عربي
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تُعطي إسرائيل المخدرات لآلاف الجنود العائدين من غزة. من القنب الهندي إلى "LSD" مروراً بـ"الأكستازي". كل شيء مستساغ لمعالجة اضطرابات ما بعد الصدمة، التي أطلق عليها الإسرائيليون، المتماهون في لعب دور الضحية، مصطلح "الإصابات المعنوية".
تضم فرقة البوب-روك "هتكفا 6" 150 مغنياً قدموا من 16 لواء مختلفاً، يقودهم عمري غليكمان، وهو رجل ضخم ملتحٍ في الأربعينيات من عمره. وقد مول الجيش الإسرائيلي الفيديو المصور لأغنيته "هيمنون هالوحِم" ("نشيد المقاتل"). ويردد هذا النشيد القتالي، في لازمة تتكرر أربع مرات، الكلمات التالية: "فمن هو المجنون إذن؟ أنا المجنون".
صُوِرت الفرقة في مدرسة تدريب الضباط، حيث يرقص الجنود بملابسهم العسكرية بمرح على خلفية مشاهد الدمار في غزة. هذا الجنون القاتل تعالجه إسرائيل بالمخدرات. فبعد ثلاث سنوات من الحرب، باتت "دولة المخدرات"، المنغلقة على نفسها، قلقة وخائفة. في وسط تل أبيب، تعبق روائح الحشيش في المقاهي والشرفات. استسلمت المدينة، التي خفت صخبها مقارنة بإيقاعها المحموم قبل عام 2023، لتعاطي المخدرات، سواء لأغراض ترفيهية أو طبية، إذ إن معظم المدخنين يتعاطون القنب بوصفة طبية، وغالباً ما يكونون من المجندين العائدين من غزة.
تحب إسرائيل أن تقدم نفسها بوصفها مختبراً للغرب. وفي هذا الصدد، يعمل أطباء يتقاضون أجورهم من الجيش على تطوير بروتوكولات علاجية قائمة على المخدرات، لمداواة اضطرابات ما بعد الصدمة التي يعاني منها آلاف المجندين والاحتياطيين الذين خدموا في غزة. مع ذلك، فإن كلمة "معالجة" ليست دقيقة تماماً. فإعطاء هذه المواد يهدف بالأحرى إلى طمس ذكريات حرب لم يتمكن من توثيقها سوى صحافيين فلسطينيين قتل منهم حتى اليوم 262 شخصاً على يد جنود إسرائيليين. من الحشيش، إلى القنب، مروراً بالميثامفيتامين والفطر المهلوس، ومن أصل 500 ألف عسكري خدموا في غزة، يتلقى نحو 40 ألفاً هذا "العلاج".
"المريض رقم 1"
قبل ذلك، كانت ألمانيا الهتلرية هي الدولة الوحيدة التي خدرت جنودها على نطاق واسع ــ وشعبها أيضاً ــ في زمن الحرب، منذ العام 1939. وفي هذا الصدد، فقد أسهمت البيرفيتين، وهي مادة الميثامفيتامين المبهجة شديدة الإدمان، في دفع البلاد إلى "الهيجان المحموم"، على حد تعبير الكاتب الألماني نورمان أولر. كان الجنود والطلاب والعمال وسائقو القطارات، وحتى الأطباء، يتعاطونها دون تحفظ. "البيرفيتين في انسجام تام مع ألمانيا النازية"، يقول أولر، وقد أتاحت "موجة الشفاء الذاتي القومي" للشعب الألماني.
ورغم أن النازيين قد اعتقدوا أن المخدرات من اختراع الأطباء اليهود، فقد سمحوا بتداولها على نطاق واسع، على الأقل حتى العام 1941، وبلغ عدد متعاطيها الملايين. كان هتلر نفسه يتلقى حقنه اليومية على يد طبيبه الخاص، الذي أطلق عليه بمكر لقب "المريض الأول". ويتواصل إلى اليوم إنتاج البيرفيتين وبيعها في السوق السوداء، بعد أن باتت معروفة باسم "كريستال ميث"، كما يشهد على ذلك متابعو مسلسل "Breaking Bad".
أما روخاما مارتون، المعالجة النفسية والطبيبة النفسية الإسرائيلية ومؤسسة منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، التي تناهض احتلال الأراضي الفلسطينية وتدافع عن الحق في الصحة، فترى أن "القنب لا يشفي شيئاً على الإطلاق. إنه يرافقك فحسب. إن كنت في مزاج جيد، فسيعزز ذلك، وإن كنت مكتئباً، فستزداد اكتئاباً". ويساندها في ذلك إيان هاميل، الطبيب العام في تل أبيب، الذي يعتبر أن "معالجة من عاشوا الرعب في غزة، أو من يعتريهم الخجل مما فعلوه، بالمخدرات - هو قصر نظر. ماذا عن الآثار الجانبية؟ ماذا عن الإدمان؟" من جهته، لا يخفي الدكتور ميشال زيتون قلقه من النتائج غير المحمودة المنتظرة: "تعلمت إسرائيل التعامل مع الدمار والموت خلال موجة الاغتيالات خلال التسعينيات (القرن الماضي). ومع غزة ارتفع السقف. فجاءت المخدرات في الوقت المناسب تماماً. لكننا نفتقر إلى المسافة الكافية للحكم".
ليست هذه المرة الأولى التي يجرب فيها الطب النفسي الحديث المخدرات بما هي أداة علاجية، غير أنها المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في سياق حرب. "طويلاً ما نظر الأطباء النفسيون العسكريون إلى متلازمة ما بعد الصدمة باعتبارها ضرباً من الهستيريا"، تذكر روخاما مارتون. "كان الطب النفسي ينظر إلى الهستيريا باعتبارها مرضاً نسائياً، وكان الجنود الذين يوصفون بالهستيريا موضع ازدراء. فما كان أسلوب العلاج؟ حمامات الجليد، والصدمات الكهربائية. لكن قسوة الطب النفسي لم تشفهم، إذ لا شيء، سوى الموت، كان قادراً على محو ما شاهدوه. وفي النهاية، كان غالباً ما تتم إعادتهم إلى ساحة المعركة لكي يلقوا حتفهم".
تعليمات مبهمة
بالنسبة للإسرائيليين الذين يواصلون خوض المعارك على جبهات متعددة، فقد تحولت الحرب على غزة إلى ما يشبه مرحلة نقاهة جماعية لا تنتهي. دينا، 34 عاماً، ضابطة صف في الخدمات اللوجستية بين أواخر 2023 ومطلع 2024، لا تخفي انفعالها: "رأيت مشغّلات طائرات مسيّرة يضعن بطانيات فوق شاشات التحكم، يخترن بذلك ما يردن رؤيته"، متجنبات مثلاً مشاهد تدمير المنازل. "حين تعودين من غزة"، تتابع دينا، "ثمة هوة بين ما تشعرين به وبين الاستقبال الذي ينتظرك. يتحدثون عن البطولة وأنتِ تعلمين أنك ارتكبت أشياء مشينة. في القواعد العسكرية، يدخن الشباب الحشيش بكثرة، وبالتالي...". تمكنت دينا من احتواء غضبها دون مخدرات ولا أدوية، خلافاً لكثير من أصدقائها من جنود الاحتياط، وقد وجدت في انخراطها النضالي إلى جانب أسر الرهائن (الأسرى الإسرائيليين في غزة) والـ"رافضين" علاجاً حقيقياً.
الدكتور تولي فلينت بدوره خدم في الضفة الغربية وغزة لسنوات طويلة، وهو اليوم عضو في منظمة "مقاتلون من أجل السلام"، وهي منظمة غير حكومية تأسست في العام 2005 تضم جنوداً إسرائيليين سابقين ومقاومين فلسطينيين. هو دكتور في علم الإجرام، وضابط سابق وطبيب نفسي عسكري. في طابق سفلي ذي ديكور شرقي على مقربة من ساحة رابين القاتمة، يستقبل هذا الرجل ذو الملامح الوسيمة زواره بنظرته الدافئة وبزته العسكرية، وكأن هذا الطبيب "اليساري" لم يقطع تماماً مع زي الحرب: "كثير من الناس يريدون نتائج فورية وملموسة ومحددة بهدف "محو" الصدمات، التي تتمثل في أحداث تتجاوز طاقة الإنسان على التحمل. في بداية الحرب كانت الصدمة أيسر علاجاً. لكن حين اشتدت الحرب واشتد معها الجدل، باتت الأمور أكثر تعقيداً. جاءت الاحتجاجات والسجالات حول الرهائن. عاد الجنود إلى الحرب وقد ضعفت قناعاتهم. رأوا خيانة المُثُل العليا، وشعروا بالوحدة في مواجهة الخطر".
صدمة الجنود تنبع أيضاً، في رأيه، من عجزهم عن التمييز بين الحرب وجريمة الحرب. ومن اللافت، حسب شهادات، أن التعليمات الصادرة للجنود كانت في الغالب مبهمة وغير محددة، كأن الجيش لم يرد أن يتورط كثيراً على أرض الواقع. تُرك الجنود لوحدهم في مواجهة مصيرهم، وعندها، ارتكبوا فظائع. يتابع الدكتور فلينت: "بالنسبة إلى هذا النوع من الصدمات لا يوجد شفاء ولا يوجد حل سحري. حتى وإن كانت بعض المواد مثل "MDMA" تساعد على التهدئة. يمكن القول أيضاً إن القنب الطبي أنقذ حياة أناس يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة وساعد الكثيرين على استقرار حالتهم، لكنه في المقابل دمر أعداداً أكبر. القنب يهدئ ولا يعالج". ويخلص فلينت بنظرة ثاقبة: "ليس اضطراب ما بعد الصدمة ما ينبغي علاجه، بل الاستعمار والفصل العنصري".
إسرائيل بلد الإدمان
الأرقام تكاد تصيب بالدوار وتجعل من إسرائيل بلد الإدمان بلا منازع. ففي العام 2017، كان 27% من السكان بين 18 و65 عاماً قد دخنوا الحشيش مرة واحدة على الأقل خلال العام السابق، وهو رقم كان يمثّل حينها رقماً قياسياً عالمياً. وبحسب بيانات مشروع "Medspad" (استقصاء مدرسي حول الكحول والمخدرات)، دخّن 14.8% من الذكور الإسرائيليين بين 15 و17 عاماً القنّب مرة واحدة على الأقل، مقابل 4.3% من الذكور المصريين. أما الميثامفيتامينات من نوع "MDMA"، فقد تعاطاها 3.5% من الذكور الإسرائيليين مرة واحدة على الأقل، بنسبة مماثلة للجزائريين. وبحسب تقرير رسمي إسرائيلي، فإن 54% من المجنّدين كانوا قد دخّنوا القنب أو القنب الاصطناعي ــ المنتشر على نطاق واسع في الشرق الأوسط ــ قبل التحاقهم بالجيش.
ارتفع استخدام المواد الأفيونية التي تعطى بوصفة طبية منذ السابع من أكتوبر 2023 بنسبة 70%
وقد ارتفعت معدلات الإدمان بشكل حاد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023: بنسبة 180% في استهلاك الحبوب المنومة، وخصوصاً ارتفاعاً بنسبة 70%، على مستوى عموم السكان، في استخدام المواد الأفيونية التي تعطى بوصفة طبية، وذلك وفق أرقام جمعتها منظمة "ناتال" (ضحايا الصدمات المرتبطة بالسياق الوطني) المتخصصة في علاج اضطرابات ما بعد الصدمة. تثير هذه الظاهرة قلقاً كبيراً في اسرائيل التي كانت تحتل أصلاً، عام 2020، المرتبة الأولى عالمياً في استهلاك المواد الأفيونية من نوع الفنتانيل، كما يشير الدكتور نداف دافيدوفيتش في تقرير آخر.
يبلغ عدد السكان 10 ملايين نسمة، بينهم 500 ألف من جنود الاحتياط. ويقدّر البروفيسور شاؤول ليف-ران، مؤسس المركز الإسرائيلي لعلاج الإدمان، أن ما بين 30 و50% من الإسرائيليين باتوا تحت تأثير مادة مدمنة، مقابل شخص واحد من كل سبعة قبل خريف 2023.
تسمح إسرائيل باستخدام القنب العلاجي منذ نحو عشرين عاماً، وقد خففت قواعد استعماله في إبريل/نيسان 2024، في أعقاب الحرب على غزة، استجابة لضغوط الأطباء ومرضاهم. وفي إبريل 2026، كان 135 ألف إسرائيلي يدخنون القنب بمقتضى وصفة تسلم من أطبائهم. وقد استفاد ما لا يقل عن 8 آلاف عسكري سابق من هذا العلاج خلال 2024، وأضيف إليهم 3500 في 2025، ولا يبدو أن هذه الوتيرة ستتوقف قريباً، إذ يتوقع الجيش معالجة ما بين 5 آلاف و8 آلاف جندي خلال 2026.
لا ينبغي لأحد أن يجاهر بانتقاد الركيزة التي تقوم عليها الهوية الوطنية - أي الجيش - أو يروي ما اقترف في غزة من جرائم. للصمت ثمنه. ويتلقى قسم إعادة التأهيل التابع لوزارة الدفاع نحو 1500 طلب شهرياً للاعتراف باضطرابات ما بعد الصدمة، بحسب ما أوردته صحيفة تايمز أوف إسرائيل. كما يتحدث القسم ذاته عن 78 ألف مصاب منذ أكتوبر 2023، قسم كبير منهم يعانون "اضطرابات نفسية". ويقدر البروفيسور شاؤول ليف-ران، نقلاً عن وكالة فرانس برس، الارتفاع في استهلاك "الأدوية الموصوفة والمخدرات غير المشروعة والكحول بـ25% خلال السنوات الثلاث الأخيرة".
ثمن الصمت
المشكلة إنسانية، لكنها اقتصادية أيضاً. تُقدّر منظمة "ناتال"، العاملة في مجال اضطرابات ما بعد الصدمة منذ 30 سنة، التكلفة الإجمالية للصدمات المرتبطة بحرب غزة بـ500 مليار شيكل (الدولار يساوي 2.9 شيكل) على مدى السنوات الخمس المقبلة، أي ما يعادل نحو 145 مليار يورو في 2026، وهو رقم يقارب ميزانية الصحة النفسية بأكملها في فرنسا. ففي هذا البلد الذي يفوق إسرائيل سكاناً بسبع مرات، تُقدر دراسة صندوق التأمين الصحي التكلفة الإجمالية للاضطرابات النفسية بـ24.7 مليار يورو سنوياً.
في إسرائيل التي يحرك اقتصادها منذ نحو 20 سنة رأسمال متوحش، يتفاوض الجنود المصابون باضطرابات ما بعد الصدمة للحصول على تعويضات تعوض ما فقدوه من دخل، إذ يعجز كثيرون منهم عن العودة إلى عمل منتظم. وتُمنح هذه التعويضات عبر لجان متخصصة تضم مدنيين وعسكريين، وهي تكفل لهم الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. لا يريد الإسرائيليون تكرار ما حدث في الولايات المتحدة، حيث وجد جنود فقدوا صوابهم أنفسهم على قارعة الطريق بعد حربي فيتنام والعراق. ظلت صور هؤلاء المحاربين القدامى المهملين، وهم يدفعون عربات تسوّق تحمل كل ما يملكون، تطارد الأميركيين. وقد خلدتها أعمال سينمائية كبرى على غرار فيلم "العودة إلى الجحيم" لمايكل تشيمينو في العام 1978، الذي يروي مرارة العودة إلى الحياة العادية.
في إسرائيل لا شيء من هذا القبيل، لا كتاب ولا فيلم، وقد رأينا ما آل إليه الأمر في الموسيقى. لا ينبغي لأحد أن يجاهر بانتقاد هذه الركيزة التي تقوم عليها الهوية الوطنية - أي الجيش - أو يروي ما اقترف في غزة من جرائم. للصمت ثمنه. هناك لجان تُحدد قيمة "الجرح المعنوي"، وهو المصطلح المتداول للإشارة إلى اضطرابات ما بعد الصدمة، فيما تصف لجان أخرى المخدرات لمحوها من الذاكرة. وحتى الآن، يبدو أن ذلك ينجح. الجيش الإسرائيلي، المعروف بكثرة التصريحات، يكاد يلتزم الصمت المطبق حيال هذا الملف.
بيد أن مسألة تعويض الجنود المصابين بصدمات نفسية تزداد حساسية يوماً بعد يوم. فبينما تعتبر الحكومة التكلفة باهظة، تبقى أسر المصابين غير راضية عن المبالغ المخصصة لهم. إذ إن الحرب، فضلاً عن تدميرها للحياة الأسرية، أفضت بهم إلى الإفلاس. تفكر زوجة أحد جنود الاحتياط الذي عاد من غزة مثقلاً بالصدمات في تأسيس جمعية لأسر المصابين للمطالبة بتعويضات أفضل. كل ذلك دون أن تأتي على ذكر للفلسطينيين، وهي في ذلك ليست الوحيدة التي تتجاهلهم، إذ لا يكاد أحد في إسرائيل يذكرهم. ولا يسع المرء إلا أن يتأمل، بشيء من المرارة، هذه المعركة الثانوية.
تتميز أنواع القنب الحديثة، المطورة في المختبرات والمعدلة جينياً، بخاصيات شديدة القوة. تستورد هذه المواد، التي توصف طبياً في إسرائيل من كندا والولايات المتحدة. وبالنسبة إلى الأطباء الإسرائيليين، فهي تبقى أفضل من القنبيات الصناعية غير القانونية مثل "نايس غاي" و"دوزا"، وهي مخدرات سهلة التصنيع تُنتج خصوصاً في مختبرات بمدينة قسنطينة الجزائرية، بحسب تقرير للمرصد الأوروبي للمخدرات والإدمان، قبل أن تدخل عبر الأردن. بدل اللجوء إلى هذه المخدرات الرخيصة وشديدة الإدمان والخطورة على الصحة، يفضل كثير من الأطباء مواد لا تقل عنها إدماناً يظنون أن بإمكانهم التحكم في استخدامها، حتى لا يتركوا آلاف الشبان يفقدون السيطرة على أنفسهم، أو ما هو أسوأ من ذلك. فمن بين المجندين السابقين وجنود الاحتياط العائدين من غزة، سجلت 22 حالة انتحار خلال 2025 (و60 حالة منذ أكتوبر 2023)، مقابل 279 محاولة انتحار بين عامي 2024 و2025.
إيفات موراد: يجب أن يبقى الشعور بالذنب محصوراً في غزة، إذ لو تسرب إلى الداخل، لاهتز توازن المجتمع الإسرائيلي
لمواجهة هذا السيل من اضطرابات ما بعد الصدمة، افتتحت وزارة الصحة الإسرائيلية 14 عيادة جديدة متخصصة في علاج الصدمات داخل المستشفيات النفسية منذ 7 أكتوبر 2023، إلى جانب اعتماد السلطات على جمعيات مثل "ناتال". وتقول إيفات موراد، المتحدثة باسم الجمعية، لـ"أوريان 21": "كانت الصدمات النفسية من المحرمات داخل المجتمع الإسرائيلي. هدفنا هو معالجتها وتمكين الناس من العودة إلى الحياة. نحن نقدم كل ذلك في إطار واحد. يجب أن يبقى الشعور بالذنب محصوراً في غزة، إذ لو تسرب إلى الداخل، لاهتز توازن المجتمع الإسرائيلي من أساسه".
تُعرف هذه الجمعية غير الربحية الحاضرة في كل أنحاء إسرائيل نفسها بأنها "غير سياسية"، وتضم 140 موظفاً و1100 معالج "يهود وعرب ودروز". وتقدم علاجات تشمل المواد المخدرة، كما تهتم أيضاً بإعادة الإدماج الاجتماعي. وتوضح الطبيبة النفسية ليات بارنيا: "هناك الكثير من حالات الإدمان على المواد الأفيونية والكحول والمخدرات الصناعية بين المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة. وفيما يتعلق بالعلاج، فنحن نعتمد مقاربة تكاملية. وقد تكون المخدرات جزءا منها، تماماً مثل الأدوية الأخرى". وتفضّل بارنيا مصطلح "الصدمة الوطنية" على "الإصابات المعنوية". وتقول: "المسألة تتجاوز الحرب، إنها تتعلق بمجرد العيش هنا. المجتمع في حالة اكتئاب وقد فقد ثقته بالحكومة وبنفسه أيضاً. والصدمة الوطنية نابعة من هذا الشعور بخيانة الثقة. وبالنسبة إلى إسرائيل فهذه مسألة مصيرية، لأنها قد تؤدي إلى انهيار البلاد". وفي "ناتال"، يتابع كل عسكري من قبل فريق من الأشخاص، سواء على المستوى العلاجي أو الاجتماعي. أما قسم الخدمات الاجتماعية الذي تديره شاكيد أريئيلي، فقد ارتفع عدد العاملين به بسرعة هائلة: فمن خمسة موظفين قبل ثلاث سنوات، أصبح يضم اليوم 45 شخصاً. وهذا يفسر حسب أريئيلي بأن "المدمنين لا يجدون فرصة للعمل، والحال أن العودة إلى العمل في حد ذاتها هدف علاجي".
"نساعدهم لكننا نُقصيهم"
في مستشفى مِرحافيم النفسي، تتم متابعة الجنود العائدين من غزة بإعطائهم مخدرات قوية. تنتشر مبانيه المطلية حديثاً وسط حديقة متموجة التضاريس في الضاحية الكبرى لتل أبيب، قريباً من بئر يعقوب. تحيط بهذه المؤسسة المسيجة بالأسلاك عمارات سكنية حديثة أنيقة من عشرة طوابق. سكان جدد، ومحطة قطار جديدة، وشوارع جديدة. كل شيء يتغير في هذه الجزء من إسرائيل الذي كان في ما مضى ريفياً عربياً. في زمن الانتداب، كانت هذه المباني ثكنة عسكرية بريطانية. يشرح مدير المستشفى الدكتور إيران هاريل: "عدد لا بأس به من مستشفيات الأمراض النفسية يقع داخل مبانٍ عسكرية بريطانية أو أردنية سابقة". يستقبلنا هذا الرجل الستيني ذو الملامح الحادة والنظرة الصريحة في القاعة التي يشرف فيها، برفقة زميلين، على إعطاء مرضى متطوعين - تم اختيارهم بالتنسيق مع الجيش - جرعات من الـ"LSD" (ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك)، و"MDMA" المعروف باسم "أكستازي"، وكذلك السيلوسيبين، وهو مشتق من الفطر المهلوس. ويقود هاريل بروتوكولين علاجيين يضم كل منهما 30 مريضاً يخضعون لـ18 جلسة علاجية. وبالنسبة إليه، تبدو هذه التجارب واعدة: "نحاول فهم الطريقة التي تؤثر بها مواد مختلفة كيميائياً مثل MDMA أو LSD على الدماغ. وفي حالات اضطرابات ما بعد الصدمة المرتبطة بحدث معين، يسعى العلاج إلى تغيير إدراك الجنود لما شعروا به أو رأوه أو فهموه". من جهته، لا يؤمن هاريل أيضاً بجدوى القنب في معالجة الصدمات النفسية. ويقول: "بالنسبة إلى 90% من المصابين بصدمات غزة، تتمحور المسألة حول السؤال التالي: ما درجة براءتك السياسية؟ ففي هذا البلد، حيث يوجد تلقين أيديولوجي عبر التربية والقيم والانضباط العسكري، تتحول الصدمة الفردية الى تحدٍّ بالمعنى السياسي للكلمة". وتتفق معه المحللة النفسية أنيت فيلد، من تل أبيب، في هذا التشخيص: "المخدرات تعكس شكلاً من أشكال الضعف: نحن نساعدهم، لكننا في الوقت نفسه نقصيهم. لأن المخدرات لا تجيب عن السؤال الأساسي: ممّ يعانون؟". من بلدهم، وبعمق. لكن ما لا يُقال، لا يمكن أيضاً معالجته.
الإحساس بالذنب يبقى في غزة
التقينا بهوفيت على رصيف مقهى للحلويات في تل أبيب، مقفر في تلك الساعة، وهي تشكو من أن "الجيش أخذ منها زوجها". بن، 42 عاماً، سنة 2023، جندي احتياط، عاد مثقلاً بالصدمات وخضع لعلاج بالقنّب. وتقول: "عائلتي تبدو طبيعية ولن تروا ما يجري لنا. لكن حين عاد من غزة، كان رجلاً آخر. لم يعد قادراً على التركيز، ولا على النهوض من فراشه، كان في فقاعة وبدأ يدخن". بن، الذي تطوّع منذ الأيام الأولى من الحرب، لم يكن في الخطوط الأمامية: "دخل غزة ليلاً في قوافل لوجستية، كان يصحبه شعور من الهشاشة، في ظل غياب توجيهات واضحة بشأن أماكن التحرك. شعوره بالذنب، كما يقول، نابع من احتمال أنه ربما أصاب أطفالاً".
ورغم تحفظ الصحافة الإسرائيلية الشديد في تناول هذا الموضوع، فقد أوردت حكايات مشابهة. يروي الدكتور يوسي ليفي-بيلز لصحيفة هآرتس أنه، خلال خدمته في الاحتياط، "التقى أشخاصاً كانت مهمتهم تحديد المنازل التي يجب قصفها". ويضيف: "في الأسابيع الأولى، تحت وقع الصدمة (هجمات حماس في أكتوبر 2023) وتحت شعار "لن يتكرر ذلك أبداً" كانوا يتصرفون من دون تفكير. لاحقاً، جاء بعضهم إلي وقالوا: "لقد أعطيت الأمر بتدمير مئات المنازل. آلاف الأشخاص أصيبوا بسببي". في ذلك الوقت، كانوا يعتقدون أن الأمر ضروري. لكن بعد أن انقشعت الصدمة، أدركوا أنهم مسؤولون عن موت آلاف الأشخاص. عندها يحدث الشرخ النفسي، وغالباً ما يكون عميقاً".
بالنسبة إلى بن، فمنذ عودته من غزة، لم يعد يعانق أطفاله الثلاثة الذين تبلغ أعمارهم 8 و12 و15 عاماً. كما أصبح مدمناً بشكل كامل على المخدرات. غير أنه تمكن تقريباً من الإقلاع عنها بمساعدة طبيبه النفسي. ومنذ ذلك الحين، أدرك أن "مرضه لا علاج له"، كما تضيف زوجته أوفيت.
الشعور بالذنب شكل محور عمل إيدو روث، وهو معالج نفسي كان هو نفسه مستهلكاً شرهاً للقنب لسنوات طويلة: "القنب يساعد على مواجهة القلق والغضب، لكنه يساعد خصوصاً على مواجهة الشعور بالذنب". يعتبر هذا المعالج أن تحويل شعور الجنود بالذنب إلى مجرد اضطراب ما بعد صدمة يمنع انتقال هذه المشاعر إلى بقية المجتمع. الشعور بالذنب يجب أن يبقى محصوراً في غزة، إذ لو تسرب إلى الداخل، لاهتز توازن المجتمع الإسرائيلي من أساسه. "لا أحد منفصلا عن عائلته وبيئته، أو عما يسمى "المناخ الإجتماعي". يقول المصابون باضطرابات ما بعد الصدمة: لقد فعلت أو رأيت أشياء ما كان ينبغي أن تحدث. لكنني لا أستطيع الاعتراف بها أمام الجمهور الذي تمثله إسرائيل لأنه يعتقد أنني كنت على حق. هناك بالفعل تباين حقيقي هنا". لقد هزت الحرب وما خلفته من آثار نفسية عميقة، سواء على الجنود أو المجتمع ككل، ما يسميه البروفيسور ليفي-بيلز، وهو عالم نفس خدم بدوره في الاحتياط داخل غزة، "الأخلاق الإسرائيلية". فالجرح المعنوي يشقّ في التقليد الحربي العريق صدعاً لا بد من طمسه في دخان الحشيش.
فرصة سانحة
وتعارض الطبيبة النفسية روخاما مارتون، منذ عقود، هذا الخطاب الحربي الإسرائيلي الذي يستمد شرعيته من اعتبار الإسرائيليين أنفسهم ضحايا للفلسطينيين. وتقول: "نحن نختلق الروايات. نحاول محو البقع، حتى تلك التي لا تمحى. وبما أن لا شيء يمحو الجرائم حقاً، فلا بد من زيادة الجرعات. "الإصابة المعنوية" تجارة رابحة جداً، وفي النهاية تنتصر الرأسمالية. وسيأتي اليوم الذي تُوزع فيه المخدرات على الجميع".
روخاما مارتون: الإصابة المعنوية تجارة رابحة جداً وسيأتي اليوم الذي تُوزع فيه المخدرات على الجميع
وترى المحللة النفسية أنيت فيلد أن هذا التماهي مع دور الضحية هو ما يسمح للإسرائيليين أيضاً بالتنصل من شعورهم بالذنب: "من الحرب، نُظهر ما الذي تم فعله، لا ما نقوم به. والصدمات الحالية تتحول إلى أمراض نفسية بفعل التراكم. لقد مررنا بالمذابح، ثم بالمحرقة، والآن، الحرب، كل ذلك من شأنه أن يرسخ شكلاً من أشكال الاستمرارية في التماهي مع دور الضحية. الجندي الذي خدم في غزة سيحظى بالتعاطف والشفقة، وبذلك يُعفى من أي تبرير. لا شخصنة، لا أسئلة، لا مسؤولية: المخدرات ستمحو كل آثار الحرب، وستُكمل، بطريقة ما، تدمير غزة".
وتضيف المعالجة النفسية منال أبو لق، وهي من فلسطينيي الداخل تعمل في مستوصف الرملة قرب تل أبيب: "إنهم يعانون أولاً من العمى. المجتمع اليهودي يزرع الخوف، الخوف من العرب. المهم هو محو الفلسطينيين. وبوصفي فلسطينية داخل فريق يهودي، لا أستطيع التحدث عما يجري في غزة، فهذا لا يهمهم. أنا غير موجودة، وبالتالي فإن صدمتي غير موجودة أيضاً". التقينا بها في اليوم الأخير من تحقيقنا، ولاحظنا أن منال كانت أول من تحدث إلينا عن أهل غزة. تعلق بمرارة وغضب: "المعالجون يطمسون الإبادة الجماعية. أعرف جندياً انتحر لأنه لم يكن يريد العودة إلى غزة، ولم يسأل أحد لماذا. وهناك جندي آخر يعاني اضطراب ما بعد الصدمة لأنه، بحسب قوله، قتل شخصاً عن طريق الخطأ. وهو يتلقى العلاج، بينما كان ينبغي أن يُحاكم".
وفعلا، إذا كانت إسرائيل تفضل طمس جرائمها في ضباب المخدرات، فإن البلاد تروج في الوقت ذاته لنموذج علاجي. الولايات المتحدة وأستراليا وسويسرا تُجري تجارب مماثلة. إذ سمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 18 إبريل/نيسان 2026، باستخدام منشطات نفسية ذات خصائص مهلوسة، من بينها "الايبوغاين"، لعلاج الجنود السابقين الذين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة. وفي فرنسا، كما تروي الصحافية دومينيك نورا، في كتاب رحلة في الطب النفسي المهلوس، تجرى بروتوكولات علاجية تعتمد على السيلوسيبين، وهو مشتق من الفطر المهلوس، في مدينتي نيم وباريس وعلى نطاق محدود.
من جهتها، ترى جمعية "ناتال" أن تقدم اسرائيل في استخدام المخدرات لعلاج اضطرابات ما بعد الصدمة لدى الجنود يشكل فرصة سانحة. واستناداً إلى خبرتها الممتدة على مدى 30 عاماً، والتي تمزج بين المخدرات والأدوية والمتابعة النفسية وإعادة الإدماج، تعمل الجمعية على تطوير نموذج علاجي تصدره عبر دورات تدريبية في ألمانيا وأوكرانيا. وتوضح الدكتورة يفعات رؤوفيني: "في ألمانيا، نظمنا دورة تدريبية لمعلمي منطقة إيسن، لمساعدتهم على التعامل مع توتر الأطفال المرتبط بالهجرة، ووصول أطفال آخرين إلى الصفوف". وتضيف أنيت فيلد، بوضوح لافت: "لا ينبغي نسيان نشيد "بيتار"، تلك الحركة الصهيونية اليمينية المتطرفة التي يمثل حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو وريثها في هذا البلد الذي تنهشه الأيديولوجيات المميتة: "بالدم والعرق ستنهض لنا سلالة فخورة، سخية… وقاسية".
*يُنشر بالتزامن مع "أوريان 21"
