Arab
لم يكن قدر الأمير علي خان، ابن الآغا خان الثالث محمد شاه الحسيني، إمام طائفة المسلمين الإسماعيليين والمولود عام 1911، أن ينتهي به المطاف حيث مات، بل حيث أراد.
من حادث سير في أوروبا عام 1960، إلى مقبرة الإسماعيليين في مدينة سلمية بعد أكثر من عقد، تمتدّ حكاية رجلٍ كان الأقرب إلى الإمامة لكنه لم يصبح إماماً.
في سلمية، لا يستقبلك ضريحٌ مهيب، بل قبر بسيط في مقبرة قديمة. غير أن بساطته تخفي ثقلاً رمزياً كبيراً. فهذه المدينة واحدة من أهم المحطات في التاريخ الإسماعيلي. منذ القرن الثالث الهجري، كانت سلمية مركزاً للدعوة الإسماعيلية السرّية، ومنها انطلقت الحركة التي ستؤدي لاحقاً إلى قيام الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا. في هذه الجغرافية تحديداً، صاغت الدعوة مفاهيمها الأولى وبنت شبكاتها ورسّخت حضورها. لذلك، فإن دفن ابن الإمام 48 فيها ليس تفصيلاً جغرافياً، بل عودة إلى الأصل.
لكن الطريق إلى هذا القبر لم يكن مباشراً. بعد وفاة علي خان بحادث سيارة، دُفن في سويسرا، رغم أن وصيته كانت أن يُدفن في سلمية. طُرح نقل رفاته منذ سنوات، غير أن السلطات السورية رفضت ذلك. روى القيادي البعثي السابق مصطفى رستم في مقابلته معي على التلفزيون العربي أن الطلب كان قائماً منذ انقلاب 1963، لكن القيادة البعثية لم توافق عليه. ظل الجثمان في أوروبا حتى تغيّرت المعادلة السياسية مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، فتمت الموافقة، ونُقل الرفات إلى سلمية، حيث دُفن عام 1971.
ينتمي الآغا خان الثالث إلى السلالة الفاطمية، ويرجع نسبه إلى النبي محمد. وكان جده المباشر الآغا خان الأول حاكماً على كرمان ومقرباً من الشاه فتح علي شاه القاجاري
غير أن قصة علي خان لا تبدأ عند قبره، بل في سيرة والده، الآغا خان الثالث، كما يرويها الأخير في مذكراته الصادرة بالعربية بترجمة سيف الدين القصير عن دار المدى عام 2006، وقد كتب مقدمتها الكاتب البريطاني سومرست موم.
في تلك المذكرات، يقدّم الإمام 48 للإسماعيليين سيرة تمتد من توليه الإمامة طفلاً في الثامنة، إلى حضوره السياسي في الهند وبريطانيا، وصولاً إلى لحظة انفصال باكستان عن الهند، وترؤسه عصبة الأمم بين عامي 1937 و1938. كما يتحدث عن أتباعه في العالم، ويسرد اهتماماته الشخصية، من سباقات الخيل إلى رياضة الغولف، ويضيء جوانب من حياته الخاصة وثروته الضخمة. ورغم تلك الثروة، يرفض تضخيمها، قائلاً: "لقد كتب الكثير من السخف حول ثروتي الشخصية. إن في الولايات المتحدة مئات من الناس تفوق ثروتهم ثروتي".
في 1945، حالت ظروف ما بعد الحرب دون الاحتفال بيوبيله الستيني، فاقتصر الأمر على احتفالين في 1946: الأول في بومباي حيث جرى وزنه بالألماس، والثاني في دار السلام باستخدام الألماس نفسه. ورغم ذلك، قدم له أتباعه مبلغاً يعادل قيمة الألماس، وقد خصّصه للأعمال الخيرية للإسماعيليين في الهند. وكان قد احتفل سابقاً عام 1935 بيوبيله الفضي بوزنه ذهباً، في طقس تقليدي يعكس مكانته داخل الجماعة.
ومن الأفكار اللافتة التي يذكرها، اقتراحه على الحكومة الهندية تخصيص إقليم للإسماعيليين على غرار الفاتيكان، لكن الطلب قوبل بالرفض، في إشارة إلى طموح سياسي يتجاوز الدور الروحي.
ينتمي الآغا خان الثالث إلى السلالة الفاطمية، ويرجع نسبه إلى النبي محمد. وكان جده المباشر الآغا خان الأول حاكماً على كرمان ومقرباً من الشاه فتح علي شاه القاجاري، قبل أن يختلف معه ويغادر إيران ليلجأ أولاً إلى أفغانستان ويتعاون مع الإنكليز ثم يستقر في بومباي الهندية. أما والده الآغا خان الثاني، فقد تولى الإمامة فترة قصيرة ودُفن في النجف.
في رؤيته الدينية، يقدّم نفسه إماماً روحياً للإسماعيليين، لكنه يطلب من أتباعه أن يكون ولاؤهم الزمني للدول التي يعيشون فيها، وأن يكونوا "مواطنين صالحين ومخلصين ومتكيفين مع أماكن حياتهم وبالوقت نفسه ملتزمين بتعاليم الإسلام وأخلاقه". كما يشير إلى أنه ألغى الحجاب للنساء داخل الجماعة.
وعلى المستوى العالمي، نسج شبكة علاقات واسعة مع قادة وزعماء، من محمد علي جناح إلى المهاتما غاندي، مروراً بالسلطان عبد الحميد الثاني وونستون تشرشل وأدولف هتلر، وملوك مصر وبريطانيا، فضلاً عن صداقته مع تشارلي شابلن الذي وصفه بـ"ثائر على المجتمع الحديث وسط القوة المادية الطاغية". أما عن نشاطه في السياسة الهندية، فيركز على الجهود التي بذلها لجمع كلمة المسلمين الهنود عبر تأسيس الرابطة الإسلامية التي ترأسها.
تفيد روايات محلية في سلمية بأن بعض أبناء المدينة لم يكونوا راضين في البداية عن تجاوز علي في الإمامة، لكن هذا الشعور لم يتحول إلى انقسام
ويشيد بقيادة محمد علي جناح ودوره في تأسيس دولة باكستان رغم إشارته إلى أن جناح كان من المتحمسين في البداية لعدم الانفصال عن الهند ومؤمناً بالوحدة الهندية، لكن تعنت قيادات حزب المؤتمر من الهندوس وتزمتهم جعلاه ينتقل إلى صف الآغا خان والإيمان بوجود أمتين في الهند لا أمة واحدة.
وسط هذا المشهد الواسع، تأتي مسألة اختيار الإمام القادم بوصفها أكثر اللحظات حساسية. كان للآغا خان الثالث ابنان: علي وصدر الدين. وكان المتوقع أن يخلفه علي، إلا أن الوصية جاءت مغايرة: "منذ عهد جدّي علي، الإمام الأول، وعلى مدى يزيد عن ألف وثلاثمئة عام، جرى تقليد عائلتنا على أن يختار كل إمام خليفته. ونظراً إلى الظروف المتغيّرة في العالم في السنوات الأخيرة، بما في ذلك اكتشافات العلوم الذرية، فأنا مقتنع بأن من مصلحة الجماعة الإسماعيلية الشيعية أن يخلفني شاب نشأ وتكوّن في ظل السنوات الأخيرة وفي قلب العصر الجديد.. أُعيّن حفيدي كريم، ابن ابني علي سليمان خان، ليخلفني إماماً".
ويصف الآغا خان الثالث ابنه علي في مذكراته بما يلي: "شخص طيب القلب مغرم باللهو ويحب أن يكون دائماً محاطاً بالأصدقاء يغدق عليهم من كرمه ويخصهم بعنايته إلى أقصى الحدود".
بهذا القرار، انتقلت الإمامة إلى الآغا خان الرابع الإمام كريم، في لحظة عبّرت عن انتقال من منطق الوراثة المباشرة إلى منطق التكيّف مع العصر. أما علي خان، فقد عاش حياة مختلفة: تزوّج أكثر من مرّة، ومن أشهر زيجاته ارتباطه بالممثلة ريتا هايورث التي أنجب منها ابنته ياسمين قبل أن ينفصلا. كما رافق الجيش الفرنسي في سورية خلال الحرب العالمية الثانية، ومثّل باكستان في الأمم المتحدة.
تفيد روايات محلية في سلمية بأن بعض أبناء المدينة لم يكونوا راضين في البداية عن تجاوز علي في الإمامة، لكن هذا الشعور لم يتحول إلى انقسام. بل إن علي نفسه دعا إلى عدم الاعتراض احتراماً لوصية والده، ولأن الإمام الجديد هو ابنه.
هكذا، لا يبدو قبر علي خان في السلمية مجرد نهاية لسيرة شخصية، بل نقطة التقاء بين تاريخ طويل للدعوة الإسماعيلية، بدأ في هذه المدينة نفسها قبل قرون، وتحوّل حديث في مفهوم الإمامة الإسماعيلية.
تحتاج علاقة الإسماعيليين السوريين بأسرة وإمامة الآغا خانية لمقال مستقل حيث فيها تفاصيل وتعقيدات كثيرة إلا أن الآغا خان الثالث يمتدح اتباعه في سورية حيث يذكر: "كانوا يأتون من سورية إلى الهند بانتظام، غير أن أفردا من عائلتي يذهبون الآن إلى سورية أو أن اتباعي من السوريين يأتون لزيارتي في مصر. ومنذ مدة قصيرة ذهبت إلي دمشق حيث توافد عدد عظيم من اتباعي ليقدموا احتراماتهم".
بعد هذه السيرة الغنية للآغا خان محمد شاه، ليس غريبا أن يكتب في ختام مذكراته: "إن السأم لم يتسرب إلى نفسي لحظة واحدة. كل يوم كان من القصر، وكل ساعة من السرعة، وكل دقيقة مليئة بالحياة التي أحب، حتى إن الزمن طار بأكثر مما ينبغي من الرشاقة".

Related News
"البُعد الاستراتيجي" وأفكار داود أوغلو مجدّداً
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
غدر وخيانة
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
خطاب السيادة في تونس على محكّ الاختبار
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
أحداث على هامش الحرب... وفي قلبها أيضاً
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
هذه الفتنة الرقمية في لبنان
alaraby ALjadeed
25 minutes ago