Arab
بينما يقوم أولياء الأمور في أنحاء الصين بحساب الكلفة والوقت وفرص العمل، باتت الكليات المهنية خياراً أساسياً. فبعد أن كان يُنظر إلى التعليم المهني على أنه خيارٌ بديلٌ للطلاب الأقل تحصيلاً، بات يجذب مزيداً من الطلاب المؤهلين للالتحاق بالجامعة. ومع دخول 12 مليون خرّيج جامعي إلى سوق العمل في عام 2025، اشتدت المنافسة وصار أصحاب العمل يُولون أهمية أكبر للمهارات العملية.
وتُظهر البيانات الرسمية انخفاض طلب أصحاب العمل على خرّيجي الماجستير من 20% عام 2024 إلى 17% عام 2025، بينما ارتفع الطلب على خرّيجي التعليم المهني من 8% إلى 11%. ورفعت خطة الصين لبناء أمّة تعليمية قوية (2024-2035) التعليم المهني إلى مرتبة الأولوية الوطنية، والتزمت بزيادة التمويل، وتحديث المرافق.
ورغم أن جامعات الصين تُصنّف ضمن الأفضل أكاديمياً على مستوى العالم، رسّخ التعليم المهني مكانته بقوة ضمن تفضيلات الطلاب، إذ يجد الخرّيجون وظائف بسرعة تضاهي سرعة نظرائهم الجامعيين، بل أحياناً أسرع منهم، ويُعزى هذا إلى تركيز مزيد من الطلاب على النتائج بدلاً من مجرد الحصول على شهادة. ويُقدّر خبراء توسعاً سريعاً في هذا القطاع، إذ من المتوقع أن تنمو مؤسسات التعليم الجامعي المهني في السنوات المقبلة لتغطي كامل الريف الصيني والمناطق الحضرية.
وبحسب إحصاءات حديثة، هناك 20 مليون طالب مسجّلون في أكثر من عشرة آلاف كليّة مهنية في أنحاء الصين، يشكّلون نحو 44% من إجمالي طلاب التعليم الثانوي. وتُعرف هذه المؤسسات باسم المعاهد المهنية الثانوية، وتقوم بتدريس المهارات الفنية أو المهنية المطلوبة للتوظيف بدلاً من إعداد الطلاب لارتياد الجامعة. وفي ظل التنافسية الشديدة في سوق العمل الصيني، يحثّ خبراء التوظيف الخرّيجين على التخطيط لمسيرتهم المهنية عبر زيادة قدراتهم التنافسية، كما يدعون إلى مزيد من السياسات التفضيلية لتوسيع سوق العمل، وذلك بعدما بلغ معدل البطالة 5.3% خلال العام الماضي.
يعمل وو بيغ، في شركة لصيانة أجهزة التكييف بمدينة شيامن (جنوب شرق)، وقد خالف رغبة أبيه الذي كان يتطلع إلى أن يصبح ابنه طبيباً، وقرّر بعد أن أنهى دراسته الثانوية، أن يدخل أحد المعاهد المهنية. وبعد دراسة استمرّت عامين في مجال التكييف والتبريد، بات قادراً على العمل، ووجد وظيفة على الفور.
يقول بيغ لـ"العربي الجديد": "حصلت في الثانوية على درجات عالية تؤهلني إلى دخول كلية الطب، لكن هذا التخصص كان سيأخذ من عمري ستّة أعوام، وبعد التخرّج والحصول على الشهادة، سأخوض معركة شاقة في البحث عن عمل في أحد المستشفيات، والأمر لن يكون سهلاً، فهناك عشرات الآلاف من الأطباء الخرّيجين حديثاً ما زالوا من دون عمل، والمنافسة شديدة، والمتطلبات ليست بسيطة".
ويتابع: "أعمل حالياً في شركة مرموقة، ولديّ راتب شهري يصل إلى 20 ألف يوان (نحو 3000 دولار أميركي) قد يكون أقل ممّا يتقاضاه الأطباء، ولكني استطعت أن أختصر على نفسي الطريق". ويُبدي سعادته بما حققه خلال الأعوام الماضية، ويقول: "لديّ زوجة وطفل عمره خمسة سنوات، ولا أدري لو كنتُ لبّيتُ رغبة أبي، إن كان بإمكاني أن أتزوّج وأكوّن أسرة مستقرة كما هي الحال اليوم".
من جهته، يقول دا تشون، وهو صاحب ورشة فنية متخصّصة بالرسم على الرخام في بكين: "كنت منذ طفولتي أحبّ الرسم والفنون الجميلة، وحين وصلت إلى المرحلة الثانوية، شعرتُ أن الدخول إلى الجامعة سيكون مضيعة للوقت. لذلك التحقتُ بمعهدٍ للفنون التشكيلية، وتعلمت النقش على الأحجار والأسطح الملساء، وبعد عامٍ من الدراسة، عملتُ في إحدى الورش لمدّة عامين، قبل أن أتمكن من افتتاح ورشتي الخاصة".
ويتابع لـ"العربي الجديد": "لا شكّ أن الشهادة الجامعية مهمّة، وربّما تُحدث فرقاً كبيراً في حياة الطلاب قبل التخرّج وبعده، ولكن صعوبة الحصول على وظيفة تظلّ هاجساً. سوق العمل بات أكثر قدرة على استيعاب الكفاءات التقنية، والنجاح لا يتوقف على درجة الطالب العلمية، بل على مدى خبرته وقدرته على التكيّف مع المتطلبات العصرية وبيئة العمل الجديدة".
من جانبها، تقول الباحثة الاجتماعية فانغ شيه، لـ"العربي الجديد": "تعكس ظاهرة تفضيل المجالات المهنية رغبة الجيل الجديد من الشباب في تحديد مساراتهم العملية مبكراً، في ظل حالة عدم اليقين في سوق العمل، بسبب المنافسة الشديدة. في هذه الحالة، تصبح الكفاءة أهمّ من المكانة الاجتماعية التي تمنحها الشهادات الجامعية، لأنّها توفّر تكيّفاً سريعاً مع بيئة العمل، وتساهم في تحقيق عائدٍ ماديّ في سنّ مبكرة نسبياً". وتضيف: "على الرغم من اتّساع هذه الظاهرة، تبقى الشهادات الجامعية هي الأساس والمعيار الأكاديمي، هذه التقاليد ما تزال قيمة راسخة في المجتمع الصيني".

Related News
"البُعد الاستراتيجي" وأفكار داود أوغلو مجدّداً
alaraby ALjadeed
39 minutes ago
غدر وخيانة
alaraby ALjadeed
39 minutes ago
خطاب السيادة في تونس على محكّ الاختبار
alaraby ALjadeed
39 minutes ago
أحداث على هامش الحرب... وفي قلبها أيضاً
alaraby ALjadeed
39 minutes ago
هذه الفتنة الرقمية في لبنان
alaraby ALjadeed
39 minutes ago