عربي
تحاول مدينة صور في جنوب لبنان استعادة بعض عافيتها، بعد الدمار الواسع الذي لحقها جراء الاعتداءات الإسرائيلية، وكان أشدّها قبيل دقائقٍ من سريان الهدنة في منتصف ليل 16 - 17 إبريل/ نيسان الماضي، محاولةً استغلال "الهدوء الحذر"، في ظلّ مخاوف مستمرّة من تجدّد الحرب.
ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، سارع أصحاب المحال التجارية غير المتضرّرة إلى فتح أبوابها، بينما بدأ آخرون عمليات مسح الأضرار والصيانة لمحالهم، فيما فضّل بعض آخر التريّث في إصلاح متاجرهم أو فتح مؤسساتهم السياحية، باعتبار أن الهدنة لا تزال هشّة، والاعتداءات الإسرائيلية متواصلة يومياً في الجنوب، والأجواء السياسية في البلاد غير مشجّعة ولا تشير إلى قرب الحل الدبلوماسي.
تجولت "العربي الجديد" في مدينة صور، وكانت الشوارع شبه فارغة، والحركة معطلة بشكل كبير في الأسواق، والعديد من المؤسسات والمحلات والمطاعم متضرّرة بفعل الاعتداءات الإسرائيلية. بعض المواطنين من سكان المدينة قصدوا الشاطئ لممارسة رياضة المشي، وتنشق الهواء ومحاولة الحصول على جرعة طاقة، بخاصة بعدما عجزوا عن مغادرة منازلهم في فترة الحرب.
أمام مبنى مطعمه المتضرّر، يتأمل حسين حجم الخسائر المادية، هو الذي بات "خبيراً" في تقدير تكاليف عمليات الإصلاح، فهذه ليست المرّة الأولى التي تطاول فيها الاعتداءات الإسرائيلية "رزقه"، مع ذلك، يصرّ على مباشرة رفع الركام وإعادة الترميم: "من هذه المؤسسة يعتاش العديد من الموظفين"، وفق تعبيره.
يقول حسين إن مطعمه تضرّر بالغارات الإسرائيلية التي ضربت مدينة صور قبل نحو أربع دقائق من بدء سريان الهدنة، والتي أدت إلى تدمير ستة مبانٍ دفعة واحدة، مشيراً إلى أن الأضرار كبيرة جداً، مع ذلك هو يريد بدء الورشة سريعاً لفتح أبوابه بأقرب وقتٍ ممكنٍ، رغم أن الوضع لا يزال غير مستقرّ، لكن لا يمكن الانتظار كثيراً، فهناك عائلات تعتاش من هذا المطعم، كما أنه يعتمد عليه مالياً.
ويلفت حسين إلى أن مطعمه الذي افتتحه في التسعينيات، تضرّر مرات عدة بفعل الحروب الإسرائيلية، ومنها حرب عام 2024، وما لبث أن حاول العودة إلى الحياة، حتى تجدّد العدوان في الثاني من مارس/ آذار الماضي، مشيراً إلى أنه "اعتدنا الحروب، واعتدنا على الصمود والوقوف من جديد، وهذا ما سنفعله اليوم، سنعود أقوى ممّا كنّا عليه".
وفي حارة المسيحيين، يجلس صاحب أحد المقاهي المطلّة على البحر وحيداً في صالة كانت في مثل هذا الموسم تعجّ بالروّاد، هو المعروف "بلقمته الطيبة" ويقصده الناس من جميع المناطق لتناول السمك الطازج الذي يقدّمه، ويقول لـ"العربي الجديد": "الحمد لله، لا أضرار أصابت المكان، لكن الحرب أثّرت كثيراً علينا، فلا سيّاح ولا روّاد، نحاول فتح أبوابنا علّه يأتي إلينا أي زبون، لكن للأسف، الوضع سيئ جداً، فنحن نشتري المواد الغذائية والبضائع، ولدينا موظفين، وتكاليف تشغيلية، ولكن لا أرباح ولا مكاسب تذكر، الأمر الذي يهدّد بقاءنا".
ويشير إلى أن "المدينة المعروفة بسيّدة البحار، تعوّل كثيراً على موسم الصيف، فهي تشتهر بطقسها الجميل، وشاطئها الرملي النظيف، وسوقها الشعبي القديم، وحاراتها الضيقة، وتجارتها البحرية، وصناعاتها اليدوية، كما آثارها الرومانية والفينيقية المدرجة على لائحة التراث العالمي، والمرافئ، والمحميّات، وغيرها من المزايا التي تجعلها مكاناً يقصده اللبنانيون من مختلف المناطق، وكذلك السيّاح العرب والأجانب، ولكنها تشهد منذ حرب أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى اليوم شبه انعدام للحركة، الأمر الذي أثر كثيراً على أصحاب المصالح والمؤسسات، منهم من أقفل أبوابه نهائياً، والبعض الآخر يحاول الصمود قدر الإمكان، ويعوّل على سكان المدينة، ولكن هؤلاء هم أساساً يعيشون ضائقة اقتصادية كبيرة وأعمالهم تعطّلت بدورها".
ويلفت صاحب المطعم إلى أن "الترقّب سيد المشهد حالياً، عادة في مثل هذا الموسم، تبدأ المؤسسات السياحية بالترويج لنفسها، وتكثيف نشاطها، كما تبدأ الاستراحات بالتجهيز للعودة، خاصة الخيم على الشاطئ، التي تعوّل كثيراً على الصيف لتحقيق بعض الأرباح، لكن حتى الساعة لم يباشر أحد بشكل جدّي أي نشاط، ونأمل أن تهدأ الأوضاع قريباً وأن يتم تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل ونهائي، ويطاول كذلك الجنوب، الذي للأسف لا يزال الاحتلال يدمّر قراه ومنازله وأحياءه"، مشدداً على أنه "بمجرد عودة الاستقرار الأمني، فإن صور يمكن أن تستعيد عافيتها بسرعة".
من جهته، يقول صاحب محلّ ملابس لـ"العربي الجديد": "فتحتا أبوابنا، وعلّقنا الملابس، ونعرض البضائع، لكن ليس هناك من يشتري، فقط بعض الناس يتفرجون من بعيد، أو يسألون عن الأسعار ثم يغادرون، رغم التخفيضات التي لجأنا إليها في محاولة لبيع البضاعة، وإن بخسارة"، لافتاً إلى أن الحركة "شبه معدومة، فوضع الناس سيئ جداً، والعديد من سكان المدينة لم يعودوا بعد اليها، هناك بعض النازحين، وهؤلاء وضعهم كارثي، وبالتالي، لا حركة أبداً".
في هذا الإطار، يقول نائب رئيس جمعية تجار صور حسن ضاهر لـ"العربي الجديد"، إن واقع المدينة بعد وقف إطلاق النار الهشّ بحالة ترقّب وركود، والحركة التجارية والسياحية معطلة تقريباً.
ويشير ضاهر إلى أن "مدينة صور لا تزال تعيش حالة حرب، وإن لم تُستَهدف اليوم مباشرة، إذ إنّ قضاءها (البلدات التابعة لها) يتعرّض لاعتداءات إسرائيلية يومية، عبر الغارات والقصف المدفعي، ومن بين البلدات والأحياء المتضررة: القليلة، والحوش، والبرج الشمالي، وهذه تقع على بعد كيلومترات قليلة جداً من مدينة صور، ويُسمع صوت القصف كأنه داخل المدينة، هذا عدا عن أصوات الطيران المتواصل، والغارات التي تستهدف قضاء مرجعيون ويصل دوّيها وصداها إلى مدينة صور، إلى جانب إنذارات الإخلاء ومنع العودة والعبور إلى أكثر من 50 قرية حدودية في الجنوب، وهو نشاط مستمر رغم الهدنة، ويؤثر حتماً على وضع مدينة صور".
ويلفت ضاهر إلى أن "الاعتداءات الإسرائيلية لا تقتصر على جنوب نهر الليطاني بل تطاول أيضاً شماله"، ويشير إلى أن النطاق التجاري لمدينة صور كلّه معطل، وهذا يشمل مناطق كانت عامرة وناشطة جداً، سواء في البرج الشمالي، أو ودوار البص، والمعشوق، ومفترق العباسية، والمساكن الشعبية، والشبريحا، وغيرها.
ووفق نائب رئيس جمعية تجار صور فإن بعض المتاجر التي لم تتضرّر فتحت أبوابها، وكذلك بعض الاستراحات، بخاصة المقاهي الصغيرة التي تبيع الشطائر، أما المطاعم الكبيرة فلم تفتح حتى اليوم. ويختم ضاهر بالإشارة إلى أن الاضرار والخسائر كبيرة جداً، فهناك الأضرار المباشرة التي لحقت بأكثر من خمسين متجراً، بخسائر لا تقل عن 100 ألف دولار، وهناك الخسائر المرتبطة بالبضائع التي تلفت.

أخبار ذات صلة.
هل أصبحت تركيا عدوّاً لإسرائيل؟
العربي الجديد
منذ 7 دقائق
الرأي العام المستعار
العربي الجديد
منذ 8 دقائق
هل ثمّة حراك مدني سوري؟
العربي الجديد
منذ 8 دقائق
أزمنة الحرب
العربي الجديد
منذ 8 دقائق