عربي
على الرغم من أن صور الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، لا تزال معلّقة في بعض شوارع العاصمة كاراكاس، "وفاء" لـ"الرفيقة والرفيقة" اللذين تعتقلهما إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ 3 يناير/كانون الثاني الماضي، إثر اختطافهما من العاصمة الفنزويلية إلى نيويورك، إلا أن ذلك قد يكون "لزوم الشغل" لنائبة مادورو، الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، وشقيقها خورخيه، اللذين يُمسكان اليوم بمقاليد السلطة في فنزويلا، ويُحسنان حتى الآن التأقلم مع ما هو مفروض عليهما من قبل إدارة ترامب، لنقل هذا البلد من ضفة إلى أخرى. وبحسب ما يتكشف كل يوم عن عملية الانتقال هذه، فإنها تجري بسلاسة، وهدوء، بمعية فريق أميركي، يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو، ويضمّ في الخلفية، وجوهاً من بينها موريسيو كلافير كارون الكوبي الأصل، والتي يبدو أنها تؤدي أدواراً كبيرة في رسم سياسات ترامب المتعلّقة بمنطقة نصف الكرة الأرضية الغربية، أي أميركا اللاتينية والكاريبي، وهي منطقة منحها الرئيس الجمهوري في ولايته الثانية، أهمية بالغة في استراتيجيته للأمن القومي عملاً بإحياء مبدأ مونرو كما قال ترامب نفسه، لا سيما بعد إسقاط مادورو ببضع ساعات، ما سمح له باستعراض القوة فيها وفرض حصار صارم على كوبا.
موريسيو كلافير كارون... أو "آكل الأطفال"
من هذه الوجوه التي تُمسك بالملف الفنزويلي، وقد تبرز أكثر مع ازدياد الضغط على هافانا، المحامي من أصل كوبي إسباني، موريسيو كلافير كارون، الذي يشبّهه البعض بـ"جاريد كوشنر أميركا اللاتينية"، نسبة إلى صهر ترامب، الذي يتمتع بنفوذ واسع في رسم سياسات الشرق الأوسط، ومتهم بالانتفاع من صفقات المنطقة، حيث وسّع شبكة علاقاته الاستثمارية في عدد من دولها، بصفته مبعوثاً لترامب إليها من خارج "الملاك" الإداري، ومن دون أن تكون له أي صفة رسمية داخل الإدارة، لكنه يملك تأثيراً في قراراتها، خصوصاً باعتباره صهر ترامب ويهودياً داعماً بقوة لإسرائيل، ومدافعاً عن مصالحها.
أول اتصال أجراه روبيو برودريغيز، بعد ساعات قليلة من اختطاف مادورو، شارك فيه كلافير كارون
وموريسيو كلافير كارون، هو ذلك المؤثر، ولكن قد يكون أكثر من "كوشنر أميركا اللاتينية"، حيث يلّقب أيضاً بـ"آكل الأطفال" (كومينينوس بالإسبانية) و"قاذف اللهب"، حينما يتعلّق الأمر بكوبا. وتدّل مراجعة بسيطة لسجل الرجل، المولود في ميامي، والمقرّب من روبيو، من دون أن يكون صديقه، على أن الجزيرة الكاريبية تبقى هدفه الأول لإخضاعها للنفوذ الأميركي، وفتح الباب واسعاً فيها أمام الاستثمارات الأميركية، والانتقام من نظامها الشيوعي.
ويعمل موريسيو كلافير كارون (51 عاماً)، حالياً، في شركة الأسهم الخاصة التي أسّسها مع شريكته جيسسكا بيدويا، الكوبية الأصل، من مكتبه في ميامي، أو من المنزل، وهدف الشركة جمع مليار دولار، وهي لا تزال ناشئة (start up). هذا بالنسبة إلى منصبه الرسمي الذي يُعرّف نفسه به أمام الإعلام، وآخر مرة أكّد ذلك، كان يوم أمس الثلاثاء، في تقرير لصحيفة واشنطن بوست، سلّط الضوء على الدور غير المُعلن للرجل داخل إدارة ترامب، مستشاراً ومساعداً ومهندساً لصياغات السياسات المتعلّقة بفنزويلا، وكيدٍ يمنى لروبيو، عندما يتعلّق الأمر بإدارة المرحلة الانتقالية في فنزويلا، والتواصل مع ديلسي وشقيقها، وتوجيه الحكومة الانتقالية في كاراكاس على أفضل السياسات لإعادة هيكلة الديون السيادية، واختيار شركات النفط الأجنبية التي سيسمح لها بالعمل في البلاد، وشركات الاستشارات المالية، المحسوبة طبعاً على اللوبي الاقتصادي المحافظ في الولايات المتحدة. هكذا، يقدّم موريسيو كلافير كارون "حزمة" خدمات كاملة، للرئيسة الانتقالية الفنزويلية، المتعطشة لتثبيت حكمها، لكن المتوجسة أيضاً من كيفية إرضاء ترامب، ومن إمكانية انقلابه عليها، أو إطاحتها حينما يحين الوقت.
وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن أول اتصال أجراه روبيو برودريغيز، بعد ساعات قليلة من اختطاف مادورو، ليخيّرها بين التمرد أو العمل مع إدارته بحسن نيّة، شارك فيه كلافير كارون، الذي لا يشغل حالياً أي منصب رسمي داخل إدارة ترامب، بعدما شغل لفترة محدودة منصب مبعوث الرئيس الأميركي الحالي لشؤون أميركا اللاتينية، بعد عودة الأخير إلى البيت الأبيض في يناير 2025. ولأن هذا المنصب لا يمكن مواصلته من دون موافقة الكونغرس، اضطر كلافير كارون للاستقالة منه والعودة للعمل بشركته "لارا فاند"، لكنه ظلّ على تواصل مع ترامب وفريقه الخاص بأميركا اللاتينية. أما لماذا لم يُثّبت، فإن رواية قضية "سوء السلوك" التي لاحقته حينما كان رئيساً لبنك التنمية للبلدان الأميركي، كأول أميركي يُعيّن بالمنصب، بين عامي 2020 و2022، حين أطيح به بسببها، قد تكون وراء ذلك، أو لأن أفكاره الصقورية، لم تتحّملها حتى إدارة ترامب، أو لعلّه تضارب المصالح، أو تضارب الأفكار، بينه وبين روبيو.
ولكن في كلّ الأحوال، فإن هذا الرجل، ينسب له في الدوائر المحافظة الأميركية، بأنه مهندس سياسة الضغوط القصوى التي فرضها ترامب خلال ولايته الأولى، على كوبا وفنزويلا، بعد تراجعه عن الانفتاح الذي أبداه سلفه باراك أوباما تجاه الجزيرة الكاريبية، وفرض عقوبات صارمة على نظام مادورو، فيما فشل في طرده من الحكم. ومن الممكن أن غضباً ما أبداه ترامب تجاه كلافير كارون، في ولايته الأولى، بعدما راهن الأخير، حين كان يشغل منصب مدير شؤون منطقة نصف الكرة الأرضية الغربي، في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، كما يبدو، على المعارض خوان غوايدو، لإلحاق الهزيمة بالرئيس الفنزويلي السابق.
على العموم، فإن كلافير كارون، يعترف اليوم بدوره وسيطا بين روبيو ورودريغيز، أو قناة بديلة للتواصل بينهما، حين يكون وزير الخارجية الأميركي غائباً عن السمع. هذا التواصل سمح له مع صديقته بيدويا، بمعرفة الرئيسة الانتقالية الفنزويلية عن كثب، وتقديم النصائح لها، خصوصاً عبر شركة "سنتر فيو بارترنرز" ومقرها نيويورك، والتي زكّاها الرجل، لإعادة هيكلة الديون الأميركية. لكنه يشدّد على أن لا تضارب في المصالح بين عمله الاستشاري للبيت الأبيض، ولو غير الرسمي، وأعمال شركته الناشئة، التي وفق تأكيده لـ"واشنطن بوست"، لم تدخل حتى اليوم في أي مشروع في فنزويلا. وهناك مصادر أكدت للصحيفة، أن ديلسي وخورخيه رودريغيز، أصبحا منزعجين من الدور الممنوح لكلافير كارون، وهو ما قد يكون دفع الأخير للقول للصحيفة إن دوره كصلة وصل بين واشنطن وكاراكاس يشرف على الانتهاء، مع عودة عمل السفارة الأميركية في العاصمة الفنزويلية، وتحديثها بعدد كبير من الموظفين.
مهندس سياسة "جعل كوبا عظيمة مجدداً"
لكن مهام "كوشنر أميركا اللاتينية" واهتماماته قد لا تنتهي هنا إلى جانب ترامب. فكوبا موضوعة على لائحة الدول الواجب إخضاعها قبل مغادرة الرئيس الأميركي منصبه بعد أكثر من عامين، وهي التي يتفق حولها روبيو وكلافير كارون من ناحية المبدأ على وجوب إسقاط النظام فيها، أو إخضاعه بالكامل، وفتح الجزيرة على مصراعيها أمام الاستثمارات الأميركية، وطرد الصين وروسيا منها. ويعدّ الرجل في ذلك، خبيراً، نظراً لأن سياساته المالية والاقتصادية الصقورية، ظلّت لسنوات تقوم على محاربة الصين في القارة، والدفع لحرمانها من موطئ القدم في العديد من الدول اللاتينية.
يصّر كلافير كارون على أن "نموذج النظام الكوبي مات"
على الإنترنت، يمكن إيجاد مقال كتبه موريسيو كلافير كارون عن كوبا، يعود لإبريل/نيسان 2013، ومنشور على موقع معهد "أميركان إنتربرايز" البحثي، وينتقد فيه سياسة أوباما ووزير خارجيته جون كيري على خلفية الانفتاح على الجزيرة، حيث اعتبر أنه من الخطر جداً الادعاء أن كوبا تبدلت، ولم تعد دولة راعية للإرهاب، وفق زعمه، مؤكداً أن "الأخوين كاسترو"، راؤول وفيديل، يفتقدان للمصداقية. ويكشف المقال، منذ ذلك الحين، مدى اطلاعه على شؤون أميركا اللاتينية من وجهة نظر أميركية محافظة ومتشددة، ما يجعله خبيراً في المجال، ما يسهل معه فهم ما ذكرته "واشنطن بوست" عن حاجة إدارة ترامب إليه، لرسم سياسات المنطقة.
في مقابلة له مع موقع "بوليتيكو"، نشر في ديسمبر /كانون الأول 2025، يرفض موريسيو كلافير كارون فكرة إرسال قوات البحرية الأميركية "مارينز" إلى قناة بنما، لتنفيذ عمل عسكري، بل إرسال مهندسين لـ"جعل القناة عظيمة مجدداً". أما بالنسبة إلى كوبا، فيتحدث عن "تغيير ديمقراطي" مقبل فيها، رافضاً استخدام مصطلح تغيير النظام، ومصرّاً على أن "نموذج النظام الكوبي مات". وعندما أصرّ المحاور على سؤال عن مستقبل الجزيرة، اكتفى بالقول عن طموحات الإدارة الأميركية: "أعتقد أنه بإمكاننا أن نكون خلّاقين، خلّاقين جداً في الواقع". لكن نموذج فنزويلا لا يبشّر بالخير.

أخبار ذات صلة.
الجزائر... أصعب الانتخابات أسهلها
العربي الجديد
منذ ساعتين