عربي
ربما من أصعب ما قد يحدث للإنسان أن يهرب قبل أن يسقط ركام المنزل فوق لحمه وعظامه، لكنه لا يستطيع أن ينقذ الآخرين، أو أن يجري انتشاله من بين الركام، ولكن شيئاً ما يجعله يعود إلى المكان نفسه لكي ينبش فيه. وربما شعرتَ بأن هناك ما يشدك ويناديك لكي تعود، وربما كان إحساسك صادقاً فعلاً، أو أن العودة حتمية؛ لأنك بالفعل تريد ما تحت الركام، حتى لو بعد حين.
بعد نحو عامين ونصف العام، استطاع الأهالي الذين ذاقوا لوعة فقدان أقاربهم الوصول إلى ركام المنزل في مخيم جباليا، رغم أن المنطقة التي يقع فيها تُصنَّف ضمن المنطقة الصفراء التي يسيطر عليها الاحتلال، لكن الهاجس المؤرّق للأهالي، برغبتهم في انتشال ما تبقى من رفات ذويهم، ظل ملحّاً عليهم حتى استطاعوا الوصول إلى المكان. وأعلنت، بفرح ممتزج بكل ألم الدنيا، فتاة صغيرة على "فيسبوك": "الحمد لله، استطعنا انتشال رفات عائلة خالتي هدى، وقد ارتقوا مع نحو ستين شخصاً في مذبحة عائلة "خِلّة" الشهيرة. اليوم فقط يمكننا أن نحظى بفرصة وداعهم ودفنهم".
من تحت الركام، أُخبرت عائلة طفلة صغيرة بالعثور على رفاتها بين الأنقاض، وذلك بعد أن تمكّنت تلك العائلة من العودة إلى منزلها المقصوف وتفقده، لكن المؤلم أن أحداً من ذويها لم يتبقَّ على قيد الحياة؛ فقد قُتل الناجون منهم في حوادث قصف لاحقة ومتفرّقة، ولم يبقَ سوى أحد أقاربها من بعيد، والذي انتشل الرفات، وكرّمها ودفنها بجوار قبر جماعي يضم والديها وإخوتها، الذين عاشوا وقتاً قصيراً بعد قصف المنزل الذي حلّوا فيه نازحين عدة أشهر، وخرجوا منه هاربين بعد أن تركوا الصغيرة بين الحياة والموت تحت الركام.
ومن تحت الركام أيضاً، استخرج أحد الشباب محتويات خزانة ملابسه كاملة. وقد كان على يقين بأن غرفة نومه -التي كانت في وسط المنزل، وكان يتندّر مع إخوته دائماً بأنها ستبقى من دون انهيار لو حدث قصفٌ لمنزلهم- ستظل قائمة. وقد حدث هذا فعلاً حين اكتشف، بعد عامين، أن غرفته كما هي، ولكنها بين أكوام من الركام. فظل يحاول الوصول إليها نبشاً بيديه فقط، ومن دون معدّات، حتى تمكّن من هذا، واستطاع إخراج ملابسه التي تركها منذ عامين، وقد بَلِيَت قطعة الملابس التي خرج بها فوق جسده، وأصبح حاله سيئاً، فلم يتمكّن من شراء سوى قطعة أخرى ليستبدلها. أما حين أخرج ملابسه فقد فرح فرحة غامرة، ولوّح ببعضها منتصراً، مؤكداً أن الأقدار تؤخذ من الأفواه، وكما يقول فقد ظل على يقين بأنه سوف يجد غرفته بملابسها وصورها وذكرياتها، وأن لديه وقتاً كثيراً لينتشلها.
ومن تحت الركام، عثر أحد الشباب على صُرَّة قماشية تحتوي على كمية من المصاغ الذهبي، وقد أدرك أنها ملكٌ لأصحاب المنزل. وكان قد قرّر أن يرفع الركام ليتمكّن من فصل الخشب عن الحديد، فيبيع كل ما يستطيع جمعه على حدة، لكنه حين كان يؤدي هذه المهمّة الشاقة، من أجل نزرٍ يسير من المال، عثر على هذه الصرة الثمينة، لكن المؤلم أيضاً أنه لم يستطع الوصول إلى أصحاب المنزل المدمّر؛ فقد قُتلوا جميعاً، وبعد بحث طويل توصّل إلى أقارب الأم، وسلّمهم الأمانة بعد غياب صاحبتها.
تحت الركام هناك، وحسب إحصائيات محلية، ما يقرب من عشرة آلاف ضحية لا تزال غير مسجلة ومدرجة في سجل الوفيات، ومصنَّفة مفقودين تحت الأنقاض. ولا يجري استخراج شهادة وفاة بأسمائهم قبل انتشال بقاياهم، وبعد إجراءات معقّدة، تتضمّن حضور شهود على انتشالهم، وأن يتعرّف إليهم أحد من ملابسهم ومتعلقاتهم، والقسم بيمين مغلظة أمام قاضٍ بأنه قد تعرّف إليهم موتى، لكنّ هناك آلافاً ممن انتُشلوا ودُفنوا في مقابر الأرقام؛ لأن أحداً لم يتعرّف إليهم، أو لأن من يعرفهم قد رحل معهم، أو قبلهم، أو بعدهم.

أخبار ذات صلة.
الجزائر... أصعب الانتخابات أسهلها
العربي الجديد
منذ 59 دقيقة
مرور الزمن لا يخفف من استعصاء عقدة السويداء
العربي الجديد
منذ 59 دقيقة