دائماً يعود الموتى أصفياء
عربي
منذ ساعة
مشاركة
... وكأنهم ما كانوا معنا، أو تعاركوا معنا، وكأننا ما تضايقنا منهم يوماً، ولا حدث بيننا وبينهم سوء تفاهم، ولا حتى علت أصواتهم في عراك، ولا حتى طمعوا في شيء، فهل الموت يغسل كل تلك الأشياء تماماً عنهم، أم أن الموت يفتح صفحة التسامح التي أظنها هبة أبدية من الله، يشعر بها الحي بعد رحيل الميت؟ هل لأن الميت بات هناك، بات بعيداً، ولن يشاركنا الحفل أبداً، ولن يقاسمنا تلك الوقفة أمام باب الدكان، ولن يقاسمنا الرزق الذي نخاف عليه، ولن يكون ضيفاً علينا أبداً، ولن نراه جالساً في مقهى يمسك تلك الجريدة أو ذلك الكتاب أو ذلك الأمل، ولن ينادي علينا ثانية ونحن نطل من الشباك في يوم حار، هل لأن الميت بات حلماً، أو ما يشبه الحلم، هل في الموت هناك ذلك الحلم الذي يجمّل الميت بكل ذلك الوداد، حتى وإن لم يكن بالميت ذلك الوداد في الدنيا؟ هل الموت صفحة جديدة وصل إليها الميت من دون أن ندري، وكأنها ولادة جديدة صار بها، ولادة شفافة بعدما انتهى ذلك الصراع وتلك الجولة الأولى من الوجود؟ هل لأن الموت نسيان أيضاً، والنسيان يكون جميلاً، وأكثر جمالاً من التذكّر، نسيان يشبه كل تلك الأحلام الهادئة التي نطويها فور أن نقوم من النوم ونعد الشاي للساعات المقبلة والمواعيد المقبلة والمشاوير التي ننتظر بهجتها. لماذا يكون الميت خفيفاً جداً بعد أن يودعنا ونودعه، وكأنه يلوّح لنا من هناك ويقول إن كل الأشياء كان يمكن لها أن تكون بسيطة وأكثر بساطة وجمالاً مما عشناها، هل الميت دائماً يحرّضنا على الندم بعدما يرحل، ندم خفيف كندم أحبة، ندم طاهر كطهر ملائكة، رغم أن الميت لم يكن ذلك الملاك، ولا كان ذلك الطاهر، فهل الموت يلفه بثوب الملائكة، ولو على سبيل المجاز؟ يودّعنا الموتى وكأنهم قالوا لنا تلك الوصية الأخيرة لنا، رغم أننا لم نرهم منذ سنوات، ولا حتى خالطناهم في زاد؛ هذا الثوب البهي الذي يكسبهم ذلك الحلم الذي يلفهم في الحكايات حينما نتذكرهم أو يمر طيفهم من حولنا، أو نرى أولادهم، أو نرى قطعة الأرض التي عاشوا عليها، أو واجهة البيت الذي تركوه، أو برج الحمام الذي حلموا به، أو وقوفهم أمام مخبز في ظهيرة شتاء، أو تعطّل دراجتهم في طريق ترابي منذ سنوات بعيدة، أو رؤيتنا أحد أحفاده وبه نبرة ما من صوته. ما الذي يتلبس الميت حين يموت، ويتركه لذاكرتنا فنراه دائماً كملاك طيب عاش معنا تلك اللحظات فوق تلك الأرض، ثم تركنا؟ هو الموت الذي يلطّف ذاكرتنا نحن فيجعلنا أصفياء كذلك الميت الذي رحل عنا، أم أن هذا الصفاء بمثابة هبة تصبح كهدية للميت والحي أيضاً، وخصوصاً حينما تحل عليه تلك السحابة الرقيقة من جانب الميت وتبدأ الحكايات؟ هل لأن الموت ينهي تلك العلاقة من التشابك الأرضي الزائل ويجعلنا وجهاً لوجه مع ملكوت النسيان الذي كان يجب أن يكون هو الأصل، أو هو النسخة الأصلية منا قبل أن نشتبك مع صراعات المصالح والعيش والتطاحن والجدل وسلسلة كل التبريرات، كي نكون ما نرغب فيه وما نحرص عليه وما نقاتل من أجله حتى آخر نفس. الموت تلك الهدية التي تفك لنا ذلك الصراع مع الشخص الراحل، وتشعرنا أيضاً ببعض بقايا الذنوب التي ارتكبناها؛ تلك الغمامة كيف تزاح عنا بعدما يرحل عنا الميت؟ للأم منزلة خاصة في كل الحكايات المتروكة خلفها، لأن كل دفاترها التي تركتها هي في الأصل من ورق الورد، ولا نشم في بقايا الورق إلا العطر، والصاحب اللطيف أيضاً، وخصوصاً لو ترك لنا الدنيا في بداياته، وهذا دليل عدم الأطماع لديه، والسيدة النبيلة أيضاً تأخذ مائدة الذكرى لحسابها، يبقى الأب في منزلة ما، وخاصة لو كانت أحداث العيش تركت خشونة ما أو بقايا ثأر ما، دائماً الأب بحكاياته المتروكة نحمل له آثار ثأر ما، حتى وإن لم تكن هناك مشاحنات، هل لأنك كنت نداً له، أو تضمر في نفسك تلك الندية، رغم أنه كان فلاحاً وأنت تعلّمت، إلا أن حكايات العناد تطل برأسها حتى بعد الرحيل، هل لذلك أقام سيغموند فرويد الدنيا وأقعدها بفضل تفهّمه ذلك الثأر، حتى وإن أخذ به الشطط في التفسير؟ أذهب إلى المقابر كل حين فأقرأ الفاتحة لآخر أطفالي (آسر)، وكأنني أشم رائحة ملاك، وأقلب مع نفسي حكاياتي مع الأب بعد قراءة الفاتحة، ما بين طفلي ووالدي حائط، وشجرة الورد تميل بكاملها ناحية والدي والصبار يحيط بطفلي، والحكايات تتناثر حولي، أحياناً تكون كالشوك، وأحياناً تتناثر كبقايا الزهور بالقرب من القبرين، وأعود ببقايا بعض الدمع والنسيان أيضاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية