عربي
لم يحن الوقت بعد لتحليل سلوك رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ما بعد 7 أكتوبر (2023) نظراً إلى أن الحرب متعدّدة الساحات ما زالت مستمرّة، ولا يظهر أفق نهايتها. بالرغم من هذا، نعثر في عديد من تحليل الخبراء الإسرائيليين أنفسهم على أن ثمّة شبه اتفاق على انهيار نمطين محوريين من أنماط سلوكه: الأول يتعلق برؤية حاول ترسيخها تعتبره الشخص الوحيد القادر على حماية إسرائيل من "أخطار وجوديّة"، مثل البرنامج النووي الإيراني، في ما يعرف بـ"عقدة المُخلّص". والثاني، الاعتقاد بأن بقاءه في سدّة الحكم مرادف لـ"أمن إسرائيل"- ومن هنا حاول أن يُكسب نفسه لقب "السيّد أمن"- وأن غيابه يعني انهيارها. وبحسب أحد التحليلات، عزّز هذا الأمر لديه صفات نرجسية عالية تجسّدت في مظاهر تتسم بالتماهي بين الذات والدولة.
وأشير في تحليل آخر إلى أن نتنياهو ينظر إلى الإقليم باعتباره ساحة صراع دائم لا مكان فيها للضعفاء. وفي ضوء هذا، هو لا يبحث عن اندماج ثقافي أو جماهيري مع المحيط العربي، بل يسعى إلى فرض إسرائيل قوة إقليمية عظمى مهيمنة، يتم خطب ودّها والتحالف معها من الحكومات العربية لتلبية حاجات أمنية واقتصادية، مع إبقاء الشعوب العربية خارج حسابات التفاوض السياسي المباشر.
وفي ما يخصّ القضية الفلسطينية، أول استنتاج التحليلات فحواه أن نتنياهو أحدث تحوّلاً كبيراً في عقيدة سياسية إسرائيلية كادت تغدو تقليدية تقوم على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وبالتالي تسوية القضية الفلسطينية أولاً للوصول إلى العالم العربي، حيث طرح معادلة "السلام من خلال القوة" و"السلام مقابل السلام". ووقفت وراء ذلك رؤية تعتقد أن الدول العربية تنظر إلى مصالحها الاستراتيجية والأمنية أولاً. وفي عرفه، كما يروّج أبواقه، من خلال هذه الرؤية أفلح في توقيع "اتفاقيات أبراهام" مع عدة دول عربية، معتبراً أن المصالح المشتركة، وتحديداً مواجهة النفوذ الإيراني والتكامل الاقتصادي، كافية لبناء تحالفات إقليمية من دون الحاجة لحل الصراع مع الفلسطينيين والذين يراهم عقبة ولكن يمكن تخطيها.
تجدر الإشارة هنا إلى أن أخصائيين نفسانيين كثيرين ينأون بأنفسهم عن الغوص على تحليلات لشخصيات زعماء وقادة سياسيين وسلوكياتهم استناداً فقط إلى خطاباتهم ومقابلاتهم الصحافية وما شابه، من منطلق أن إحدى القواعد الأساسية لهذه التحليلات تتمثل في وجوب عقد حوارات وجهاً لوجه مع الشخصية المُراد تشريحها على سرير التحليل النفسي. ومع هذا عرف التاريخ الحديث حالات تحليل كهذه.
وفي إسرائيل ثمّة وحدة خاصة في قسم الأبحاث التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) متخصّصة في كتابة ما يعرف بـ"تقارير تشخيص" عن زعماء أجانب. ويعمل فيها طاقم مؤلف من أخصائيين نفسانيين ومستشرقين. وبموجب ما تخبر مراجع إسرائيلية شتى، يتركز عمل هذه الوحدة في إعداد تقارير عن زعماء دول عدوة أو منظمات "إرهابية". وسبق لها أن أعدت تقارير كهذه عن أنور السادات وحافظ الأسد والملك حسين وصداّم حسين وياسر عرفات وغيرهم. وكان في عداد الأخصائيين النفسانيين الذين عملوا في هذه الوحدة البروفيسور شاؤول كمحي، الذي ارتبط اسمه بنتنياهو، عبر واقعتين: كتابة تحليل عنه في إبريل/ نيسان 1998 في أثناء أول ولاية له في رئاسة الحكومة ذكر فيه أن "البروفايل النفساني يستعين بتحليل السلوك"؛ والاشتراك مع أخصائيين نفسانيين آخرين في سبتمبر/ أيلول 2017 في كتابة تحليل مكمل بعنوان "تحليل سلوك بنيامين نتنياهو 1999 و2017: ما الذي تغيّر؟".
ودلّت النتائج البارزة لهذا التحليل على ما يلي: ما زال نتنياهو يرى نفسه مؤهلاً أكثر من غيره للقيادة وأنه سياسي عبقري؛ يهوى الحياة المرفّهة التي توفرها له مكانته ونفوذه السلطوي؛ يستخدم أسلوب التحايل للدفع قدماً بأهدافه وفي مقدمها ضمان بقائه السياسي؛ متشكّك ويستحوذ عليه الشعور بأنه ضحيّة. وتبعاً لهذا، جميع اللاعبين السياسيين أو معظمهم ضده على نحو دائم؛ تبرز عنده بشكل كبير صعوبة في اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالمسائل الأساسية المرتبطة بالصراع مع الفلسطينيين.
