الجزائر... أصعب الانتخابات أسهلها
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
هذه أصعب انتخابات نيابية بالنسبة للأحزاب السياسية في الجزائر منذ عام 1997، لا تملك فيها الأحزاب السياسية "رفاهية" اختيار مرشحيها بالضرورة؛ فالسلطة متدخل رئيسي في ذلك، وهي التي تملك القرار الأخير في تحديد لائحة مرشحي الأحزاب وقبولهم على قاعدة اشتراطات القانون الانتخابي. والبيانات التي تعلنها السلطة المستقلة بشأن عدد المرشحين الذين تم تحييدهم، خصوصاً بسبب "شبهات المال الفاسد" أو "المساس بأخلقة العمل السياسي"، تطرح أسئلة كثيرة، حول فائض الصرامة التي تبديها السلطة إزاء مرشحي الأحزاب، وتداعيات ذلك على مستقبل العملية السياسية في الجزائر. صحيح أن علاقة المناضل والعضو في الحزب السياسي، لا ترتبط بالضرورة بالترشح على لوائح الحزب في الاستحقاقات الانتخابية، المحلية والنيابية وغيرها، لكن ذلك يبقى حقاً وطموحاً مشروعاً، تحديداً في الأحزاب الحاملة لفكرة والحاضنة لمشروع سياسي، والتدرج في السلم السياسي والمؤسسي عبر المؤسسات المنتخبة. هو مسار طبيعي بالنسبة للمناضلين والإطارات السياسية، إذ إن الهدف من وجود الأحزاب هو السعي للوصول إلى السلطة، وخدمة الشأن العام والمساهمة عبر المؤسسات في تصريف شؤون الدولة، غير أن صدّ هذا الطموح، على نحو ما هو قائم في الانتخابات النيابية المقبلة، سيدفع لا محالة إلى مراجعات جدية حول معنى الحزب والنضال والترشح. ما يثير الانتباه في هذا السياق، هو العدد الكبير من نواب البرلمان الحاليين، والأعضاء في المجالس المحلية المنتخبة، والذين تم استبعادهم من الترشح مجدداً، للأسباب السالفة، وبغضّ النظر عن الدوافع الحقيقية، قانونية كانت أم سياسية، يطرح ذلك سؤالاً مثيراً، إذا كان كل هذا العدد من النواب والمنتخبين من ممثلي الشعب، لديه مشكلات أو تصرفات ذات صلة بالفساد أو على علاقة بالمال السياسي وشبهات حول المساس بأخلقة العمل السياسي، فكيف استمر وجودهم في مناصب تشريع القوانين على مستوى البرلمان، أو تسيير الشأن المحلي والتصرف في المال العام على مستوى البلدات والمحافظات؟ إنه سؤال يحتاج فعلاً إلى إجابة سياسية وقانونية، كونه ليس من المعقول استمرار فاعل ممثل للشعب في منصب نيابي في وجود شبهات تتصل به على أي صعيد كان. من حق الدولة من باب المسؤولية، حماية المؤسسات من وجود منتسبين لا تتوفر فيهم الضوابط الأخلاقية والقانونية، لذلك لن يعترض أحد على أخلقة العمل السياسي في الجزائر، ومحاربة المال الفاسد المتدخل في الشأن السياسي، بناء على تجارب سابقة تسلل فيها المال إلى قلب الممارسة السياسية والحزبية، بل أن أخلقة الساحة السياسية ظلت مطلباً ملحاً من القوى والنخب السياسية التي استشرفت منذ ما قبل عام 2019 مخاطر توغل الكارتل المالي المركزي والمحلي في العمل السياسي، لكن هذه "الأخلقة" يتعين أن تتم على أساس مسطرة قانونية أكثر وضوحاً وأكثر دقة في الفصل بين السياسة وبين أية ممارسة تخلّ بقواعدها الأخلاقية، وتعريف أكثر ضبطاً لمعنى المال السياسي وحدود التماس بين "السياسة" و"المال"، وباقي المشتبهات القانونية. كل ذلك، لئلا يؤدي هذا الأمر إلى مزيد من العزوف عن الممارسة السياسية وتضييق آفاق وحدود المشاركة في النقاش العام، وكي لا يحدث خلط أو التباس بين الحق المشروع وبين الممارسة المدانة. مثلما تبدو هذه الانتخابات صعبة بالنسبة للأحزاب الجزائرية، لكون خلخلة لوائح مرشحيها على النحو الذي يتم تقوّض حساباتها على المستوى المحلي، تبدو أسهل انتخابات بالنسبة للسلطة، بعدما استقرت لها الأوضاع، وبدت أكثر تحكماً في كل الديناميكيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي وضع يتيح لها تحديد مدخلات العملية الانتخابية ومخرجاتها السياسية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية