حين تبرئ ثورة فبراير جلاديها
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بدا واضحاً، منذ السنوات الأولى التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، أن سؤال العدالة أصبح مساحة للتفاوض السياسي أكثر من كونه مسألة تبحث الدولة عن إجابة قانونية وأخلاقية لها. فمع مرور الوقت أخذت المسافة تضيق بين ثورة فبراير/شباط 2011، التي خرجت لاقتلاع منظومة القمع، وبين السلطات الجديدة التي انشغلت بإدارة توازنات القوة أكثر من انشغالها ببناء المعنى السياسي والأخلاقي للثورة. وعليه، فإن ما جرى يوم الاثنين الماضي من تبرئة رئيس جهاز الاستخبارات الليبي السابق، عبد الله السنوسي، أحد أكثر رجال النظام السابق ارتباطاً بأجهزة القمع والقتل والاختطاف إبان العام 2011، ليس منفصلاً عن السياق الذي تعيشه البلاد، ويمثل نتيجة لمسار طويل من تآكل قيم الثورة. منطوق حكم المحكمة الذي استند إلى "عدم كفاية الأدلة" الذي انصبّ حوله اعتراض المعترضين في الحقيقة ليس هو كل القضية؛ فالسؤال الأعمق يتعلق بما إذا كانت ليبيا ما بعد 2011 لا تزال تمتلك الإرادة السياسية والأخلاقية للدفاع عن قيم الثورة، وأهمها قيمة العدالة. فالرسالة التي وصلت إلى الليبيين، عندما يحصل أحد أكبر المتهمين الضالعين في القمع على البراءة بعد 15 سنة من التداول القضائي، تتجاوز حدود الثقة بالقضاء إلى سؤال أكثر قسوة، مضمونه: ماذا تبقّى من الثورة بعد كل هذا الخراب؟ المفارقة أن الثورة التي رفعت شعارات الحرية والعدالة انتهت إلى واقع تتقاسمه سلطات متعددة، لكل منها حساباتها وتحالفاتها وأولوياتها. ووسط هذا المناخ صارت العدالة الانتقالية عبئاً سياسياً بدلاً من كونها جزءاً من مشروع وطني جامع، لينتهي الأمر بتفكيك ملف العدالة إلى ملفات صغيرة، يُفرج فيها عن رموز النظام السابق تباعاً، مرة تحت دوافع صحية، ومرة بسبب سقوط الدعوى لوفاة أصحابها، حتى أن البعض صار يرفع صوته في محضر أهالي ضحايا القمع مطالباً بضرورة الإفراج عن كل رموز النظام تحت عنوان "المصالحة الوطنية" باعتبار الأمر مدخلاً للاستقرار المنشود. أما الأخطر، فهو أن تبرئة السنوسي تفتح الباب أمام تبرير جرائم ما بعد الثورة بمنطق شبيه. فمن بين حيثيات الحكم أن السنوسي كان موظفاً في جهاز رسمي ينفذ أوامر السلطة القائمة وفق القوانين العسكرية النافذة آنذاك. فالمسؤول النظام وليس السنوسي، وهو منطق يعيد إنتاج الفكرة التي قامت الثورة ضدها، فتلك القوانين العسكرية التي لم تشهد أي مراجعة حقيقية، هي نفسها التي يقود خليفة حفتر وفقها مليشياته وبنفس العقلية، وهي التي منحته رتبة "القائد العائد". ليبرز سؤال لا يقف عند حدود مساحة المناورة التي قد تبرر جرائم حفتر، وإنما يصل إلى سؤال أكثر إيلاماً: كيف يمكن لثورة أن تقول إنها حققت أهدافها في ظل بقاء الأدوات ذاتها التي ثارت لإسقاطها؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية