Arab
يكاد الزمن يتوقّف عند لحظة بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية، وعند لحظة إعلان الهدنة التي يعدُّ سكّان منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً، أيّامَها بالساعة والدقيقة، وتكاد كلّ الأحداث التي تجري في هذا العالم الفسيح تدور في فلك واحد هو فلك الحرب الأخطر والأكثر غموضاً، والأقلّ قابليةً للتكهّن بمآلاتها، حتى إنّ تحوّلات سياسية وأمنية لافتة، وجذرية تقريباً، في مناطق ودول مهمّة أوشكت أن تمرّ من دون ضجيج يليق بها، لولا أنّه تبيّن في تفاصيلها ما يربطها، بشكل ما، بالحرب نفسها نحو زيارةٍ نادرةٍ لزعيمة المعارضة التايوانية إلى الصين، ودعمها تعاوناً ثنائياً "لتجنّب الحرب" و"زرع بذور السلام". وفي اليوم نفسه تقريباً، أو بفاصل زمني قصير جدّاً، تعلن كوريا الجنوبية اعتذارها لشقيقتها اللدودة، كوريا الشمالية، بعد حادثة طائرات مسيّرة أطلقها مدنيّون بحسب الرواية الجنوبية، وقبلت بيونغ يانغ الاعتذار واعتبرته خطوةً حكيمةً، واصفةً الرئيس لي جيه ميونغ بأنّه "صريح وواسع الأفق". وبعد أسبوع، تعيش أوروبا لحظة تحوّل أهدتها إيّاها دولة ليست قاطرةً (ولا عربةً) في قطار الاتحاد الأوروبي المترنّح، بل هي فقط من أوّل دول شرقي أوروبا التي ضُمّت إلى البناء الأوروبي في 1 مايو/ أيار 2004، ولكنّها تمكّنت من تعطيله في أكثر من ملفّ وأكثر من أزمة، بفضل (أو بسبب) نظام التصويت و"الفيتو" اللذَين يتمتّع بهما (ويستخدمهما) جميع أعضاء الاتحاد، حتى ضدّ القرارات التي تعتقد الأغلبية أنّها تخدم مصالحها.
أغضبت الانتهاكات الإسرائيلية حكومة إيطالية محافظة حين منعت الاحتفال بأحد الشعانين في القدس
كانت المجر نجمة الأحداث في الأسبوع الثاني من إبريل/ نيسان، بعد إعلان فوز كاسح لحزب تيسا وزعيمه بيتر ماغيار، وهزيمة الرئيس فيكتور أوربان وحزبه فيدس، بعد حكم دام 16عاماً وُصف بـ"الاستبداد الانتخابي"، وبعد تحالفات وثيقة مع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، جعلا حركة "لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى" تتّخذ من نموذج أوربان المعروف بـ"الديمقراطية غير الليبرالية" في المجر، وداخل أوروبا، مرجعيةً لها، وكذلك فعل المعجبون بالحركة من الأوروبيين اليمينيين. كما ترجم أوربان قربه من نتنياهو، ضدّ مزاج عالمي غاضب ومصدوم، باستقباله في العاصمة بودابست في مثل هذا التوقيت تقريباً من العام الماضي (2025)، ويا لغرابة المصادفات! وهو مطلوب لدى محكمة العدل الدولية، ومُدرَج في لوائح الاعتقال في أغلب مطارات أوروبا، ويعمد إلى الالتفاف والتحايل في تنقّلاته القليلة منذ إصدار مذكّرة اعتقاله، التي اعتبرها أوربان حينها "معيبة"
تخسر إسرائيل اليوم بزعامة نتنياهو حليفاً نادراً (سارع زعيمه الجديد إلى إعلان مراجعة للاتفاقات القائمة بين بلاده وإسرائيل) داخل اتحاد أوروبي ويناصبه العداء أصلاً، سعى منذ الأسابيع الأولى من الحرب على غزّة (رغم ما حرّكته وحرّرته في الضمائر وفي هامش القرار السياسي، على محدوديته) إلى محاصرة وتشويه أيّ بادرة أو تحرّك أو مجرّد تصريح يستنكر ممارسات هي الأكثر توحّشاً في العصر الحديث. ولوحقت فرنسا، والرئيس إيمانويل ماكرون، بعد خطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي بدت متقدّمة جدّاً وجريئة، ولم تطاول المضايقات المجالين السياسي والعام فقط، بل الشخصي أيضاً، إلى حدّ التحقير والتشكيك، بل وصل الأمر إلى حدّ رسم الحدود والأطر المسموح بها للسياسة الخارجية الفرنسية، فقيل لباريس أخيراً، وفي ذروة تحوّلات مشهودة في العلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، على لسان سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، أن تبقى بعيدةً البعد كلّه عن هذا الشأن، و"عن كلّ شيء تقريباً"، وإن حضورها غير مرحَّب به، وكأنّ علاقات فرنسا التاريخية والقوية مع لبنان لم تعد لها قيمة ولم يعد لها وجود... وتفادياً لردّة فعل بغيضة مماثلة، تذهب ألمانيا في الاتجاه المناقض تماماً للموقف الفرنسي، فتقدّم شتّى عبارات وأشكال فرض الولاء والتماهي والدعم لإسرائيل. لكن هذا الانحناء لم يمنع استمرار الحراك الضاغط لإرخاء قبضة إسرائيل واللوبيات المرتبطة بها من على رقبة أوروبا؛ حراك شعبي صيغ في شكل عريضة تطالب بالتعليق الكامل لاتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، تجاوز عدد موقّعيها حاجز المليون في ثلاثة أشهر منذ انطلاق الحملة. اللافت في الحراك وجود صفحة له في الإنترنت بعنوان "مبادرات المواطنين الأوروبيين" تابعة للمفوضية الأوروبية، واللافت أيضاً أنّ عدد التوقيعات فاق الحدّ الأدنى المطلوب لاعتماد المبادرة رسمياً، واستوفى المتطلّبات القانونية في سبع دول أعضاء على الأقلّ، ما يضع الديمقراطية الأوروبية الأثيرة إلى قلوب الأوروبيين، والمقتدين بها شرقاً وغرباً، أمام اختبار قد لا تنجح فيه بشكل كامل، ولكن يكفي أن تقدّم اللائحة ورقةً مهمّةً معبّرةً عن رأي عام يؤخذ به في كلّ ما يتعلّق بحياة الأوروبيين وعلاقاتهم بالعالم.
وبعد إسبانيا، ووقفة رئيس وزرائها بيدرو سانشيز الحازمة تجاه إسرائيل، التي بدأت بسحب السفيرة الإسبانية من تل أبيب بشكل دائم، وتُوّجت بإعلان حظر كامل على بيع الأسلحة لإسرائيل، وبمنع مرور سفن الوقود المتّجهة إليها عبر الموانئ الإسبانية، وحظر المجال الجوي أمام الطائرات التي تحمل الأسلحة إليها، مروراً بدعوة إلى تعليق الشراكة الأوروبية – الإسرائيلية، ما أحدث حالةً من الإعجاب والدعم لشخص سانشيز، تُرجمت بإطلاق حملة تدعو إلى منحه جائزة نوبل للسلام، التي تجاسر عليها من لم يكن يخطر على البال. تصدّرت المشهد إيطاليا – جورجيا ميلوني المثيرة للجدل، إعجاباً وتوجّساً، بعدما اتخذت حكومتها قراراً مفصلياً بتعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون العسكري، ولم يكن قراراً مزاجياً ولا مصادفةً دبلوماسيةً، بل نتيجة سلسلة من الصدمات الميدانية اعتُبرت مساساً مباشراً بالسيادة الإيطالية. بدأت بعدما تعرّضت قافلة تابعة لقوات حفظ السلام الإيطالية العاملة ضمن "يونيفيل" في لبنان إلى إطلاق نار مباشر من القوات الإسرائيلية قرب بيروت، في حادثة اعتبرتها روما رسالةَ ترهيب، وتجاوزاً خطيراً لقواعد الاشتباك والحصانة الدولية لجنودها، ووصل صداها إلى أروقة المؤسّسة العسكرية والرأي العام، فلم يعد مقبولاً استمرار دعم دولة تهدّد حياة الجنود. وفي حادثة ثانية شكّلت استفزازاً للإيطاليين، تعرّض ضبّاط من الشرطة العسكرية الإيطالية في الضفة الغربية للتهديد بالسلاح، وأُجبروا على الركوع خلال مهمّة دبلوماسية رسمية، في مشهد إهانة مباشرة لهيبة الدولة الإيطالية، وتبيّن أمامه قصور الأدوات الدبلوماسية التقليدية.
ولأنّ الانتهاكات الإسرائيلية لا تأتي فرادى عادةً، فقد أوصلت غضب حكومة إيطالية محافظة إلى ذروتها بتعمّدها التضييق على رجال الدين المسيحيين ومنعهم من الاحتفال بأحد الشعانين في القدس، غضب وصل صداه إلى داخل الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، بكلّ ما تملكه المؤسّستان من قوة ضغط اجتماعية وأخلاقية داخل إيطاليا، لم يكن ممكناً تجاهله، بدوافعه وأهدافه، من دون كلفة سياسية حتمية.
تنتظر إسرائيل بعد حرب مدمّرة للمنطقة والعالم لحظة إعلان نفسها "حاكمة الشرق الأوسط"
وفي خلفية هذه الأحداث حسابات إيطاليا المتعلّقة بالضغوط عليها، وعلى أوروبا، للانخراط في الحرب ضدّ إيران، وأمن طاقتها الذي تزعزع مع إطلاق الرصاصة الأولى في هذه الحرب التي كانت باهظة الكلفة على العالم بأسره، وشبح موجات هجرة غير نظامية محتملة من مناطق الصراع باتجاه إيطاليا وجوارها، إضافة إلى إشكالات قانونية دولية معقّدة قد تفضي إلى مساءلة حكومة روما، وملاحقتها بسبب تصدير العتاد العسكري إلى طرف ينتهك الحقوق الإنسانية، ويرتكب ما هو أشنع. ووصل التململ إلى نقابات الموانئ الإيطالية، فرفض العمّال التعامل مع شحنات عسكرية متّجهة إلى إسرائيل، فكان قرار تعليق الاتفاق العسكري، من دون كلام كثير لا يحقّق هدفاً عملياً أو يترجم موقفاً إيطالياً صارماً. ستشنّ على جورجيا ميلوني هجمةً قد تتخذ أشكالاً مختلفة لتدفيعها ثمن ذودها عن مصالح بلدها وهيبته، ولن يتأخّر هذا كثيراً، وستوضع تحت المراقبة لإعادتها إلى بيت الطاعة، إلا أنّ ميلوني العنيدة قد لا تسهّل المهمّة على خصومها المباشرين ومن هم خلفهم.
كأنّ هناك خيطاً ناظماً وسط هذه الفوضى العالمية، إذ دُعي الكونغرس الأميركي في منتصف الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، ووسط انقسام حادّ، إلى جلسة تصويت على مشروع قانون صلاحيات الحرب، الهادف إلى إخضاع قرار الرئيس دونالد ترامب شنّ الحرب على إيران لموافقة الكونغرس، وقرار آخرَ لوقف الدعم العسكري لإسرائيل. وأحبط الجمهوريون المسعَيَين كما فعلوا في ثلاث محاولات سابقة، ولكن بفارق يقلّ عن عشرة أصوات، ما يرسل رسالةً مزدوجةً واضحةً إلى كلّ من الرئيس الأميركي وشريكه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بأنّ الطريق ليست سالكةً تماماً كما يفترضان أو يتمنّيان، وبانعدام وجود صكّ على بياض لكليهما. وقد تكون نتيجة التصويت على كلا المشروعين نزلت برداً وسلاماً على ترامب، رغم ظاهر الأمور التي تشي بعكس ذلك، إذ لا تزال القناعة الأعمّ أنّ ترامب لا يريد الحرب، وأنها ليست خياره الأوّل، ولكنّه يُدفع إليها دفعاً، فيعود هذا الانقسام الحادّ ليقول له ولمن يدفعونه: "تمهّل!". أمّا نتنياهو المستعجل، المبتزّ، مشعل النيران، الذي لا يقبل تبريراً أو تأجيلاً لما رسمه في خياله وفي الخرائط، فلا يملك أمام صورة الكونغرس المنشطر إلا أن يضغط على فرامله مُكرهاً، ويحوّل بعض الانكسارات إلى انتصارات يكرّرها في عبارته الشهيرة "نحن نغيّر الشرق الأوسط"، وإن كان ما يُلحظ من تقارب حذر بارد ومتردّد بين إسرائيل ولبنان هو معنى "تغيير الشرق الأوسط" في اللحظة الراهنة بالنسبة إليه، أو صورة إيران المدمّرة والمنهارة التي "قُضي فيها على كلّ شيء"، كما يروّج دونالد ترامب صباحاً ومساءً، هي قطعة أخرى من ذاك الشرق الأوسط الجديد.
تستفيد إسرائيل من حرب مدمّرة للمنطقة والعالم، ولمقدراتهما، ولإمدادات الطاقة، ولحركة التجارة العالمية، وللتوازن البيئي والمناخي، ولسلامة الأرض والهواء، ولحياة ملايين الناس في المنطقة وما يجاورها. وتُؤلَّب الأطراف بعضها ضدّ بعض بمنتهى اللؤم واللامبالاة إلا بما تجنيه من صراع الجميع ضدّ الجميع، وتتفرّج من مسافة ومن وراء الحواجز والمتاريس الفعلية والرمزية في انتظار اللحظة المناسبة التي يبلغ فيها الضعف والانهيار بالجميع مبلغه، كي تأتي وتعلن نفسها أخيراً "حاكمة الشرق الأوسط". إلا أنّ ما انتبهت إليه الأطراف المعنية بالأحداث الجارية، في هذه الحرب تحديداً، وتجاوزاً لكلّ ما يُعرف عن إسرائيل من ظلم وصعلكة وابتزاز وكذب واستمتاع عجيب بالفوضى حولها وبالدمار واليأس من المستقبل، ما دامت لم تمسّ هي في العمق، هو لامبالاتها بانهيار اقتصادات العالم وما تعبت الدول في بنائه وتثبيته وتطويره، ولامبالاتها بجرس الإنذار الذي يدقّ في القارات الخمس تنبيهاً إلى الأثمان الباهظة، وإلى المعاناة التي ستترتّب عن الحرب، وبدأ العالم يلمسها فعلياً في البيوت والطرقات ومحطّات البنزين وأسواق الغذاء.
الحرب على إيران برهنت على أنّ العالم ليس مجبراً على انتحار جماعي لم يقرره
وتطرّقت الاتصالات بين القادة والحكومات منذ بدأت الحرب على إيران لهذا كلّه، وحذّرت منه، وعبّرت عن استعدادها لفعل ما أمكن لمنع دولة واحدة، لها حساباتها التي تخصّها، من العبث في مصائر الملايين وإدخال اقتصاد العالم في ركود وجمود ستكون لهما أثمانهما الباهظة على المستوى الفردي والجماعي. ويعي الرئيس دونالد ترامب ما الذي ينتظره في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل (وحتى قبل ذلك) إذا ما سلّم نفسه للابتزاز والوعود الواهية، ونكاد نسمع الصراخ والتأنيب في مكالماته الهاتفية مع شريكه (ومحرّضه) نتنياهو، وهو يتلو عليه نتائج التصويت في الكونغرس، علّه يدرك إلى أيّ مدى تزداد الأمور صعوبةً، وتنذر بانشقاقات جسيمة تتجاوز الطبقة السياسية إلى المجتمع نفسه، فتجد إسرائيل نفسها، في وقت غير بعيد، بلا غطاء، وبلا ذراع طالما قاتلت نيابةً عنها، ودرأت عنها مخاطر صنعتها. وعادة ما يعمد الطرف السيئ والمنبوذ، واليائس من فرص قبوله، إلى إشعال الحرائق في كلّ مكان عملاً بالمقولة الشهيرة "عليّ وعلى أعدائي"، وفي ذلك شيء من "الشجاعة" معرّضاً نفسه أيضاً للخطر واحتمال إنهاء وجوده مع الأعداء. أمّا في حالة إسرائيل، فتتحوّل المقولة إلى "على أعدائي فقط"، أو "أنا وبعدي الطوفان". وقد كانت حرب الأربعين يوماً، وما رافقها من محاولات دفع إلى آخر نقطة قبل الهاوية السحيقة، إشارة شديدة الوضوح (والخطورة) إلى أنّ العالم ليس مجبراً بأيّ شكل من الأشكال على عملية انتحار جماعي لم يقرّرها، ولا يوجد سبب أو ذنب يبرّرها، سوى ذنب الصمت السلبي الطويل على المظالم والتجاوزات، وذنب الخضوع للابتزاز والخوف من وقفة حازمة حاسمة، تحرّر إرادة العالم من ارتهان باتت أدواته مكشوفة، وخطابه بات ملفوظاً مرفوضاً على نطاق يزداد اتساعاً، وقد حانت اللحظة التي قد لا تتكرّر.

Related News
ترمب: مقترح إيران غير مقبول
aawsat
6 minutes ago
اجتماع تحضيري في واشنطن لمفاوضات لبنان وإسرائيل
aawsat
9 minutes ago
«أوبك بلس» يقر ثالث زيادة للإنتاج في يونيو
aawsat
12 minutes ago
موريتانيا تنفي اختراق مسلحين من مالي لحدودها
aawsat
15 minutes ago