توقف القصف الباكستاني لأفغانستان: حسابات أمنية أو ضغوط صينية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تشهد الساحة الباكستانية منذ أسابيع تصاعداً واضحاً في أعمال العنف والهجمات المسلحة، في مشهد يصفه مراقبون بأنه من أسوأ المراحل الأمنية التي تمر بها البلاد منذ سنوات، وأنها قد تتحول إلى بداية انفلات مناطق الشمال الغربي عموماً والمقاطعات القبلية خصوصاً من قبضة الحكومة والجيش. وأثارت هذه الهجمات مجدداً ظاهرة "التمرد" القبلي، في وقت يتخبط فيه الجيش رغم تفوقه العسكري اللوجستي والجوي، في رسم استراتيجية عسكرية ناجحة بمواجهة الجماعات المسلحة، وقد أوقف هجماته على أفغانستان، رداً على تصاعد العنف في الداخل الباكستاني، ما يثير مروحة من الأسئلة حول الأسباب والأهداف، لاسيما لتوقف القصف الباكستاني لأفغانستان. وعادت الهجمات المُركّبة والواسعة النطاق لتضرب مناطق حساسة في الداخل الباكستاني، كان أبرزها الهجوم الذي استهدف مجمعاً للجيش في مقاطعة باجور القبلية شمال غربي البلاد في 14 مايو/أيار الحالي، وأسفر بحسب الحكومة عن مقتل 15 جندياً، بينما تحدثت حركة طالبان الباكستانية عن مقتل وإصابة 100 عنصر من الجيش.  هجوم باجور وهجمات أخرى أعلنت الشرطة في مدينة بنو أنها "كيان مستقل"، وذلك بهدف تحقيق المرونة في الدفاع عن المنطقة ولم يكن هجوم 14 مايو في باجور عادياً، بل مركباً وكبيراً، لدرجة أنه أدى إلى تدمير المجمع بشكل كامل. علماً أن مجمع باجور العسكري كان من أبرز مراكز وقواعد الجيش الباكستاني في شمال غربي البلاد، حيث كان يدير منه العمليات ضد الجماعات المسلحة، وأبرزها حركة طالبان باكستان، وفي الداخل الأفغاني، ويتخذه مركز مراقبة للشرق الأفغاني، تحديداً في ولايتي نورستان وكنر. ويؤكد سكان المنطقة وسكّان من ولاية كنر أن هذا المجمع شكّل منطلقاً للصواريخ على كنر ونورستان، ومهبطاً للمروحيات العسكرية، لكن أثره بعد الهجوم اختفى كلّياً. ويوم الإثنين الماضي، قتل 3 أشخاص وأصيب 4 آخرون في تفجير عبوة ناسفة وقع داخل سوق وانا، في منطقة وزيرستان الجنوبية بإقليم خيبر بختونخوا المحاذي للحدود مع أفغانستان، شمال غربي باكستان. ومن بين القتلى، أحد زعماء قبيلة أحمدزاي الذي استُهدفت سيارته بالتفجير، علماً أن هذه القبيلة تشكل أكثر من 60% من سكان وزيرستان الجنوبية. من جهتها، أفادت حكومة إقليم بلوشستان، الأحد الماضي، بأن السلطات احتجزت ما لا يقل عن ثلاثة من "قادة" الجماعات المسلحة المتمركزة في الإقليم، بينما قُتل 35 من عناصرها في عمليات أمنية استندت إلى معلومات استخبارية خلال الأيام الماضية. وقال مساعد رئيس وزراء حكومة بلوشستان، شاهد ريند، إن قوات الأمن أطلقت عملية يوم الأربعاء الماضي استمرت أربعة أيام على الأقل في منطقة مانجلا زارغون جار، وهي منطقة جبلية تقع على أطراف مدينة كويتا، وفقاً لما ذكرته صحيفة دون الباكستانية، وذلك بعد أيام من موجة عنف هزّت كويتا ومناطق أخرى في الإقليم. وفي خيبر بختونخوا، شهدت مقاطعة باجور وحدها خلال شهر مايو الحالي، هجمات عدة، كان أبرزها هجوم 14 مايو، والذي سبقه في 13 مايو هجوم آخر أدّى إلى مقتل تسعة من عناصر القوات شبه العسكرية. كما وقع هجوم في مدينة بنو بالإقليم، استهدف الشرطة، وأسفر عن مقتل 15 من عناصرها، في 9 مايو، فيما أسفر هجوم انتحاري وقع في 12 مايو، واستهدف مدينة لكي مروت في خيبر بختونخوا، عن مقتل عشرة من رجال الشرطة والأمن. ويرى مراقبون أن هذه الهجمات المتتالية والمتسارعة قد تشكّل منعطفاً فاصلاً في الأزمة الأمنية التي تواجهها باكستان، لا سيما أنها تساهم يوماً بعد يوم في تغليب الاعتقاد السائد لدى القبائل وسكان شمال غرب باكستان، بأن قوات الجيش والشرطة غير قادرة على حسم الحرب على أرض المعركة ضد الجماعات المسّلحة، رغم ما تملكه من تفوق جوي وعتاد عسكري متقدم. يُشار إلى أن الخارجية الباكستانية استدعت القائم بأعمال السفير الأفغاني لدى إسلام أباد سردار شكيب، الأسبوع الماضي، وقدّمت له احتجاجاً على الهجوم الذي وقع في بنو، بذريعة أنه خطّط له في أفغانستان. لكن المتحدث باسم حكومة طالبان الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، رفض هذه الاتهامات، وقال في بيان إن أمن باكستان "شأن داخلي باكستاني لا دخل لأفغانستان فيه"، مضيفاً أنه ينبغي لإسلام أباد "عدم إخفاء فشلها" عبر توجيه الاتهامات إلى كابول. ظاهرتان خطيرتان ونجمت عن التطورات الميدانية الأخيرة ظاهرتان خطيرتان: الأولى إعلان الشرطة في مدينة بنو، في 10 مايو، أنها "كيان مستقل" لا تتبع أي جهة، وذلك بهدف تحقيق المرونة في الدفاع عن المنطقة. وأعلنت شرطة بنو في بيان، أن لجنةً محلية من ضباطها في المدينة، هي التي باتت تدير الأمور المتعلقة بها وبأمن بنو، مشدّدة على أنها لن تنتظر بعد الآن الأوامر الحكومية، كما أن عناصرها لن يلبسوا من الآن فصاعداً الزي الرسمي، ولن ينتظروا الإجراءات الرسمية، بل سيتخذون قراراتهم ويضعون الخطط بأنفسهم من أجل حماية مناطقهم. أما الظاهرة الثانية، فتمثلت بخروج القبائل في وجه قوات الجيش في الشوارع، ومنعها من التحرك، مطالبة إياها بمغادرة مناطقها. وترى الزعامة القبلية في خطابها، وحتى خلال تواصلها مع القيادة المحلية للجيش، أنه مع بقاء العسكر في المنطقة، لن يكون هناك أمن، وبالتالي فإنه من الأفضل مغادرة الجيش، وترك القبائل تدير أمورها كما كانت الحال قبل عام 2001. وهاتان الظاهرتان يراهما بعض المحلّلين بأنهما قد تكونان بداية تمرد. وفي هذا الشأن، يقول الزعيم القبلي من خيبر بختونخوا، وصيل خان شينواري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "ما أصبحنا نؤمن به، هو أن قوات الجيش غير قادرة على الحسم، فهي لديها السلاح المتطور وسلاح الجو، ولكن تلك المعدات لن تجدي نفعاً، طالما أن الجيش على الأرض غير قادر على مواجهة خصمه، والحال هنا هي أن قوات الجيش لا تستطيع أن تخرج من قواعدها، فيما عناصر طالبان يجولون ويصولون ليل نهار". ويضيف: "هذا عن عناصر طالبان الباكستانية، أما عناصر طالبان الأفغانية فنُشاهدهم جالسين على الحدود، وكأنهم جاؤوا للمشاركة في مسرحية". وشارحاً قصده، يتابع: "ما أريد قوله هو أنهم أبناء المنطقة، هذه أرضهم، لا أحد يستطيع أن يحسم المعركة ضدهم، هم يعرفون جبالها وتلالها، واعتادوا على الحرب بأبسط الأدوات، لذلك فقد قلنا للجيش مراراً أنكم لستم أقوى من الجيش البريطاني ولا الروسي ولا الأميركي، لا يمكنكم حسم المعركة بقوة السلاح". ويعرب خان عن اعتقاده بأن الجيش الباكستاني يركن إلى خطوات يظن أنها قد تنفعه في وجه المسلحين، ولكنها في الواقع تستفز القبائل، لأنها خطوات معادية لها. فهو يعتمد على هجمات المسيّرات التي تقتل أبناء القبائل أكثر من المسلحين، كما يطلق الصواريخ بشكل عشوائي، وقد بدأ أخيراً بتوزيع السلاح على عصابات السرقة والنهب والإجرام، مؤكداً أن القبائل لن ترضى بكل ذلك. وصيل خان شينواري: الجيش يركُن إلى خطوات يظن أنها قد تنفعه في وجه المسلحين، لكنها في الواقع تستفز القبائل حسابات توقف القصف الباكستاني لأفغانستان منذ فبراير/شباط الماضي، عمدت إسلام أباد إلى قلب استراتيجيتها تماماً حيال التعامل مع الأزمة الأمنية ودور كابول فيها، بحسب الاتهامات الباكستانية، وأعلنت بلسان مسؤوليها العسكريين والمدنيين أن "كل عمل إرهابي في باكستان سيقابله استهداف داخل الأراضي الأفغانية"، وهو تهديد نفذته مراراً، حيث استهدف سلاح الجو الباكستاني مناطق في الشرق والجنوب الأفغاني، وحتى العاصمة كابول. غير أن اللافت في المرحلة الأخيرة، هو توقف القصف الباكستاني لأفغانستان بشكل كامل (كان آخر قصف لسلاح الجو الباكستاني في 16 مارس/آذار الماضي، والذي استهدف مستشفى لعلاج المدمنين في كابول)، رغم استمرار الهجمات داخل باكستان، بل حتى تفاقمها وتوسّعها في العدد والنوعية، ما أثار نقاشاً معمقاً داخل الأوساط السياسية والأمنية في البلدين، حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء توقف القصف الباكستاني لأفغانستان. وفي هذا الخصوص، يرى المحلل الأمني الباكستاني العميد امتياز علي خان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن القيادة العسكرية الباكستانية، "يبدو أنها أعادت تقييم جدوى الضربات داخل أفغانستان وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن القصف الباكستاني لأفغانستان لم يحقق النتائج المرجوة منه، وأنه لم ينه نشاط الجماعات المسّلحة، بل ساهم في زيادة التوتر مع كابول ورفع مستوى المخاطر الأمنية على طول الحدود المشتركة، من هنا فإن حلّ القضية باعتقادها يكمن في التصدي الداخلي وتحسين العلاقة مع طالبان الأفغانية". أما الإعلامي الباكستاني حسن خان، فيعتبر من جهته، أن السبب الحقيقي وراء وقف القصف الباكستاني لأفغانستان أخيراً، هو طلب الصين ذلك، موضحاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن أحد أهم الأسباب التي تقف وراء وقف القصف الباكستاني لأفغانستان هو الضغط الصيني المتزايد على إسلام أباد، حيث ترى بكين أن الصراع القائم بين البلدين الجارين، يجب أن يتم احتواؤه عبر الحوار، ولذلك فإنها طلبت من الحكومة والجيش في باكستان منح الفرصة للحوار، لكن إذا فشل، فسيكون الردّ الباكستاني حاسماً وقاسياً جداً، وفق تعبيره. الاعتبارات المالية والضربات الأفغانية ولكن على عكس هذه التصورات، يرى المحلل السياسي الأفغاني عبد الصبور أكبري، أن باكستان "لا تحترم أحداً"، نافياً من وجهة نظره، أن يكون الضغط الصيني العامل الرئيسي الذي دفع إلى وقف القصف الباكستاني لأفغانستان. وبرأيه، في حديثه لـ"العربي الجديد"، فإن أسباباً اقتصادية وأمنية داخلية، هي التي أجبرت باكستان على تعديل سلوكها، إذ إنها "لا ولن تتحمل كلفة الحرب مع أفغانستان". ويشرح أكبري أن ردّ الفعل الانتقامي لقوات "طالبان" جاءت نتيجته مدمّرة جداً للجيش الباكستاني، الذي من دون شكّ، يكمن عنصر قوته في العتاد والمقاتلات الجوية، لكنه لا يستطيع أن يواجه قوات "طالبان" وجهاً لوجه في الميدان وهي تدخل في كل مرة إلى الداخل الباكستاني، من هنا فإنه ثمّة خشية أنها قد تدخل ولا تخرج بل ستمضي إلى الأمام، في حين أن كل العوامل على الأرض تساعدها، القبائل والجو واللغة والمعرفة والتفنن في الحرب، وفق اعتقاده. برأي المحلل السياسي أيضاً، فإن الجيش الباكستاني لم يعد قادراً على قمع كل هذه الجماعات المسلحة في الداخل، كطالبان الباكستانية وجيش تحرير بلوشستان وغيرهما، مشيراً إلى أن مواصلة الحرب على كل الجبهات ستؤدي لا محالة إلى إضعاف الجيش، وربما إلى تمزق البلاد، حيث أصوات الانفصال والاستقلال. في المحصلة، تدل كل المعطيات بأن باكستان تواجه واحدة من أصعب وأكثر الأزمات تعقيداً في تاريخها، وهي المتمثلة بصراعها مع أفغانستان والهند، ومواجهة الجماعات المسلحة في الداخل، علاوة على ديون البلاد المتراكمة، والتي قد لا تسمح لها باتخاذ ما تسعى إليه من قرارات، في ظلّ وجود انقسام سياسي داخلي. والأخطر في ذلك غياب أي جهود للاحتواء، فالمؤسسة العسكرية هي صاحبة القرار في كل الأمور والقضايا، وهي لا تزال ترى أن الخيار العسكري والحزم هما الحلّان لكل المعضلات، وأن أي تنازل قد يقضي على سمعة الجيش القوى في البلاد، حتى ولو كان ذلك في مقابل حزب سياسي كحزب عمران خان، حركة الإنصاف، وخان، رئيس الوزراء السابق المعتقل منذ عامين وتسعة أشهر.  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية