حركة فتح والمؤتمر الثامن… تكريس معادلة "من يملك الحركة يحكم السلطة"
عربي
منذ ساعة
مشاركة
انتهى المؤتمر الثامن لحركة "فتح" لكن الفلسطينيين سيعيشون نتائج هذا المؤتمر لسنوات طويلة مقبلة، بعدما رسّخ موازين قوى جديدة في أي معركة مقبلة لتوريث أو خلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأكد على المؤكد أن من يملك النفوذ في حركة فتح سيقود السلطة. القراءة الأولى لنتائج المؤتمر الذي عقد على مدى ثلاثة أيام، من الخميس إلى السبت من الأسبوع الماضي في رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، تشير إلى أن الحزب الذي يملك السلطة، أي حركة فتح، ويعتبر العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية لا يمتلك أي برنامج سياسي للحركة أو السلطة. يأتي ذلك رغم أن الفلسطينيين يعيشون واحدة من أسوأ المراحل التاريخية تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما كرّس المؤتمر هيمنة المؤسسة الأمنية الفلسطينية، وسط تغييب تمثيل الشتات الفلسطيني في أعلى هيئة تنظيمية للحركة، أي اللجنة المركزية لحركة فتح، وتهميش المقاومة الشعبية؛ الشعار المفضّل للرئيس الفلسطيني الذي خرج من المؤتمر بصفته الرابح الأكبر. وأعاد المؤتمر اختيار عباس رئيساً للحركة، فيما انتخب 59 عضواً في اللجنة المركزية، و80 عضواً في المجلس الثوري، الذي يعتبر برلمان الحركة. عادل شديد: لا يعقل حصر حركة فتح التي تشكل العمود الفقري لمنظمة التحرير، في الضفة وقطاع غزة وينتقد المحلل السياسي عادل شديد غياب تمثيل الفلسطينيين في الخارج داخل اللجنة المركزية لحركة "فتح" قائلاً إنه "لا يوجد تمثيل لفلسطينيي الشتات". ويرى في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هذا الأمر خطير، لأن الحركة الصهيونية تعمل على تفتيت الشعب الفلسطيني سواء ما بين الشتات والداخل، وحتى داخل الوطن، إذ يراد تفتيت الشعب الفلسطيني ما بين الضفة الغربية (المحتلة) وقطاع غزة والقدس والأراضي المحتلة عام 1948". ولا يعقل، وفق شديد، "حصر حركة فتح التي تشكل العمود الفقري لمنظمة التحرير، في الضفة وقطاع غزة، لأن 20% فقط من الشعب الفلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة"، محذراً من أنه "إذا استمرت حركة فتح على هذه الوتيرة، فإن ذلك سيؤدي إلى تراجع في الارتباط والاتصال والتواصل التنظيمي والفكري للحركة، لأنها تشكل الأراضي المحتلة والشتات، وهذا أمر خطير جداً". اختيار في مختبر هندسي معادلة وتوازنات اللجنة المركزية لحركة فتح تبدو وكأنها صُنعت في مختبر هندسي أكثر منها نتيجة انتخابات، فهناك الرمزية الهائلة لمروان البرغوثي القائد الأسير، يليه مباشرة ثاني أقوى رجل في السلطة أمنياً وإدارياً، رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، والذي يدخل اللجنة المركزية لأول مرة مع ياسر عباس ابن الرئيس محمود عباس، إلى جانب رمزية الأسيرين المحررين زكريا الزبيدي من الضفة الغربية وتيسير البرديني من قطاع غزة. من يملك "قرار" حركة فتح يحكم السلطة، وهذا يفسر أولاً أن 99% من أعضاء المؤتمر هم من العاملين في الأجهزة الأمنية بالدرجة الأولى ومؤسسات السلطة الفلسطينية السيادية. وثانياً فإنه يعطي مؤشراً إلى سبب تهافت العشرات من كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية وكبار الموظفين في السلطة والسفراء والمحافظين من هؤلاء الأعضاء للترشح للجنة المركزية، وللمجلس الثوري. لكن المجلس الثوري فقد جوهر دوره منذ المؤتمر السادس عام 2009، وبات مكاناً "للبرستيج الحركي" أو لتنفيس الغضب، من دون أي ثقل حقيقي، بل إن الرئيس الفلسطيني جمّد قبل سنوات عضوية العديد من أعضائه عقاباً لهم، كما حدث مع فدوى البرغوثي زوجة مروان البرغوثي، وفخري البرغوثي، وجمال حويل وغيرهم، ولم يحرك أعضاء المجلس الثوري ساكناً لمنع ذلك. ومن بين جميع المرشحين الفائزين ربما كان هناك أربعة إلى خمسة أسماء، من النساء تحديداً، لا يعملون بأجهزة الأمن ومؤسسات السلطة، لكنهم أقرباء درجة أولى لقيادات من "فتح" كانوا قد رحلوا. فرض رؤية حركة فتح على مؤسسات السلطة يعزو رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل بلال الشوبكي ذلك إلى أن حركة فتح "ما زالت، على المستوى المحلي، قادرة على فرض رؤيتها على مؤسسات السلطة أكثر من قدرة السلطة نفسها على فرض رؤيتها على الحركة". ويقول لـ"العربي الجديد"، إن "هناك العديد من المحافظات المركزية مثل الخليل ونابلس وجنين، لا تزال البنية التنظيمية الفتحاوية فيها، عبر الأقاليم وأمناء السر، تمثل ثقلاً حقيقياً في صناعة القرار المحلي"، مشيراً "إلى أن مدينة رام الله تمتلك خصوصية مختلفة نسبياً". ويلفت الشوبكي إلى أن "سعي عدد من الشخصيات الرسمية والأمنية والإدارية للانخراط بصورة أعمق داخل الأطر التنظيمية لحركة فتح لا ينفصل عن إدراكهم أن مصدر القوة الحقيقية ما زال يرتبط، إلى حد كبير، بالتنظيم الفتحاوي". ويوضح أن هذا التنظيم "لا يزال يشكل رافعة نفوذ وتأثير داخل المشهد السياسي الفلسطيني، حتى بالنسبة لمن يشغلون مناصب رسمية رفيعة في مؤسسات السلطة الفلسطينية". وكان رئيس الوزراء السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" محمد اشتية قد أكد في تصريحات صحافية على هامش المؤتمر الثامن على ضرورة الفصل بين دور "فتح" ودور "السلطة"، موضحاً أن "السلطة شيء وحركة فتح شيء آخر". واعتبر أن المطلوب من الحركة هو إعادة صياغة السلطة الفلسطينية بما يجعلها رافعة حقيقية للمشروع الوطني الفلسطيني، لا أن تؤدي السلطة إلى إعادة تشكيل الحركة بصورة تفقدها طابعها النضالي وتحولها إلى إطار بيروقراطي أو "مجموعة من الموظفين". المعركة القادمة خلافة أم توريث؟ دخل ياسر عباس للجنة المركزية لحركة "فتح" من دون أي تدرّج يذكر في هيئاتها التنظيمية، في مخالفة صريحة للنظام الداخلي للحركة، ومثله ماجد فرج، لاعبين من الوزن الثقيل، إذ حلّ فرج ثانياً بعدد الأصوات، بعد مروان البرغوثي، ليكتسح الأصوات إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن التصويت للبرغوثي لا يخلو من بعد رمزي، قد أحدث زلزالاً في موازين القوى في اللجنة المركزية. فاللجنة تضم أقطاب الحركة مثل جبريل الرجوب الذي تراجع من المركز الثاني إلى الثالث لصالح فرج، وحسين الشيخ وتوفيق الطيراوي ومحمود العالول الذين يمثلون موازين القوى الحقيقية في الحركة. وإلى جانب ذلك، تبرز شخصيات أقل أهمية في الحركة وأكثر تبعية للرئيس الفلسطيني، أو كما يقال في حركة فتح "على قد الإيد"، حيث أريد لها أن تحجز مقاعد في "المركزية" لقطع الطريق على قيادات طموحة في الحركة، ولتحقيق النصاب العددي أو التنوع الديني أو الجندري. لتصبح اللجنة في نهاية الأمر تشبه درجات بطاقات الـ"VIP" (الأشخاص المهمون) التي يتمتع بها أعضاؤها، فهناك درجة (أ) و(ب)، وهكذا. منذ تسلمه قيادة الحركة والسلطة نجح محمود عباس "أبو مازن" بقتل أي فرصة محتملة لوجود خليفة له، حيث تم إخراج عضو اللجنة المركزية السابق أحمد قريع (أبو علاء) من المؤتمر السادس، والتخلص من محمد دحلان الذي بدأت قوته تتنامى ما بين المؤتمرين السادس والسابع (2016)، وصولاً للتخلص من العضو السابق في اللجنة المركزية لحركة فتح ناصر القدوة ما بين المؤتمرين السابع والثامن، ورفض الأخير المشاركة في المؤتمر قبل أيام، "لأنه تمت هندسته من قبل الرئيس وحاشيته"، على حد تعبيره. وتخلّص أبو مازن، عبر المؤتمر الثامن، من عباس زكي الذي لطالما تبرأت الرئاسة من تصريحاته الداعمة للمقاومة، وهو عضو مركزية "فتح" منذ المؤتمر الخامس عام 1988. وجرى التخلّص أيضاً من روحي فتوح عضو المركزية منذ 2016، وعزام الأحمد عضو المركزية منذ المؤتمر السادس 2009، وقد كان مكلفاً بملف "المصالحة" التي لم تحدث بين حركتي فتح وحماس، وأُبعد قبل نحو عامين بهدوء من ساحة لبنان لصالح ياسر محمود عباس. يذكر أن كلاً من الأحمد وفتوح يشغل مناصب أخرى مهمة، إذ إن الأحمد أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة التحرير الفلسطينية، وفتوح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني (البرلمان الفلسطيني) منذ عام 2022. والأحمد أيضاً هندس اجتماع المجلس المركزي في رام الله (تابع للمجلس الوطني الفلسطيني، بمثابة حلقة الوصل بين المجلس الوطني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير) عام 2025 الذي استحدث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير – رئيس دولة فلسطين، والذي شغله حسين الشيخ. وبات بقاء الأحمد وفتوح مناصبهما محلّ سؤال مشروع بعد خروجهما من مركزية حركة فتح. تكريس مفهوم الأباطرة يرى الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن المؤتمر الثامن "كرّس مفهوم الأباطرة" داخل حركة فتح، في إشارة إلى مجموعة القيادات التي تتحكم بمدخلات ومخرجات المؤتمر العام، معتبراً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن أعضاء اللجنة المركزية الحاليين يمثلون مركز الثقل الحقيقي داخل الحركة. وحول ما إذا كانت تركيبة اللجنة المركزية الجديدة تشير إلى تغيّر في موازين القوى الداخلية أو إلى إمكانية نشوء توازنات جديدة، خصوصاً بعد دخول أسماء وازنة مثل ماجد فرج وياسر عباس، يؤكد حرب أن "محمود عباس ما زال الطرف المهيمن على القرارات الصادرة عن اللجنة المركزية، وأن التغييرات التي طرأت على تركيبتها لا تشير إلى إمكانية تحدي قراراته أو الحد من نفوذه". ويوضح أن "دخول ماجد فرج بقوة إلى اللجنة المركزية لا يعني بالضرورة وجود تحولات استراتيجية مستقبلية بقدر ما يعكس إعادة توزيع للقوى داخل المجموعة القيادية"، مشيراً إلى أن "فرج أُضيف إلى دائرة الشخصيات الرئيسية صاحبة النفوذ داخل اللجنة المركزية، إلى جانب القيادات التقليدية القائمة". أحد القيادات التقليدية أعلاه كانت لديه مقولة "أنه لا يجوز لمن استقل العربة الأخيرة في قطار فتح أن يقفز لعربة القيادة". القيادي نفسه قلّل من أهمية التصويت الذي يخضع لإعادة "هندسة" و"ضبط" متعارف عليها في كواليس الحركة. المقاومة الشعبية حاضرة بالكلمات فقط قوبل غياب نشطاء وممثلين عن المقاومة الشعبية سواء في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري بانتقادات كبيرة من النشطاء في الميدان، الذين يؤكد بعضهم لـ"العربي الجديد"، أنه ترشح ليجد منصة يدعم من خلالها صمود مئات آلاف الفلسطينيين المهددين بالتهجير في الأراضي المصنفة "ج" و"ب" أيضاً (وفق اتفاق أوسلو، منطقة ج خاضعة لسيطرة أمنية ومدنية إسرائيلية ومنطقة ب خاضعة لسيطرة إسرائيلية فلسطينية مشتركة). غياب أعضاء "مركزية" و"مجلس ثوري" من المقاومة الشعبية كشف أنها ليست أكثر من شعار ترفعه القيادة بالكلمات فقط، إذ غاب نشطاء المقاومة الشعبية الموجودون في الميدان وتحديداً في الأغوار الفلسطينية التي بالكاد بقي فيها موطئ قدم للفلسطينيين أمام تغوّل المستوطنين اليومي. بذل نشطاء المقاومة الشعبية جهوداً لإقناع اللجنة التحضيرية في المؤتمر لرفع عدد نشطاء المقاومة من 10 إلى 21 عضو مؤتمر وبذل نشطاء المقاومة الشعبية جهوداً لإقناع اللجنة التحضيرية في المؤتمر لرفع عدد نشطاء المقاومة من 10 إلى 21 عضو مؤتمر. وكانت النتيجة فوز وزير هيئة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان فقط بمقعد في المجلس الثوري، حيث يؤكد أكثر من عضو أن نجاح شعبان في الثوري ليس بسبب كونه وزير الهيئة، وإنما بسبب ثقله التنظيمي في طولكرم. يعتبر نعيم مرار، عضو إقليم حركة فتح في رام الله وأحد أبرز نشطاء المقاومة الشعبية، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "للأسف، فإن طريقة إدارة ومدخلات المؤتمر الثامن وأخيراً نتائجه لم تراعِ خطورة المرحلة التي نعيشها، حيث تعرضت عشرات التجمعات الفلسطينية لتهجير كامل من قبل المستوطنين". وحول سبب عدم وجود فائزين سواء في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري من قادة المقاومة الشعبية الميدانيين، يقول مرار: "إما أن المؤتمر أعطاهم ثقته وأُسقطت أسماؤهم لاحقاً، وإما بسبب نتائج تحالفات المؤتمر غير المبنية على أساس وطني وتنظيمي". وفي رأيه، فإن "الهدف كان انتخاب من يريد المقعد، وليس من يريد المقاومة الشعبية". ويضرب مرار مثالاً بالقول: "لدي تأكيد أن المؤتمر أعطاني ثقته، لكن آخر ساعتين عندما أغلقت الأبواب تغيرت النتائج وتبدلت الأسماء، ولم يخرج اسمي بين الأعضاء الفائزين في المجلس الثوري". من جهته، يقول الكاتب معمر العويوي، لـ"العربي الجديد"، إن "الأسئلة المهمة لم تطرح في المؤتمر، فالحركة تعيش منذ سنوات في فصام، وغير قادرة على تحديد إن كانت حركة تحرر وطني أم حزب سياسي". ويؤكد أنه "نحن اليوم نريد إجابة واضحة من اللجنة المركزية حول ذلك وحول طبيعة العلاقة مع الاحتلال، هل تريد أن تكون حركة تحرر من الاحتلال أم تعايش معه؟ لأن الأدوات لكلا الطريقين مختلفة". ويتساءل أيضاً "هل فتح هي التي تقود السلطة أم العكس؟ لأن نتائج المؤتمر تشير إلى أن فتح هي التي تقود السلطة وتضع لها برامجها". ولم يجب المؤتمر، وفق العويدي، على "طبيعية المقاومة الشعبية، وما هو مفهومها وأدواتها التي لم يتم التطرق إليها، رغم أن هذا برنامج الرئيس عباس عام 2005".    

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية