Arab
هل يمكن أن تتحوّل تناقضات الشرق الأوسط المزمنة إلى صيغةٍ من التفاهم أو التحالف الجزئي بين القوى الرئيسة في الإقليم؟ سؤال بدا سنواتٍ طويلةً أقرب إلى التأمّل النظري أو الأحلام المفرطة منه إلى الاحتمال القابل للحدوث، غير أنّ التحوّلات المتسارعة في الإقليم، وتزايد التهديدات المشتركة، يعيدان طرح أفكار ونظريات طُرحت منذ سنوات عديدة، من بينها التصوّر الذي قدّمه رئيس الوزراء التركي ووزير الخارجية الأسبق، أحمد داود أوغلو، عمّا عُرف بـ"المثلث الاستراتيجي".
أعود بالذاكرة إلى ما قبل 15 سنة، حين تلقّينا دعوةً من الرئيس التركي عبد الله غول إلى زيارة بلده، إثر زيارته مصر عام 2011، إذ حرص على لقاء طيف واسع من الشخصيات السياسية، ومن شباب ثورة يناير، ومن أعضاء المجلس العسكري. وكانت تركيا تبدي اهتماماً استثنائياً بمصر ما بعد الثورة، ولا سيّما أنّ الرئيس حسني مبارك لم يكن متحمّساً لتعميق العلاقة مع تركيا في سنوات حكمه. وفي تلك الزيارة كانت هناك جلسة ودّية طويلة مع وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، ممثلين لشباب الثورة المصرية، وكان يخبرنا بشغف عن أفكاره ورؤاه، وعن كتابه "العمق الاستراتيجي"، وما سمّاه "مثلث الاستقرار" أو المثلث الرئيس في الشرق الأوسط. وقتها رأيت أنّها فكرة طموحة بشكل كبير، وإن بدت معقّدة عملياً.
لم يعرف الشرق الأوسط تحالفات مستقرّة طويلة الأمد بين قواه الرئيسة بقدر ما عرف توازنات متغيّرة
طُرحت هذه الفكرة منذ ما يقرب من عقدَين باعتبارها إطاراً لإعادة تنظيم توازنات المنطقة، عبر بناء نوع من التكامل أو التفاهم بين ثلاث قوى رئيسة: مصر وتركيا وإيران. لم تكن الفكرة في سياقها الأصلي دعوةً إلى تحالف سياسي مباشر، بقدر ما كانت تصوّراً لإعادة تعريف مركز الثقل الإقليمي، استناداً إلى ما تمتلكه كلّ واحدةٍ من الدول الثلاث من عمق حضاري وتاريخي، وموقع جغرافي، وقدرات سياسية واقتصادية تجعلها فاعلاً حاسماً في محيطها.
ورغم استقالة داود أوغلو من رئاسة الوزراء، ومن حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، بعد خلاف مع صديقه رجب طيّب أردوغان بشأن طبيعة نظام الحكم، وانتقاد داود أوغلو تحوّل نظام الحكم إلى سلطوي، لا يزال مؤمناً بنظرية التحالف الاستراتيجي، وتطوّرت النظرية لتشمل السعودية إضافة إلى مصر وتركيا وإيران، ليتحوّل "المثلث" إلى "مربّع استراتيجي"، يعكس إدراكاً متزايداً منه بأنّه لا يمكن تحقيق استقرار إقليمي مستدام في ظلّ صراعات أو منافسة بين هذه القوى، كما أنّ غياب التفاهم بينها يفتح المجال لتدخّلات خارجية تعمّق هشاشة المنطقة.
وقد شكّلت ثورات الربيع العربي في 2011 فرصةً كبيرةً لتحقيق أحلام (وأماني) التكامل بين الدول العربية أو الإسلامية. ولكنّ الواقع كان أكثر تعقيداً، فكانت هناك حكومات عربية معادية لتلك الانتفاضات، ومستنفرة ضدّ مطالب الحرّية وتداول السلطة بشكل عام، بخلاف حالة السيولة الشديدة وما صاحبها من زيادة سطوة بعض الجماعات المتطرّفة، فتحوّلت الثورة السورية إلى حرب بالوكالة بين أطراف متعدّدة، أبرزها تركيا وإيران (طرفي النظرية)، فتحوّل الصراع إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بينهما. وفي الوقت نفسه، أدّى التحوّل في مصر بعد 2013 إلى قطيعة حادّة مع أنقرة، دخلت معها العلاقات الثنائية في مرحلة من التوتّر امتدّت سنواتٍ، بالإضافة إلى تضارب دوائر النفوذ، وشملت ملفّات إقليمية حسّاسة مثل ليبيا وشرق المتوسط.
في هذا السياق المعقّد بعد 2013، بدت فكرة "المثلث الاستراتيجي" أقرب إلى الطموح النظري منها إلى مشروع قابل للتطبيق. فقد طغت اعتبارات الأمن القومي المباشر، وتعارض المصالح، على أيّ إمكانية لبناء تفاهمات أوسع، كما ساهمت التحوّلات الداخلية في بعض هذه الدول في تعميق الفجوة بدلاً من ردمها. غير أنّ المشهد الإقليمي لم يبقَ على حاله. فقد بدأت تظهر مؤشّرات على تحوّل تدريجي في مواقف هذه الدول، فعلى سبيل المثال، حدث قدر كبير من التقارب بين مصر وتركيا في قضايا مهمّة بعد سنوات من القطيعة، وهو ما تطلّب وقف التلاسن الإعلامي الحاد. ولا يعني هذا التحوّل، بالضرورة، أنّ المنطقة تتجه نحو تحالفات صلبة أو إعادة إحياء كاملة لفكرة "المثلث" أو "المربع" الاستراتيجي، لكنّه يعكس إدراكاً متزايداً بأنّ كلفة الصراع بين القوى الرئيسة في الإقليم ستسبّب خسائر لجميع الأطراف في ظلّ الأخطار المشتركة بعد حرب غزّة، وتغوّل إسرائيل في الإقليم، كما أنّ التهديدات المشتركة قد تدفع هذه القوى إلى البحث عن صيغ جديدة لإدارة خلافاتها، بدلاً من تعميقها.
في هذا الإطار، يمكن قراءة التحرّكات الدبلوماسية المتزايدة، ومحاولات التهدئة بين أطراف كانت حتى وقت قريب على طرفَي نقيض، بوصفها تعبيراً عن نمط من "التقارب القسري" أو ما يمكن تسميته "تحالف الضرورة"، وهو نمط لا يقوم على توافق أيديولوجي أو رؤية مشتركة بعيدة المدى، بل على إدراك متبادل بأنّ انهيار أحد الأطراف أو انزلاقه إلى فوضى شاملة قد تكون له تداعيات تمتدّ إلى الإقليم بأكمله. ولعلّ هذا التقارب المصري - التركي قد ظهر أخيراً في الزيارات المتبادلة على مستوى الرؤساء، وبوقف التشاحن الإعلامي، وإبعاد بعض القيادات الإخوانية من تركيا. وعلى مستوى العلاقات بين مصر وإيران، كان الموقف المصري الرافض للتورّط في مواجهة مع إيران، رغم الضغوط الخليجية المتصاعدة، فسقوط إيران بوصفها دولة، بصرف النظر عن الخلافات معها، سيُلقي بفوضى لا يمكن لأحد السيطرة عليها، وهو ما يفسّر الجهود المصرية في مسارات الوساطة بدلاً من الانزلاق نحو خيارات الحرب، ويكشف أنّ هذا الموقف ليس حبّاً في إيران، بل هو إدراكٌ استراتيجيٌّ بأنّ الفوضى لا تُفرّق بين عدو وحليف.
لم تعد صيغة تعاون (وتكامل) بين القوى الإقليمية الرئيسة في الشرق الأوسط ترفاً فكرياً أو أحلام طموحة، بل "ضرورةً استراتيجية" يفرضها واقع التهديدات المشتركة
ولذلك، لا تبدو أفكارٌ مثل التي طرحها أحمد داود أوغلو بعيدةً تماماً عن الواقع، لكنّها، في الوقت نفسه، لا تعود في صورتها الأصلية. فبدلاً من تصوّر تكاملي شامل يعتبره بعضهم حالماً أو رومانسياً، نحن أمام احتمالات أكثر واقعية: تفاهمات مرحلية، تنسيق في بعض الملفّات الاستراتيجية، وإدارة أقلّ حدّة للصراعات القائمة.
يبقى أنّ الشرق الأوسط، تاريخياً، لم يعرف تحالفات مستقرّة طويلة الأمد بين قواه الرئيسة بقدر ما عرف توازنات متغيّرة تُعاد صياغتها وفقاً لمعادلات القوة والتهديد التي تتغيّر كلّ فترة. لذلك قد لا يكون السؤال حول إمكانية تحقّق نظرية داود أوغلو حول "المثلث" أو "المربّع" الاستراتيجي، بل ما إذا كانت ضرورات المرحلة ستدفع هذه القوى إلى تقليص مساحة الصراع، ولو مؤقّتاً، لصالح قدر من التفاهم يحدّ من الانزلاق نحو فوضى أوسع. فالوصول إلى صيغة تعاون (وتكامل) بين القوى الإقليمية الرئيسة لم يعد مجرّد ترف فكري أو أحلام طموحة، بل أضحى "ضرورةً استراتيجية" يفرضها واقع التهديدات المشتركة، وتغوّل العدو المشترك في المنطقة. فاستمرار الاستقطاب يفاقم هشاشة الإقليم ويستنزف مقدّراته، ولا يتطلّب التكامل إزالة الخلافات كلّياً، بل يتطلّب إدارة ذكية لها، ما يمهّد الطريق لنظام إقليمي يحفظ السيادة، ويحقّق التوازن بعيداً من الوصاية الأميركية.

Related News
ترمب: مقترح إيران غير مقبول
aawsat
6 minutes ago
اجتماع تحضيري في واشنطن لمفاوضات لبنان وإسرائيل
aawsat
9 minutes ago
«أوبك بلس» يقر ثالث زيادة للإنتاج في يونيو
aawsat
12 minutes ago
موريتانيا تنفي اختراق مسلحين من مالي لحدودها
aawsat
15 minutes ago