي السوق السوداء.
