لعنة التراجع الشعبي تلفح فريدريش ميرز... نقاشات جدية حول استبداله
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يعيش المستشار الألماني فريدريش ميرز حالاً من عدم التوازن السياسي مع تراجع حضوره الشعبي في استطلاعات الرأي، لكن الأبرز ما تكشّف قبل أيام عن وجود نقاشات وطموحات بين قوى أخرى داخل حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حول إمكانية استبداله بسياسي آخر، ما زاد التكهنات حول مستقبله على الساحة السياسية. يأتي ذلك في ظل الوضع الصعب الذي يمر به الائتلاف الحكومي الذي يضم "الاتحاد المسيحي" و"الاشتراكي الديمقراطي" بعد مرور عام تقريباً على تشكيل الحكومة. فماذا عن خلفيات وإمكانية إزاحة ميرز من منصبه مستشاراً لألمانيا، وتبعات ذلك على مستوى الاتحاد الأوروبي مع التقدم الملحوظ لليمين الشعبوي؟ صراع على السلطة أضاف ما نشرته مجلة شتيرن وصحيفة بيلد الألمانيتان، هذا الأسبوع، المزيد من الضغوط على ميرز، إذ أشارتا إلى أنه تجرى مداولات على أعلى المستويات داخل "الاتحاد المسيحي الديمقراطي"، لتزكية شخصية لمنصب المستشار. ويتصدر المشهد بديلاً لميرز، رئيس وزراء ولاية شمال الراين فستفاليا، هندريك فست، وقد نوقش هذا الاحتمال بين أعضاء من الهيئات القيادية العليا، بالإضافة إلى شخصيات بارزة أخرى من "الاتحاد المسيحي"، إلا أنه لم يتم وضع خطط حاسمة حتى الآن في اجتماع موسع. وعلى المقلب الآخر، ردت مصادر مقربة من فريدريش ميرز على استفسارات إعلامية، بينها لمجموعة فونكه الإعلامية الألمانية، بأن هذا الميل خطير وهدفه إثارة الفتن، فيما وصفت هذه التكهنات بالسذاجة والجنون، وبأن منتقدي ميرز يبالغون في ردات فعلهم. وفي رأي هذه المصادر فإن فكرة التحييد غير منطقية ومنفصلة عن الواقع، وتظهر جهلاً فادحاً بالدستور والواقع، كما تخدم مصالح البديل اليميني الشعبوي (حزب البديل من أجل ألمانيا) وتقوّض سلطة الوسط السياسي وهيبته، حتى أنها تهدد استقرار البوندستاغ (البرلمان الألماني). ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد ذكرت صحيفة فستدويتشه أليغماينه تسايتونغ الألمانية، أن فريدريش ميرز اتهم الدائرة المقربة من هندريك فست بالعمل بأساليب حزب "البديل". وفي غمرة ذلك، رأت ناشرة صحيفة فرانكفورتر ألغماينه الألمانية، هيلين بوبروفسكي، في حوار مع برنامج ماركوس لانز، أن الصراع بين الرجلين لا يقتصر على مسألة شخصية فحسب، بل يتعلق بسلطة مستشار يتفاعل مع الشائعات وكأنها هجوم على منصبه. ووضعت المسألة في إطار الصراع التاريخي الأوسع، مذكّرة بالحساسية لدى فريدريش ميرز تجاه فست الذي طُرح اسمه مرشحاً للمستشارية قبيل وصول ميرز، فيما الصراع محتدم على السلطة داخل "المسيحي الديمقراطي". فريدريش ميرز في وضع حرج وفي وقت يرفض فيه مؤيدو ميرز فكرة استبداله، مؤكدين أن المستشار يبذل جهوداً لتنفيذ إصلاحات اجتماعية، اعتبرت الباحثة في علم الاجتماع السياسي سفينيا بولمان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "نَفَس التغيير" يدغدغ مشاعر كثيرين داخل "المسيحي الديمقراطي"، مضيفة أن "الأمور لا تسير على ما يرام بالنسبة لميرز، وهناك امتعاض من سوء الأداء"، كما أن "التصريحات بلا أفعال". سفينيا بولمان: ميرز تعهد بتعزيز السيادة الأوروبية والحضور القوي لألمانيا مجدداً في السياسة الخارجية من دون طائل من ناحية ثانية، فإن فريدريش ميرز يواجه تحديات في برلمان يضم ستة أحزاب، في وقت كان يطمح فيه لجذب الاستقطاب (الشعبي) بعد حقبة المستشارة أنجيلا ميركل وخلق ديناميكية في حزبه، لكن في نهاية المطاف يبدو أنه غرق في مستنقع طروحاته الفضفاضة، وغابت الإصلاحات الأساسية مع التباينات مع الشريك في الائتلاف الحاكم "الاشتراكي الديمقراطي". من جهة أخرى زاد التململ والاستياء بين المواطنين مع تدهور القدرة الشرائية، وغياب حلول جذرية لتخفيف الأعباء عنهم، إذ بالعكس تتعالى الأصوات المطالبة بتخفيض التقديمات، في حين تستمر رواتب البرلمانيين في الارتفاع. وهذا كله، بعد أن كان ميرز قد حدد أيضاً التزامه بتعزيز السيادة الأوروبية والحضور القوي لألمانيا مجدداً في السياسة الخارجية، إنما من دون طائل. تعثر فريدريش ميرز في مساره قد يدفع عاجلاً أم آجلاً قياديين بارزين داخل حزبه للتوضيح له بأن الوضع لم يعد مقبولاً. وذكرت صحيفة فستدويتشه ألغماينه تسايتونغ، أنه وفقاً لأحدث استطلاع للرأي أجراه معهد يوغوف، فإن 22% فقط من الألمان لديهم رأي إيجابي تجاه ميرز، فيما 74% لديهم انطباع سلبي حياله. خيارات وصول مستشار بديل وفي رد على سؤال حول الآليات الدستورية المعتمدة في حال التوجه لانتخاب مستشار جديد في هذه الدورة التشريعية، أشارت بولمان في حديثها لـ"العربي الجديد" إلى أن هناك ثلاثة خيارات، أولاً أن يقدم ميرز على الاستقالة بنفسه، وهذا صعب لا سيما أنه جهد أكثر من نصف حياته السياسية للوصول إلى المنصب. وفي رأيها فإن ميرز لن يتنازل طواعية أو يخضع للضغوط ويقدّم استقالته، وهناك خشية قد تكون لدى "الاشتراكي" بقبول شخصية تحظى بتأييد شعبي قد تستقطب المزيد من الناخبين منه. وذكرت أنه "عندما سئل فست خلال فعالية في مدينة كولن عن التكهنات قال: أنا لست لاعب كرة قدم جيداً، أهلاً بكم في السيرك السياسي". وبحسب بولمان، فإن الخيار الثاني هو تصويت على حجب الثقة داخل البوندستاغ، ويجب عندها على كتلة برلمانية أو مجموعة من النواب التعبير عن عدم ثقتهم بميرز، وطرح مرشح جديد في الوقت نفسه بالتنسيق مع "الاشتراكي"، ويتعين أن يحصل هذا المرشح على أغلبية مطلقة. أما الخيار الثالث فهو الدعوة لانتخابات جديدة، رغم أن أحزاب الائتلاف الحاكم تمر بأسوأ وضع وهناك مخاطر من تولي اليمين الشعبوي السلطة، وفق قولها. وعن أبرز الشخصيات الأخرى المؤهلة للمنصب داخل "الاتحاد المسيحي"، رأت بولمان أن رئيس وزراء ولاية بافاريا ماركوس سودر، يعتبر أيضاً مرشحاً محتملاً، إلى جانب زعيم كتلة "المسيحي الديمقراطي" ينس شبان رغم تراجع شعبيته، كما هناك أيضاً وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبرندت والمنتمي إلى الشقيق الأصغر "الاتحاد الاجتماعي المسيحي" (يشكل مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي كتلة المحافظين في البرلمان) وهناك رضى عنه بفعل تحقيقه نتائج ملموسة في سياسة الهجرة، كبدائل لميرز. تجدر الإشارة إلى أن ميرز رفض خلال فعالية أقيمت في أرنسبرغ في 28 مايو/ أيار الحالي، أي تعاون مع "البديل"، مستشهداً بدروس من الحقبة النازية وبأن حزبه المسيحي الديمقراطي "نشأ كدرس مستفاد من أحلك ساعات تاريخنا"، في إشارة إلى استيلاء النازيين على السلطة عام 1933. من ناحية أخرى، صرح ميرز أن الائتلاف سيتناول المزيد من الإصلاحات على المستوى الاتحادي، وأن ألمانيا لديها القدرة على بداية جديدة، وأنه شخصياً مصمم وبكل قوة على البداية الجديدة الممكنة لحكومته. وأضاف: "أشعر بمسؤولية هذا المنصب، لا سيما في أوقات التغيرات الجذرية والاضطرابات الكبرى". قادة أوروبيون مأزومون على وقع الفوضى في المشهد السياسي الأوروبي، قال الباحث في الشؤون السياسية الأوروبية يان مولر، لـ"العربي الجديد"، إن "لعنة تراجع التأييد الشعبي التي طاولت الرئيس إيمانويل ماكرون في فرنسا، وبعده (رئيس الحكومة) كير ستارمر في بريطانيا، تلفح حالياً ميرز، مع التراجع الدراماتيكي لشعبيته في الداخل، في وقت تكتسب فيه أحزاب اليمين الشعبوي المزيد من الزخم إن كان في باريس أو برلين أو لندن". ولفت إلى أن المفارقة أن الزعماء الثلاثة ينشطون ضمن "مجموعة الدول الثلاث"، ويظهرون قادة أقوياء في أوروبا وهناك انطباع عن نجاحهم معاً عندما يناقشون قضايا سياسية دولية ملحّة، بينها الموقف الموحد بشأن مفاوضات السلام في أوكرانيا، فضلاً عن الملف النووي الإيراني، وأزمة غرينلاند. يان مولر: مشاكل ميرز لا تقارن بأزمات ماكرون وستارمر إنما تتشابه بعض الشيء وعلى جناح هذه المعطيات، وفق مولر، لا مناص من القول إن مشاكل ميرز لا تقارن بأزمات ماكرون وستارمر إنما تتشابه بعض الشيء. ففي الدول الثلاث البيانات الاقتصادية ضعيفة وغياب الإصلاحات هائل، فضلاً عن أنها مثقلة أيضاً بما يسبّبه تقدّم الأحزاب المتطرفة في استطلاعات الرأي من إرباك للأحزاب التقليدية. لكن ميرز يتشارك مع ستارمر بعدم إمكانية تحقيق برنامجه السياسي والاقتصادي بعدما كان أغدق الكثير من الوعود للناخبين، بينها إصلاح ضريبي شامل وانتعاش ألمانيا اقتصادياً مجدداً. وأوضح أن "فرنسا ومنذ الخطأ الاستراتيجي للرئيس ماكرون، ودعوته قبل عامين لانتخابات مبكرة، تعيش البلاد حال من الجمود السياسي، ما يدفع للخشية على مستقبل الاتحاد الأوروبي مع تقدم حزب التجمع الوطني في فرنسا، وربما قد ينتهي التعاون بين قطبي القارة فرنسا وألمانيا بشكله الحالي". وهنا، وفق مولر، نرى أن "هناك انفتاحاً أوروبياً أكبر على إسبانيا وبولندا وإيطاليا، حيث يتمتع قادتها بالاستقرار في مناصبهم". في المحصلة، يبدو أن هذه الجلبة داخل حزب ميرز ترتبط بحقيقة لا تخفى، وهي أنها أدخلت المستشار في مرحلة قد تؤشر إلى بداية أفول سريع لنجمه السياسي داخل "المسيحي الديمقراطي"، وأن شائعات سيناريو استبداله لم تظهر من لا شيء، لا سيما أن هناك أشخاصاً ذوي صلة لا يرغبون في نفيها رسمياً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية