هذه الفتنة الرقمية في لبنان
Arab
1 hour ago
share
بناءً على إشارة المدَّعي العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، في 2 مايو/ أيار الجاري، وعلى أثر مثولها لدى قسم المباحث الجنائية المركزية، أزالت "LBCI" المحتوى الرقمي الذي ظهرت فيه شخصية كاريكاتيرية للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في فيديو مستوحى من شخصيات لعبة "Angry Birds". كما أصدر الحاج استنابات قضائية لكشف هُويّة المتورّطين في فبركة صور مسيئة للبطريرك الماروني بشارة الراعي، وأخرى لرئيس الجمهورية جوزاف عون، وصور لمفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ عبد اللطيف دريان. أثار الفيديو الرقمي جدلاً واسعاً في منصّات التواصل الاجتماعي، فلم يقتصر الأمر على الاستهجان، بل أُلبس الموضوع ثوب "الفتنة" بين المكوّنات اللبنانية. في المقابل، عمد بعض المؤثّرين والجيوش الإلكترونية المؤيّدة لحزب الله إلى نشر صور رقمية في المواقع الإلكترونية استجلبت ردّات فعل واسعة، ومستنكِرة، ومحذِّرة من إشعال نار الفتنة بين اللبنانيين، ما بات يطرح التساؤل حول الغاية من نقل الفتنة إلى المساحة الرقمية، فهل تلك هي الوسيلة الأسرع لإشعالها؟ قرار المدَّعي العام مطلوب، لا سيّما أنّه استدعى طرفَي الواقعة، في خطوة تمثّل الحرص المؤسّساتي على عدم السير في ما يبتغيه العدو من الاصطياد في الماء العكر. وإنّ فرض رقابة مشددة على محتوى المنصّات الرقمية، وفرملة اندفاعة الجيوش الإلكترونية للنفخ في نار الفتنة، واجب على الرقابة الإعلامية والرقمية، يوازي قرار نشر الجيش في المناطق اللبنانية درءاً للفتنة بين اللبنانيين. فتنة طالما حذّر منها الرئيس عون، على اعتبار أنّ انقسام اللبنانيين حول الحرب الدائرة بات يأخذ شكل "لا تلاقٍ"، وهذا ما يفتح الباب أمام سيناريوهات كثيرة، أبرزها عودة بوسطة عين الرمّانة الافتراضية للسير في المنصّات الرقمية. فعلياً، نجح الرئيس عون، حتى الآن، في تجنيب لبنان الفتنة بالرغم من الأحداث الخطيرة في شوارع لبنان، من الاحتجاجات التي نظّمها الثنائي الشيعي أمام السراي الحكومي وفي شوارع بيروت، وفي ظلّ تصاعد التوتّر بين اللبنانيين النازحين والمقيمين، لكن اليوم يواجه الداخل اللبناني خطورةً من نوع رقمي يصعب ضبطها ومراقبتها، فهو عالم لا ضوابط فيه، ولا حدود جغرافية لمن يبثون فيه الفتن. يتطلب الموضوع أكثر من قرار سحب المحتوى الرقمي المسبّب للفتنة؛ أن تُسحب من النفوس تلك الفتنة التي انعكست في المنصّات الرقمية والمنصّات الرقمية فضاءات تشكل اليوم مساحةً للجيوش الإلكترونية التابعة للأحزاب في لبنان لشنّ حروبها الافتراضية، مستخدمين لغة التخوين والتهديد والتطاول. هي حرب طائفية تُدار في منصّات التواصل، تتضمّن اقتتالاً كلامياً يكون في بعض الأحيان أشدّ خطورةً من الاقتتال الجسدي، وتشهد الشاشات الصغيرة جدلاً بيزنطياً بين المتحاورين، وأحياناً تتحوّل منصّات الحوار داخل القنوات التلفزيونية إلى حلبة مصارعة بين الضيوف. ولبنان ليس بخير، أو بعبارة أخرى لا يريده الإسرائيلي أن يكون بخير، ويمارس جيشه الاعتداءات اليومية خارقاً بنود الهدنة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيعمل جيش الاحتلال لإحداث تغيير ديمغرافي وجغرافي في المناطق التي يفرض السيطرة عليها من خلال التدمير الكلّي، منهياً بذلك أي شكل للحياة فيها، ومُعرقلاً عملية عودة النازحين. تحتاج إسرائيل إلى هذا الانقسام العمودي في لبنان، وتسعى إلى تكريسه، لعلّ هذا الحال يحقّق لها ما لم تستطع تحقيقه في الحرب. كيف لا؟ وهي اليوم تمتلك قدرات متطوّرة من الذكاء الاصطناعي، وقادرة على اختراق التراشق اللبناني في المنصّات الرقمية بحسابات مزيفة تنسبها إلى هذا الفريق أو ذاك، لإشعال الفتنة افتراضياً بعد عجزها واقعياً. هناك تأكيدات رسمية على عدم الانزلاق نحو الاقتتال الداخلي، لكن الموضوع يتطلّب أكثر من قرار سحب المحتوى الرقمي المسبب للفتنة، يحتاج إلى أن تُسحب من النفوس تلك الفتنة التي انعكست في المنصّات الرقمية، في لغتَي الشتيمة والتخوين، لهذا فإنّ خطورة انزلاق لبنان إلى فتنة داخلية كبيرة تبقى مستبعَدةً طالما هناك مسؤولون لا يزالون يعملون على وأدها، ودول صديقة حريصة على استقرار هذا البلد، وإنقاذه من النفق. لا تعني الفتنة الرقمية استبعاد الحرب واقعياً، وهو تحوّل وارد في ظلّ الحديث عن سعي إسرائيلي لإسقاط الهدنة، والذهاب نحو حرب جديدة في لبنان، الأمر الذي يفتح الباب أمام السيناريوهات كافّة، في مقدّمتها الانتقال من لبنان الكبير إلى المطالبة بالتقسيم، مع عودة لبنان إلى عام 1975 في انتظار الياسمين.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows