Arab
في ظل تصاعد حدة التوتر في المنطقة، على الرغم من الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من عدم اليقين، تتشابك فيها المخاطر الجيوسياسية مع الضغوط المالية والتجارية. فتعطّل الملاحة في مضيق هرمز، أعاد إلى الواجهة هشاشة منظومة الإمدادات العالمية، متسبباً في موجة ارتفاع بأسعار النفط والغاز، وانعكاسات مباشرة على التضخم والأسواق المالية، في وقت لم تتعافَ فيه الاقتصادات الكبرى بعد من آثار الأزمات السابقة. وفي هذا السياق، تحذّر التقارير الصادرة عن البنك المركزي الإيطالي والمركزي الأوروبي من تباطؤ اقتصادي محتمل في منطقة اليورو، وسط بيئة تتسم بارتفاع تكاليف الطاقة وتشديد شروط التمويل. وبينما تبدو التداعيات المباشرة للأزمة ملموسة لكن "معتدلة" نسبياً حتى الآن، وفق تقديرات خبراء، فإن استمرار التوتر أو إطالة أمد إغلاق المضيق قد يفاقم الأضرار بسرعة، ويضع الاقتصادات الأوروبية أمام اختبار صعب بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النمو.
تداعيات واسعة
من جهته، قال مدير الأبحاث في معهد برونو ليوني الإيطالي للدراسات الاقتصادية والقانونية والسياسة العامة، كارلو ستانيارو، لـ"العربي الجديد" إن "مآلات الأمور، في ما يتعلق بتداعيات أزمة الخليج، تعتمد بالكلية على مدة استمرار هذه الأزمة الحادة". وتابع ستانيارو بأنه يميل إلى "التمييز في هذا المقام بين ملمحين: التداعيات المباشرة (المرتبطة بإغلاق المضيق) والتداعيات طويلة الأجل (المرتبطة بالوقت اللازم لاستئناف عمل البنى التحتية المتضررة، مثل قطار تسييل الغاز في محطة رأس لفان)". وأوضح أن "التداعيات المباشرة تبدو حتى هذه اللحظة كبيرة لكنها معتدلة: فعلى المستوى الأوروبي، نجد أن البنك المركزي الأوروبي يتوقع تباطؤاً اقتصادياً بنحو 0.3% (0.6% في حال استمرار الهجمات المتبادلة). وفي إيطاليا، من المتوقع أن يكون التأثير مماثلاً تقريباً (تقديرات المركزي الإيطالي تذهب إلى 0.5% في حال استمرار الحرب)".
ورأى أننا بصدد "تباطؤ كبير إذا أخذنا في الاعتبار أن معدلات النمو قبل الأزمة كانت على أية حال منخفضة (بالنسبة إلى إيطاليا، قُدّرت بنسبة 0.7-0.8% لعام 2026)، مع كونها معتدلة من حيث القيمة المطلقة"، مستدركاً بأنه "على الرغم من ذلك، إذا استمر إغلاق المضيق لفترة طويلة (لنقل إلى ما بعد يونيو/ حزيران)، فقد تتفاقم الأضرار بسرعة نظراً لصعوبة استبدال النفط والغاز اللذين يأتيان عادةً من منطقة الخليج". وأضاف الباحث الإيطالي البارز: "أما بالنسبة إلى الخسائر طويلة المدى، فأنا أقل قلقاً لأن الاستثمارات يُخطَّط لها اليوم بالفعل لتعويض الموارد المفقودة، على سبيل المثال من الولايات المتحدة، ولكن انسحاب الإمارات من منظمة أوبك قد يسير أيضاً في هذا الاتجاه".
وتابع: "تداعيات هذه الأزمة بالنسبة إلى إيطاليا تمر حالياً وبشكل أساسي عبر ارتفاع تكاليف الطاقة التي تشهد زيادة أكبر في المحروقات، وعلى وجه الخصوص الديزل، وبدرجة أقل (حتى هذه اللحظة) الغاز والكهرباء"، مشدداً على "ضرورة التحرك، في هذا السياق، لكبح الطلب على الأقل حتى عودة الأوضاع إلى طبيعتها، ولا سيما بالنسبة إلى الديزل، نظراً لأن الطلب عليه مرتبط أساساً بالنقل الخاص والنقل البري، حيث يصعب إيجاد بديل له على المدى القصير، حتى وإن علمتنا التجارب أن مرونة الطلب قد تكون، مع استمرار ارتفاع الأسعار، أكبر من المتوقع".
واستطرد ستانيارو بأنه "بالنسبة إلى الغاز، فإن التدابير الأكثر إلحاحاً تتعلق باستخدامه في توليد الكهرباء: فمع اقتراب فصل الصيف، ستزداد مساهمة مصادر الطاقة المتجددة (وبخاصة الطاقة الشمسية الكهروضوئية) وهذا قد يكون عاملاً مساعداً، حتى وإن كان سيتعين علينا بالتوازي الوصول إلى السعة الكاملة للمخزون تحسباً لفصل الشتاء". وتابع: "على المدى المتوسط، علاوة على الحاجة إلى مواصلة تطوير مصادر الطاقة المتجددة، يبدو لي أن الأداة الرئيسية قد تكمن في استخدام محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم (المتوقفة حالياً) في حالة الطوارئ، الأمر الذي يتطلب وقتًا لإعادة تشغيلها أو للإمداد بالفحم". وختم بقوله: "إذا كانت الحكومة تعتقد أننا سنحتاج إليها (محطات الفحم) بحلول شهري سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول، فعليها أن تتحرك على الفور نحو السماح باستخدامها. ومع ذلك، علينا القول إن استهلاك الغاز يتراجع منذ فترة".
الحرب كشفت هشاشة الاقتصاد
وفي السياق، ذكر البنك المركزي الإيطالي في نشرته الاقتصادية الثانية الصادرة حديثاً أن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فاقم حالة الهشاشة التي يشهدها الاقتصاد العالمي أصلاً نتيجة التوترات الجيوسياسية والتجارية المستمرة. وأوضح التقرير أن تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد ممراً حيوياً لإمدادات النفط والغاز عالمياً، أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة، وسط مخاوف متزايدة بشأن استمرارية الإمدادات في الفترة المقبلة. وقد بدأت آثار ذلك تظهر بالفعل على معدلات التضخم في كل من أوروبا والولايات المتحدة منذ شهر مارس/ آذار.
وأشار إلى أن هذه التطورات انعكست سريعاً على الأسواق المالية، حيث ارتفعت عوائد السندات السيادية واتسعت فروق المخاطر، فيما تراجعت أسواق الأسهم، مقابل تحسن أداء الدولار أمام العملات الرئيسية، في ظل توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة.
وأضاف التقرير أن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة، رغم إعلان هدنة مؤقتة في 8 إبريل/ نيسان، التي أدت إلى تراجع محدود في أسعار النفط والغاز، قبل أن تعود إلى الارتفاع مجدداً نتيجة الشكوك في استدامة التهدئة وإمكانية استئناف حركة الملاحة بشكل كامل في مضيق هرمز. ولفت إلى أن المخاطر لا تقتصر على الطاقة، بل تمتد إلى الأسواق المالية العالمية، حيث تزداد احتمالات حدوث تصحيحات، خصوصاً مع تراجع التوقعات بشأن أرباح قطاع التكنولوجيا. كذلك إن ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري، إلى جانب احتمال تعطل سلاسل الإمداد لفترة أطول، يجعل من الصعب عودة أسعار الطاقة إلى مستويات ما قبل الأزمة في وقت قريب. وعلى صعيد الاقتصاد العالمي، أشار التقرير إلى أن النمو مرشح للتباطؤ، حيث توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ معدل النمو العالمي نحو 3.1% في عام 2026، مع احتمال تراجعه إلى قرابة 2% في حال تفاقم الأزمة. كذلك يُتوقع أن تشهد التجارة العالمية مزيداً من التباطؤ بعد انكماشها في الربع الأخير.
نمو ضعيف
أما في منطقة اليورو، فقد سجل النشاط الاقتصادي تباطؤاً ملحوظاً منذ نهاية 2025، وتزايدت الضغوط مع اندلاع الأزمة. ووفق تقديرات المركزي الأوروبي، قد ينمو اقتصاد المنطقة بنسبة 0.9% في 2026، مع مراجعات سلبية مقارنة بالتوقعات السابقة. وفي المقابل، يُتوقع أن يرتفع التضخم إلى 2.6%، مع احتمال تجاوزه 4% في حال استمرار الضغوط. وأشار التقرير إلى أن البنك المركزي الأوروبي أبقى أسعار الفائدة من دون تغيير، مع مراقبة تطورات الأزمة وتأثيرها في التضخم، في وقت استقرت فيه تكلفة الاقتراض نسبياً، رغم وجود ضغوط صعودية محتملة نتيجة ارتفاع أسعار السوق.
وفي ما يتعلق بإيطاليا، أوضحت النشرة أن الاقتصاد واصل النمو بوتيرة محدودة، مدعوماً بقطاع البناء، فيما تباطأ الاستهلاك نتيجة تراجع ثقة الأسر. ومن المتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنحو 0.5% خلال العامين، الجاري والمقبل، مع مخاطر هبوطية مرتبطة بتطورات الأزمة.
كذلك حذرت من أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي إلى تدهور الميزان التجاري للطاقة، في ظل زيادة كلفة الواردات. ورغم تحسن سوق العمل وانخفاض البطالة، فإن المشاركة في القوى العاملة تراجعت، بينما بقي نمو الأجور محدوداً. وفي ما يتعلق بالتضخم، أشار التقرير إلى أنه ظل دون متوسط منطقة اليورو في بداية العام، لكنه مرشح للارتفاع خلال الأشهر المقبلة نتيجة زيادة أسعار الوقود. ومن المتوقع أن يصل إلى 2.6% في 2026، مع سيناريوهات أكثر سلبية قد تدفعه إلى 4.5%. وأضافت النشرة أن ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق بعد اندلاع الحرب قد يؤدي إلى تشديد شروط التمويل، ما ينعكس سلباً على الطلب على القروض والاستثمار. وأخيراً لفت التقرير إلى أن الحكومة الإيطالية اتخذت خلال شهري مارس وإبريل إجراءات مؤقتة لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، في محاولة للحد من تأثيرها على الأسر والشركات، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بقدر غير مسبوق من عدم اليقين.

Related News
"البُعد الاستراتيجي" وأفكار داود أوغلو مجدّداً
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
غدر وخيانة
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
خطاب السيادة في تونس على محكّ الاختبار
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
أحداث على هامش الحرب... وفي قلبها أيضاً
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
هذه الفتنة الرقمية في لبنان
alaraby ALjadeed
25 minutes ago