Arab
على الرغم من القطيعة التامّة، والاختلافات الحادّة العميقة، التي أوصلتهما إلى قاعات المحاكم الشرعية نزاعاً على حضانة ونفقة وسكن ورعاية، وافقت الأمّ المكلومة على طلب طليقها رؤية أولاده الثلاثة، معتقدةً أنّ هذا سوف يجنّبهم مشاعر سلبية يمرّ بها أولاد الأُسر المُفكَّكة في العادة عند وقوع الطلاق، من انعدام الإحساس بالأمان والاستقرار، ومن التمزّق العاطفي بين أبوين لم يتمكّنا من الحفاظ على تماسك الأُسرة، وكان الطلاق حلّاً شرعياً وقانونياً، ونتيجةً حتميةً لا مجال لتفاديها في حال تعمّق النزاع والشقاق. لم تشأ الأم المكلومة حرمان الأولاد من أبيهم، ووجدت أنّ من مصلحة صغارها التواصل الدائم معه بشكل طبيعي وصحّي، ولا سيّما أنّه يملك حقّ رؤيتهم ضمن حدود وضوابط قانونية تتعلّق بمكان الرؤية وزمانها، تقرّرها المحكمة، غير أنّها ارتأت أنّ من حقّهم، أطفالاً لم يتجاوز كبيرهم العاشرة، أن يقضوا بصحبة أبيهم، بين حين وآخر، وقتاً طبيعياً ممتعاً يتجاوز ما يسمح به حقّ الرؤية الرسمي، يحظون فيه بعطف وحنان ورعاية: يلاعبهم، ويشتري لهم الهدايا والحلوى، ويستمع إليهم ويتفاعل معهم، ويُغدق عليهم مشاعر الحبّ انسجاماً مع غريزة أبوية سويّة مفترضة، ما يكفل لهم بالنتيجة تحقيق التوازن النفسي، ويحدّ من الآثار السلبية للطلاق التي يدفع ثمنها الأطفال من دون ذنبٍ ارتكبوه، باستثناء المصادفة البيولوجية غير الرحيمة في حالاتٍ كثيرة.
لم يخطر ببالها وهي تهيئ الأطفال للخروج، وتساعدهم على ارتداء ثيابهم، وتحضر لهم زوّادةً، وتوصيهم بحسن التصرّف، لم يخطر ببالها قط أنّه الوداع الأخير، وأنّ الأب المؤتمَن على صغاره سوف يغدِر بها وبهم، وبالأمان المجتمعي برمّته، من دون رأفة، ولأسباب واهية لا تُبرِّر، بأيّ حال، تلك المجزرة الوحشية التي ارتُكبت بحقّ أبرياء لا حول لهم ولا قوة. لعلّ أكبر مخاوفها كان أن يهمل في الاعتناء بهم، أو أن يتأخّروا في المشوار فلا يحضروا دروسهم في الوقت المحدّد. وفي أسوأ الحالات، أن يحرّضهم على أمّهم جراء تراكم الأحقاد.
لم تدرك، ولا حتى في الكوابيس، أنّ ذلك المجرم تجرّد من أبوّته وآدميته، واستغلّ الموقف لتنفيذ جريمته البشعة التي خطّط لها بتمهل، وبعقل بارد، وبضمير ميّت، جهّز السكين، سلاح الجريمة، واستدرج صغاره الذين تراوح أعمارهم بين خمس إلى عشر سنوات إلى مزرعة نائية، وبطعنهم ثلاثتهم على التوالي من دون أن يرفّ لذلك السفاح جفن. ولم يكتفِ بهذا، بل صوّر وقائع الجريمة كاملةً، وأرسل الصور إلى والدتهم كي يحرق قلبها.
وقد نفى بيان صادر من الأمن العام ما يُثار ويتردّد في مواقع التواصل الاجتماعي أنّ تعاطي المخدّرات والإدمان عليها سبب ارتكاب جريمة قتل الأطفال الثلاثة، وأكّد البيان أنّ دافع الجريمة الدامية انتقامي ثأري بسبب خلافاته الأُسرية مع طليقته، ما يؤكّد سلامة قواه العقلية، وتوافر عنصر القصدية، وهو ما يؤكّد توافر ركن القتل العمد، الأمر الذي سيودي به إلى حبل المشنقة غير مأسوف عليه، لانتزاعه حقّ الحياة من صغار تفترض الطبيعة أن يحميهم برمش العين، وأن يفتديهم بروحه إذا ما حاق بهم الخطر.
وقد شهدت محافظة الكرك (جنوبي الأردن)، في ذلك اليوم، الجريمة الأكثر ترويعاً وقبحاً وعنفاً وقسوة، راح ضحيتها ثلاثة أرواح غضّة بريئة، ذُبحت مثل خراف العيد، بعد أن أقدم والدهم على قتلهم طعناً، في واقعة أحدثت صدمة وأثارت غضباً واسعاً في الشارع الأردني، الذي عبّر عن استهجان ونقمة ومطالبة بالانتقام لتلك الأرواح المغدورة، والمطالبة بتحقيق العدالة ومعاقبة المجرم الخسيس الذي استرخص دماء صغاره، وحرق قلب أمهم وقلوب الجميع. ندعو بالرحمة للضحايا المغدورين، المسلوبة طفولتهم، وبالصبر لوالدتهم التي نهبت أمومتها جرّاء وضع الثقة في من لا يستحقّها... ولعلّها آخر الأحزان.

Related News
ترمب: مقترح إيران غير مقبول
aawsat
6 minutes ago
اجتماع تحضيري في واشنطن لمفاوضات لبنان وإسرائيل
aawsat
9 minutes ago
«أوبك بلس» يقر ثالث زيادة للإنتاج في يونيو
aawsat
12 minutes ago
موريتانيا تنفي اختراق مسلحين من مالي لحدودها
aawsat
15 minutes ago