خطاب السيادة في تونس على محكّ الاختبار
Arab
1 hour ago
share
وضعت أزمة الطاقة المتكرّرة في تونس في الأعوام الثلاثة الماضية، وعبّرت عنها الطوابير الطويلة أمام محطّات التزوّد بالوقود وفقدان قوارير الغاز الطبيعي في مناطق عديدة من البلاد، علاوة على انقطاعات متكرّرة في التيار الكهربائي... خطاب السيادة على محكّ اختبارٍ قاسٍ. أمّا "اللزمات" (مصطلح قانوني مستعمل في تونس لنعت نمط من الاتفاقات العمومية التي تمنح بموجبها الدولة مواردها: أراضٍ، وطاقاتٍ، ومناجمَ، مؤقّتاً لمستثمر داخلي أو خارجي، مقابل شروط معيّنة قد تكون ماليةً أو بيئيةً أو اجتماعيةً، إلخ) ففجّرت أزمةً تتعلّق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجدِّدة، وتحديداً الطاقة الشمسية في تونس، وأثارت تلك المسألة جملةً من ردّات الفعل التي تبرهن مرّة أخرى على تهافت مقوّمات خطاب السيادة وانهياره أحياناً. لا يبتعد خطاب قيس سعيّد عمّا ردّدته الشعبويات التسلّطية في ستينيّات القرن الفائت وسبعينيّاته، على غرار خطاب عبد الناصر والقذّافي وصدّام حسين بنى خطاب الرئيس قيس سعيّد، منذ انقلاب 25 يوليو (2021)، مشروعيته وشرعيته السياسية – الأخلاقية على مسألة السيادة الوطنية من خلال توظيف مصطلحيْن كانا دوماً حاضرَين في خطابه، وما فتئ يؤكّد أنّه حامي "سيادة تونس" و"كرامة الدولة"، مشيراً في تحذير شديد اللهجة إلى مَن يعدّهم مفرّطين في مقدّرات الدولة وقد تنازلوا عن السيادة، ولا يستثني من ذلك حتى الاتفاقات التي أُبرمت مثلاً مع صندوق النقد الدولي في أثناء عشرية الانتقال الديمقراطي، ويرى أنّ من حكموا آنذاك قد خضعوا لإملاءات الصندوق الذي يعدّه ركناً ظالماً من أركان النظام العالمي، الذي يناهضه طبعاً. ويعتقد الرئيس سعيّد أنّ هذه المعركة التي يخوضها باسم أحرار العالم تندرج ضمن معارك التحرّر الوطني التي تقتضي حسم الصراع مع الجبهتين: الداخلية (خونة وعملاء)، والخارجية (محاور إقليمية وقوى عظمى ظالمة، إلخ). ولا يبتعد هذا الخطاب كثيراً عمّا كانت تردّده الشعبويات التسلّطية التي حكمت البلدان العربية في ستينيّات القرن الفائت وسبعينياته، على غرار خطاب جمال عبد الناصر ومعمّر القذّافي وصدّام حسين، إلخ. والأرجح أنّ هذا الخطاب نفسه قد اشتغل بشكل خاص في طول الجبهات الداخلية، فاستهدف النظام منظّمات إنسانية وحقوقية عديدة، وطيفاً واسعاً من منظّمات المجتمع المدني، حتى العريقة منها، بوصفها "مخالب" يحرّكها الخارج من أجل النيل من كرامة البلاد وسيادتها. وعلى مستوى الجبهة الخارجية، الممارسة، وحتى الخطاب، يثبتان أنّ السيادة تلك عادة ما تُغفل، خصوصاً أنّ البلاد لا تستطيع أن تذهب بعيداً في هذا الخطاب، وكثير من حاجاتها الملحّة يحتاج إلى تليين الموقف، إن لم نقل التغافل عنه ونسيانه ولو إلى حين. ففي أولى زياراته لفرنسا، ولما كانت المعارضة تشير إلى أهمية اعتذار فرنسا عن تاريخها الاستعماري المشين في تونس، وفي عموم منطقة المغرب العربي، رفع الرئيس سعيّد الحرج عن ماكرون، وهوّن عليه الأمر، حين التقاه قائلاً جملته بالفرنسية ومفادها: "من يعتذر يُدِنْ نفسه"... وهكذا عفا الرئيس مضيفه من عبث مطالبات كانت آنذاك ترتفع أملاً في أن يتبنّى الرئيس التونسي هذا الخطاب، وهو الذي صعّد هذا الخطاب في انتخابات 2019 مستنداً إلى هذه السردية. وتكرّرت تلك الخيبات التي يشعر بها أنصار الرئيس قبل خصومه، فقد اعتبر الرئيس في حملته الانتخابية الأولى سنة 2019 أنّ التطبيع خيانة، ثم تنازل عن ذلك حين قدّمت المعارضة في البرلمان مشروع قانون مناهضة التطبيع، فضلاً عن إبدائه تعاوناً مثمراً في مكافحة الهجرة غير القانونية، وهو ما يعتبرها خصومه هديةً مجّانيةً لإيطاليا والاتحاد الأوروبي. عبّر نائب تونسي عن أسفه لأنّ البرلمان تحوّل إلى هيئة مالية تصادق على القروض قد يجد بعضهم للرئيس أعذاراً عديدة، وهم محقّون في ذلك، فقد يكون هذا من باب الدبلوماسية الدافئة التي لا تحرص على الاصطدام إعلاءً لمصالح تونس، ولكن هذا التبرير سرعان ما يفقد تماسكه حين ننظر إلى جملة ممارساتٍ أثبتت عكسه. فإذا حرص النظام على تجنّب الاقتراض من صندوق النقد الدولي، فإنّه طرق جميع الجهات المانحة، سواء المنظّمات المالية على غرار الصندوق، والبنك الدولي، والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الأوروبي للاستثمار. وفي أحيانٍ كثيرة، كانت الشروط المالية أقسى ممّا هي شروط صندوق النقد الدولي، وقد تكون حجج النظام في هذا لا تتعلّق بنسب الفائدة، بل بالشروط التي يحدّدها الصندوق ضمن حزمة من الإصلاحات المستوجبة. والأمر مستمرٌّ في سعي النظام للاستدانة، ما جعل أحد النواب يعبّر عن أسفه، في تصريح له، لأنّ البرلمان تحوّل إلى هيئة مالية للمصادقة على القروض فحسب. لعلّ هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يثبت ما يسمّيه علماء السياسة "خطاب السيادة العاجزة"، على غرار خطاب السيادة المفلسة أو خطاب السيادة الفقيرة، أي رفض القروض التي قد تمنح البلدان فرصةً لاستجماع قوّتها، وعلى عكس ذلك، الإقبال على قروض تجعل الاستدانة هيكليةً حتى يأكل الثعبان ذيله. موافقة مجلس النواب على اللزمات الخمس (73 موافقاً مقابل 33 رافضاً، وتسعة امتنعوا عن التصويت) التي تسمح لأربع شركات استثمار أجنبية (فرنسية ونرويجية وقطرية، إلخ) بالاستثمار في الطاقات المتجدِّدة، من خلال إنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية، أثبتت صعوبة التمسّك بالفهم الماركسي الأرثوذكسي للسيادة. بعيداً عن هذا النقاء السيادي، تجبر أزمة الطاقة الحادّة التي تعاني منها البلاد، وهي التي تستورد أكثر من 60% من حاجاتها من الطاقة، علاوة على أزمة الشحّ المالي، النظام على تعديل مواقفه وإبداء براغماتية أكبر. ويُتوقَّع أن تنتج البلاد ما يناهز ثلث حاجاتها لإنتاج الكهرباء من الغاز الطبيعي. إنّ هذه المرونة لم تواكبها تعديلات دالّة في الخطاب ذاته، خصوصاً في ظلّ التعبئة التي قادها أنصار النظام، وقد تحوّلوا إلى خصوم له في هذه المسألة بالذات، وهم الذين نظّموا احتجاجات في أثناء انعقاد البرلمان للمصادقة على تلك الاتفاقات.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows