عربي
أكدت مصادر دبلوماسية لـ"العربي الجديد" أن الدوحة استضافت، في شهر فبراير/ شباط الماضي، محادثات غير معلنة، ضمّت أكاديميين وخبراء ودبلوماسيين سابقين من الهند وباكستان ضمن ما يعرف بـ"المسار الثاني" وبترتيب من مركز أبحاث مقره المملكة المتحدة، بهدف الحفاظ على قنوات اتصال غير رسمية بين البلدين، وكجزء من إطار أوسع للمناقشات غير الرسمية. وتهدف هذه المناقشات غالباً إلى تخفيف حدة التوترات بين الهند وباكستان واستكشاف المواقف السياسية لكل منهما، بعد النزاع المسلح الذي اندلع بين البلدين في مايو/ أيار 2025.
وكانت صحيفة هندوستان تايمز الهندية، قد نشرت تقريراً في شهر إبريل/ نيسان الماضي، ذكرت فيه أن "الهند وباكستان عقدتا أربع محادثات غير رسمية في مسارين منفصلين منذ نزاع مايو 2025، وكان آخرها اجتماع الدوحة". ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة لم تسمها قولها إن خبراء استراتيجيين وبرلمانيين ودبلوماسيين سابقين من الهند وباكستان شاركوا في أربعة اجتماعات على الأقل عبر قنوات غير رسمية منذ اندلاع النزاع بين البلدين في مايو 2025، وكان آخرها في الدوحة في وقت سابق من هذا العام، وأن المسؤولين الهنود لم يردوا على طلبات التعليق. وبحسب الصحيفة تراوحت هذه المشاركات بين المسار 1.5 والمسار الثاني. ويشير المسار 1.5 عادة إلى حوارات شبه رسمية تجمع بين مسؤولين حاليين وشخصيات غير رسمية، مثل الأكاديميين والباحثين والمفاوضين السابقين، وتُعقد غالباً في أجواء غير رسمية وخلف أبواب مغلقة. أما المسار الثاني، فغالباً ما يُعرَّف بأنه يشمل كل تفاعل غير حكومي أو غير رسمي.
حرب مايو بين الهند وباكستان
واندلع نزاع مسلح قصير الأمد بين الهند وباكستان في السابع من مايو 2025 بعد أن شنت الهند ضربات صاروخية على باكستان تحت الاسم الرمزي "عملية سندور". وصرّحت الهند بأن هذه العملية جاءت رداً على هجوم مسلح وقع في 22 إبريل ونفذه مسلحون في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، وأسفر عن مقتل 26 مدنياً أغلبهم من السياح. وقد أدى هذا الهجوم إلى تصاعد التوتر بين البلدين حيث اتهمت الهند باكستان بدعم الإرهاب العابر للحدود وهو ما نفته باكستان. وفي 10 مايو ردّت باكستان بإطلاق عملية مضادة تحت الاسم الرمزي "عملية البنيان المرصوص" استهدفت من خلالها قواعد عسكرية هندية عدة. ولاحقاً واصلت الهند عملية سندور ووسعت نطاقها لتشمل منشآت عسكرية باكستانية. وقد شكّل هذا النزاع أول معركة طائرات مسيّرة بين البلدين النوويين، قبل أن يعلَن عن وقف إطلاق النار بين البلدين بوساطة أميركية.
الإبقاء على خطوط اتصال
وأكدت وزارة الخارجية القطرية في بيان آنذاك "الحاجة الماسة لجعل قنوات الاتصال مفتوحة بين الهند وباكستان لنزع فتيل التوترات ومعالجة القضايا العالقة بينهما عبر حوار بنّاء، يفضي في نهاية المطاف إلى حلول شاملة وتوافقية ومستدامة". كذلك "جددت دعم دولة قطر الكامل لكافة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى توطيد الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة". من جهة أخرى نقل موقع أردو بوینت نتورك الباكستاني أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تلقى اتصالاً هاتفياً من رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أكد فيه "استعداد دولة قطر للعب دور الوساطة لتهدئة التوترات بين باكستان والهند".
"اجتماع الدوحة" جزء من مسار دبلوماسي خلفي غير معلن بالكامل
ويعد "اجتماع الدوحة" جزءاً من مسار دبلوماسي خلفي غير معلن بالكامل، وما زال مستمراً، هدفه الأساسي احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة أوسع، في وقت فضلت فيه الأطراف المعنية إبقاء تفاصيل تلك الاتصالات غير معلنة. وبحسب تقرير "هندوستان تايمز"، فقد سبق اجتماع الدوحة الذي عُقد ضمن "المسار الثاني" لقاء في "مسار 1.5" عقد في لندن بالمملكة المتحدة، في يوليو/تموز 2025، ضمّ مزيجاً من المسؤولين العاملين والمتقاعدين من كلا الجانبين، بتيسير من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في قضايا الأمن والدفاع والعلاقات الدولية، ويعد من أبرز مراكز التفكير الاستراتيجي في العالم وقد تأسس عام 1958.
وفي حين ضم الوفد الباكستاني مسؤولين عسكريين حاليين وسابقين لم تُرسل الهند أي ممثلين حاليين، واكتفت بالمتقاعدين منهم. كما تبع ذلك اجتماع آخر ضمن المسار نفسه عقد في مسقط، في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، والذي يسّره أيضاً المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
تتماشى هذه المحادثات مع أسلوب "الدبلوماسية الهادئة" وغير المعلنة، والتي ارتبطت بالدور القطري في ملفات إقليمية ودولية سابقة
بالتوازي مع ذلك، شارك خبراء وأكاديميون ومسؤولون سابقون من الهند وباكستان في حوارات المسار الثاني، بما في ذلك اجتماع مسار تشاو في تايلاند، خلال ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، فيما شهدت اجتماعات الدوحة في فبراير الماضي مشاركة مماثلة من هذه الفئة. وتحدث بعض التقارير عن مشاركة شخصيات أمنية ودبلوماسية هندية وباكستانية في هذه اللقاءات، بعيداً عن الأضواء، وهو ما يتماشى مع أسلوب "الدبلوماسية الهادئة" وغير المعلنة، والتي ارتبطت بالدور القطري في ملفات إقليمية ودولية سابقة كالملف الأفغاني.
واستضافت قطر في الفترة ما بين 2010 و2012 مؤتمرات أكاديمية، شهدت لقاءات واتصالات بين أكاديميين أميركيين ومسؤولين سابقين، وممثلين عن حركة طالبان، تحت يافطة (بتنظيم) مكتب دراسات وبحوث، بهدف اختبار فرص التفاوض وتهيئة الأرضية السياسية للحوار، إذ لم يكن هناك اعتراف رسمي بحركة طالبان حينه. يأتي ذلك قبل أن تتحول إلى مفاوضات مباشرة بين الطرفين بوساطة قطرية استمرت لسنوات ونتج عنها توقيع اتفاق وقف الحرب، والانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021.
