Arab
يتفشى فيروس جدري الماء بين أفراد العائلات الفلسطينية النازحة في قطاع غزة، خصوصاً الأطفال، والتي تعيش في بيئة مدمرة تفتقر إلى أدنى مقومات الوقاية نتيجة الاكتظاظ الشديد في مناطق النزوح، إلى جانب غياب سبل الرعاية الصحية في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية.
في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي خلّفها العدوان الإسرائيلي داخل قطاع غزة، ومع الاكتظاظ الشديد في مناطق النزوح والانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية، وجد فيروس جدري الماء طريقه للانتشار، ليجتاح أجساد مئات الفلسطينيين، خصوصاً الأطفال، حاملاً معه الألم والحمى، والحكة التي لا تهدأ، والتي يزيد انتشارها في البيئة الملوثة التي باتت مصدراً أساسياً لنقل العدوى.
نزحت نرمين محمد إلى منطقة العطار بمدينة خانيونس (جنوب)، وتعيش مع زوجها وأطفالها السبعة في ظروف قاسية، وقد بدأت معاناتها مع جدري الماء في الأسبوع الأول من شهر رمضان، حين أُصيب زوجها سائد بأعراض ظنّتها إنفلونزا، قبل أن تكتشف ظهور الحبوب على جسده. سرعان ما انتقلت العدوى إلى ابنها عبد الله (8 سنوات)، لتجد نفسها أمام إصابتين داخل خيمة النزوح.
بعد مراجعة عيادة قريبة، تم تشخيص الحالة، وصُرفت أدوية بسيطة مع إعطائها بعض التعليمات الطبية. تقول نرمين لـ "العربي الجديد"، إنها حاولت عزل المصابين باستخدام وسائل بدائية، لكنها لم تنجح في منع انتشار المرض، إذ أُصيب لاحقاً ثلاثة من أطفالها، بينهم ابنة فقدت وعيها بسبب المرض. وتوضح أن حالة زوجها تعقدت مع ظهور بعض الحبوب في العين، وأن العدوى منتشرة بشكل واسع في المنطقة، وسط ضعف الالتزام بالإجراءات الوقائية.
الاكتظاظ واستمرار الاختلاط بين الناس يسهمان في تسارع عدوى جدري الماء، ما يجعل السيطرة على المرض أكثر صعوبة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الصحة والنظافة
واجهت نرمين صعوبات إضافية بسبب عدم تشخيص حالة ابنتها الأخرى في بداية الأمر، رغم ظهور الأعراض، ومع تطور الحالة، انتشرت الحبوب حتى داخل فمها، في ظل محدودية الإمكانيات الطبية داخل مناطق النزوح. وتبيّن: "لست الوحيدة التي تعيش تلك الحالة، إذ إن أفراداً آخرين من أقاربي مصابون أيضاً بذات المرض الذي ينتشر بسرعة في مخيمات النزوح. غياب الوعي الكافي بالإجراءات الوقائية، واستمرار الاختلاط بين الناس يسهمان في تسارع العدوى، ما يجعل السيطرة على المرض أكثر صعوبة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الصحة والنظافة".
في خيمة صغيرة بحي الرمال في وسط مدينة غزة، تجلس صبحية الجمال إلى جانب طفلها آدم (4 سنوات)، تحاول أن تُهدئ من بكائه المتواصل، بينما تراقب ارتفاع حرارته وتفاقم حالته الصحية يوماً بعد يوم. تقول لـ "العربي الجديد"، إن معاناة طفلها بدأت بسخونة شديدة، ما اضطرها إلى التوجه به إلى مستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال بمدينة غزة، وهناك، وبعد إجراء صورة أشعة وفحوص استغرقت عدة ساعات، أخبرها الأطباء بوجود التهابات في الرئتين، وتم إدخاله للمبيت في المستشفى.
تروي الأم تفاصيل الساعات الأولى بقلق واضح: "لم أكن أدرك حينها أن هذه علامات بداية الإصابة بجدري الماء، لكن في اليوم التالي، بدأت الحالة تتدهور بشكل ملحوظ، ليؤكد الأطباء التشخيص ويصرفوا له العلاج. ما يزيد قلقي هو إصابة آدم بمرض في القلب منذ الولادة، وقد خضع لعملية قلب مفتوح، ويعاني انسداداً بنسبة 30% في أحد الصمامات، ما يجعله أكثر عرضة للمضاعفات".
وتضيف أنها تعيش في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتحاول قدر الإمكان عزل طفلها عن الآخرين حتى لا تنتقل العدوى إلى أطفال آخرين. ورغم كل الاحتياطات، يبقى الخوف حاضراً، خاصة مع ضعف الإمكانيات الصحية في بيئة النزوح.
بدورها، تروي تغريد أبو العون قصة مشابهة، لكنها أكثر تعقيداً، إذ لم يقتصر المرض على طفل واحد، بل امتد ليصيب ثلاثة من أبنائها. تقول: "ابني يحيى عمره ست سنوات، وكان يلعب في الشارع حيث انتقلت العدوى إليه، وكانت الأعراض سخونة وصداعاً واحمراراً في العين، وبعدها انتشرت الحبوب في جسمه. ورغم تعافي يحيى بعد أسبوعين، انتقلت العدوى إلى شقيقتيه آية (11 سنة) ونور (4 سنوات).
تصف تغريد ما يحدث مع ابنتيها قائلة لـ "العربي الجديد": "نفس الأعراض، سخونة واحمرار في العين ودوخة، ووجع في المفاصل مثل الإنفلونزا، وانتشرت الحبوب في كل الجسم. وصف لهما الأطباء أدوية بسيطة مثل خافضات الحرارة ومضاد حيوي، لكن المعاناة لا تزال مستمرة، خاصة مع الحكة الشديدة التي تمنع الأطفال من النوم، عدا عن السخونة المستمرة. هذه هي المرة الأولى التي تُصاب فيها ابنتاي بالمرض، وسألنا الأطباء، فقالوا إنه فيروس منتشر، وأخشى أن ينتقل إلى باقي أولادي".
وتشير إلى أنها تتخذ إجراءات وقائية تتمثل في تخصيص أدوات لكل طفل في الأكل والشرب، وتقلل من الاحتكاك بينهم، لكن ذلك لا يمنع انتقال العدوى في بيئة مكتظة تفتقر إلى وسائل النظافة وتنعدم فيها الخدمات الأساسية.
لا تختلف قصة الطفل أحمد أبو سمرة (5 سنوات) عن سابقيه، وتقول والدته حنين عليوة إنها لاحظت ارتفاع درجة حرارته في اليوم الأول للإصابة، ثم فوجئت في اليوم الثاني بانتشار فقاعات جلدية في الوجه والبطن والظهر، ليتفشى المرض في كل أنحاء جسمه.
وتبيّن عليوة لـ "العربي الجديد"، أن "العدوى انتقلت إلى أحمد من شقيقه الذي أُصيب بالفيروس ذاته في الأسبوع الذي سبقه، وبعد مرور أربعة أيام على إصابته ظهرت عليه أعراض الهزال وآلام في الرأس، ما دفعها للتوجه به إلى المستشفى، حيث تم تأكيد إصابته بجدري الماء".
من جانبه، يوضح استشاري طب الأطفال في مستشفى الرنتيسي، شريف مطر، أن جدري الماء مرض فيروسي شديد العدوى يصيب الأطفال غالباً من دون مضاعفات خطيرة، لكنه قد يكون أكثر شدة لدى بعض الحالات، خاصة في ظل الظروف الصحية المتدهورة. ويقول لـ "العربي الجديد"، إن "الأعراض تبدأ بارتفاع في درجة الحرارة، وهزال عام، قبل أن يظهر الطفح الجلدي على شكل فقاعات مملوءة بالسوائل، تبدأ عادة في منطقة الجذع، وتمتد إلى الأطراف والوجه، وقد تصل في بعض الحالات إلى داخل الفم".
ويضيف مطر: "المرض في الغالب حميد، ويمنح المصاب مناعة دائمة، إلا أن هناك مضاعفات محتملة، خاصة في الحالات التي يعاني فيها الطفل من أمراض مزمنة، أو ضعف في المناعة. من بين هذه المضاعفات إمكانية حدوث التهابات بكتيرية فوق الإصابة الفيروسية، أو اضطرابات مناعية قد تؤدي إلى أعراض عصبية، مثل عدم الاتزان، وفي حالات نادرة قد تصل إلى الحمى الشوكية. نحذر أيضاً من خطورة إصابة العين بالفيروس، ما قد يؤدي إلى تقرحات في القرنية قد تترك آثاراً طويلة الأمد".
ويؤكد أن "الفيروس يمر بمراحل متعددة، حيث تظهر حبوب جديدة بينما تختفي أخرى، ما يجعل المصاب معدياً طوال فترة ظهور الطفح الجلدي. فترة الشفاء تصل عادة إلى 14 يوماً، وخلالها يجب التعامل بحذر مع المصاب، خاصة في الأيام الأولى، أما العلاج، فيقتصر غالباً على خافضات الحرارة، واستخدام مضادات حيوية لتخفيف الحكة. نربط انتشار المرض بالظروف البيئية، فالفيروس يحتاج إلى بيئة حاضنة للانتشار، مثل الاكتظاظ وقلة النظافة والاحتكاك المباشر بين الأطفال، وكلها عوامل متوفرة في قطاع غزة حالياً، خاصة في مراكز النزوح".
من جهتها، تؤكد صفاء الكحلوت من قسم السلامة ومكافحة العدوى في مستشفى الرنتيسي، أن الأوضاع في غزة بعد الحرب ساهمت في تفشي الكثير من الأمراض، بما في ذلك جدري الماء، نتيجة سوء التغذية وتدهور البنية التحتية، خاصة في ما يتعلق بالصرف الصحي. وتوضح لـ "العربي الجديد"، أن "المرض ينتقل بسهولة عبر الملامسة المباشرة أو الهواء، ما يجعله سريع الانتشار في البيئات المغلقة والمكتظة. يستقبل المستشفى يومياً ما بين 20 إلى 25 حالة يُشتبه بإصابتها بالجدري المائي، ويتم إدخال نحو خمس منها إلى أقسام المبيت. الوقاية ضرورة في المكافحة، وينبغي غسل اليدين بانتظام، واستخدام أدوات شخصية منفصلة للمصابين، وتقليل الاحتكاك، وارتداء الكمامات عند التعامل مع المصابين".
في السياق ذاته، يحذر عميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية، عبد الرؤوف المناعمة، من تزايد خطر انتشار جدري الماء، واصفًا إياه بأنه مرض فيروسي شديد العدوى يسببه فيروس الحماق النطاقي، وهو ذاته المسؤول عن الإصابة بالحزام الناري لاحقاً.
ويوضح المناعمة لـ "العربي الجديد"، أن "المرض يصيب الأطفال بشكل أساسي، لكن أعراضه تكون أكثر شدة لدى البالغين، ومعظم المصابين يكتسبون مناعة طويلة الأمد بعد التعافي. هناك فئات أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات خطيرة، من بينها الأطفال دون سن الخامسة، خصوصاً من يعانون من سوء التغذية، إضافة إلى كبار السن، والحوامل، ومرضى ضعف المناعة، فضلاً عن غير المطعمين".
ويؤكد عميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية أن "التطعيم، في حال توفره، يُعد الوسيلة الأنجع للوقاية من المرض، إلى جانب عزل المصابين، وتقليل المخالطة، والالتزام بإجراءات النظافة الشخصية، مثل غسل اليدين، وعدم مشاركة الأدوات، فضلاً عن أهمية التهوية الجيدة، وتخفيف الازدحام، وكلها أمور صعبة التحقق في بيئة قطاع غزة، خصوصاً في مناطق النزوح المكتظة".

Related News
"البُعد الاستراتيجي" وأفكار داود أوغلو مجدّداً
alaraby ALjadeed
38 minutes ago
غدر وخيانة
alaraby ALjadeed
38 minutes ago
خطاب السيادة في تونس على محكّ الاختبار
alaraby ALjadeed
38 minutes ago
أحداث على هامش الحرب... وفي قلبها أيضاً
alaraby ALjadeed
38 minutes ago
هذه الفتنة الرقمية في لبنان
alaraby ALjadeed
38 minutes ago