عربي
أول ما نتعلمه في مهنة الصحافة أن على كل مادة صحافية أن تجيب عن الأسئلة الستة: ماذا، من، متى، كيف، لماذا، أين. أو كما اختصرها لنا أساتذتنا: ثلاث ميمات كلا. ثم مع الوقت نتعلم كيف نرتّبها، ونحدد أيها أكثر أهمية في كل موضوع، ثم نتعلم أن بإمكاننا تجاهل سؤال أو سؤالين في بعض المواضيع.
لم تخترع الصحافة هذه الأسئلة، ولم تلُبسها رداء الضرورة على صفحاتها، فالإجابة عنها ضرورة في أي جلسة نميمة، وفي قراءة التاريخ، وفي الحصول على تأشيرة للانتقال من بلد إلى بلد، وفي ملايين الأشياء الأخرى الضرورية والطبيعية.
وقع، أخيراً، في يدي كتيّب مطبوع في القاهرة عام 1947 "مشروع سوريا الكبرى"، وفيه النص الحرفي لمحاضرة أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية التجارة في جامعة القاهرة، راشد البرّاوي، عن الرؤية العربية إلى هذا المشروع، الذي كان ساخناً وقتها. والبراوي من المفكرين السياسيين العرب الرواد، وهو أول من ترجم كتاب كارل ماركس "رأس المال" إلى العربية. وعرض في محاضرته لمواقف جامعة الدول العربية، ومصر والقوى السياسية في سورية الطبيعية نفسها. وأكثر ما نبّهني إليه الكتيب فداحة إغفالنا سؤال: "متى" عند مراجعتنا لتاريخ حدث ما، واستسهال تقييمه وفق منطق زمننا، ومحاكمة شخوصه والمؤثرين فيه وفق هذا المنطق.
الكتاب، المحاضرة، مكتوب في زمن سخونة النقاش، وبالتالي يركّز على العوامل المهمة والمؤثرة. وأكثر ما يلفت النظر فيه أنه لا يذكر أنطون سعادة ولا الحزب القومي السوري الاجتماعي نهائياً. ومشروع سورية الكبرى بالنسبة له ولزمنه لم يكن مرتبطاً بهذه العقيدة ومنتسبيها ومنظّرها.
المفارقة أن الحدث تاريخي، وأول عنصر في معرفة التاريخ هو سؤال "متى". والطبيعي أن نسأل متى جرى هذا؟ ثم نبدأ بتحليل الحدث وتقييمه، مكتفين بأول جواب عن السؤال، رغم حاجتنا الماسّة له في الإجابة عن الأسئلة الأخرى. فحين نسأل: قد يكون مفهوماً أن تكون السعودية ومصر وتركيا ضد مشروع كهذا، لكن لماذا أخذ أبناء سورية الكبرى هذا الموقف السلبي من وحدتها؟ لن نصل إلى إجابة صحيحة ما لم نعلم الظروف التي دفعتهم لهذا الموقف. أي ما لم نسأل متى أخذوا هذا الموقف؟ ونعرف تالياً لماذا ومن وكيف؟
يبين الكتاب أن الإنكليز (أصحاب القرار المرجح آنذاك) كانوا موافقين ومتحمسين لقيام دولة لا مركزية تجمع سورية الطبيعية، ووضعوا شروطاً محدّدة للموافقة على قيامها، مثل وضع خاص لليهود (كان قيام دولة إسرائيل قيد التحضير، وكان الإنكليز يخطّطون لجعلها إقليماً خاصاً ضمن دولة أكبر). ووضع خاص للأكراد، وامتيازات اقتصادية للبريطانيين. وأشياء من هذا القبيل.
النقطة المركزية في ذلك الوقت، والتي لا ننتبه إليها الآن، وكانت، على الأرجح، الدافع لموقف النخب السياسية والثقافية والاجتماعية في دول الإقليم، هي العرش الهاشمي. كان المشروع في ذلك الوقت يعني أن يصبح عبد الله ملكاً على سورية الكبرى، ودستور مملكته الأردنية دستور الدولة الكبيرة الجديدة. حتى المواقف البريطانية والنقاشات والاشتراطات كانت على شكل مراسلات مع ملك الأردن، على اعتبار أن توليه عرش سورية أمر بديهي.
كانت النخب السورية والعراقية واللبنانية ترى في الصلاحيات المطلقة للملك عائقاً نهضوياً لن يسمح ببناء الدولة الوطنية المنشودة، وكانوا وقتها يحلمون ويخططون لتأسيس دول ديمقراطية وفق النموذج الغربي للدولة الوطنية. وخلال تلك السنوات، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وإعادة تشكيل العالم، وفق صيغ مفتوحة على الاحتمالات، برز عاملان مهمّان غيّرا المسار بكامله: قيام دولة إسرائيل، واكتشاف النفط في وسط العراق وجنوبه وشرق سورية، وبروز صراعين جديدين، ما زالا يرافقانا.
لكن بالعودة إلى زمن الحدث وسياقه، نفهم أن التاريخ يتحرك باتجاهات معينة لأسباب قوية ترجّح على باقي الأسباب، ثم يمضي بعض الزمن الكافي كي لا تعود مهمة، فتسقط من حساباتنا حين تنحسر على ما فات.
... اليوم يمتلئ فضاء الإقليم بعوامل وعناصر ستزول أهميتها عمّا قريب، وكم نظلم أنفسنا، ونحن نأخذ مواقفنا بناءً عليها.

أخبار ذات صلة.
إسرائيل... بلد المخدرات يبيض الحرب
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة
حين تبرئ ثورة فبراير جلاديها
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة