عربي
تشهد سورية اختلافاً واضحاً في معنى الحرّية بين أبنائها؛ فبينما يتهيّأ بعضهم لقطف ثمارها، يعمل آخرون على تسميمها قبل أن يبلغ أوان حصادها. وفي ظلّ هذا الصراع اليومي، يحاول مجتمع مدني متناثر يتكوّن من بقايا ليبراليين، وصامتين، وبعض المعارضين القدامى، ونسبة خجولة ممَّن امتلكوا يوماً خطّاً سياسياً ثورياً بعيداً عن الخطاب الذي تنتهجه اليوم وجوه القوّة الحاكمة في هيئة تحرير الشام، أن يستثمر هذه الفرصة التاريخية للمشاركة، ولو عبر الشارع، في رسم ملامح المناخ السياسي للبلاد. يحدث هذا في وقت تنشغل فيه الحكومة المؤقتة، برئاسة أحمد الشرع، بالتفكير في كيفية جذب الاستثمارات إلى البلاد، وتقديم سورية معبراً لخطوط الطاقة من الخليج إلى العالم، في ظلّ توتّرات مضيق هرمز، فيما يعاني العقل السوري تخبّطاً واضحاً أمام تعقيدات المشهدَين الدولي والمحلّي. ويبدو الخارج أولوية لدى الشرع، بينما يغالب الداخل وطأة تحدّيات أمنية واقتصادية، في بعضها ما يكبّل الحرّيات، وفي بعضها ما يصرف الانتباه إلى قضايا من نوع استعادة الأوقاف العثمانية بعد سقوط نظام الأسد.
تسعى سورية إلى شكل حكم جديد لم يتّفق السوريون بعدُ على ملامحه، لكنّ هذا السعي يجري فوق أرض سياسية غير مستقرّة تتراكم فيها الأسئلة أكثر ممّا يتبلور فيها وضوح الاتجاه. ولم ينضج مجلس الشعب بعد، رغم تعيين ممثّلين عن المحافظات، بغضّ النظر عن الطريقة التي جرت بها "الانتخابات"، إذ بدا أنّ كلّ شيء أُنجز على عجل لكي تبقى مؤسّسات الدولة قائمة. وفي ظلّ هذا الاستعجال، رسّخت شخصيات هيئة تحرير الشام سيطرتها على مفاصل البلاد كلّها، من المعابر الحدودية إلى الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والشؤون السياسية الداخلية والخارجية. ولسنا هنا في وارد إنكار أنّ هذا الجسم السياسي الإسلامي وصل إلى الحكم في سياق صنعته الثورة السورية، وتضحيات مدنية وعسكرية قدّمها أشخاص من "تحرير الشام" ومن خارجها. غير أنّ غياب التشاركية بدا عاملاً كافياً لدفع حتى بعض رجال الأعمال النافذين في سنوات الثورة السورية إلى الخروج إلى العلن، وكشف العقبات التي اعترضتهم خلال محاولتهم الانخراط في العمل الاقتصادي، ضمن إطار تشاركي في ظلّ الحكومة الانتقالية.
يسعى السوريون إلى شكل جديد للحكم، فوق أرض سياسية غير مستقرّة، لم يتفقوا على ملامحه بعد
من ناحية أخرى، تجسّد عملياً تصادم اتجاهات الفهم السوري للحرية في وضح النهار وسط دمشق، خلال اعتصام وقف فيه عددٌ ممَّن نعرفهم من المعارضين، إلى جانب أشخاصٍ متنوّعي الانتماءات والمواقف من الثورة السورية ومن السياسة عموماً. وقد طوّقهم الأمن العام السوري في مشهد لم تعهده البلاد من قبل. ورغم هذا، وقعت مناوشات، واشتباكات بالأيدي، كانت جميع أطرافها من السوريين. وبرزت لغة التشبيح والإقصاء أكثر من قوّة الشمس والكاميرات التي وثّقت ما حدث من صدامات وتحريض وتخوين متبادل بين الأطراف. وكشف المشهد قدراً كبيراً من اللاجدوى الثورية. كنّا نظنّ أنّنا أمام حراك مدني سوري يحميه الأمن العام، وهذا ما حدث، لكنّ النصف الآخر من الخبر تمثّل في أنّ أنصاراً للسلطة، وكاميرات طائرات مسيّرة، وثّقت وجوه المعتصمين من دون استئذان، فيما كان هناك شارع مضادّ للاعتصام يحاول بالوسائل كلّها ترهيب الواقفين خلف الجدار البشري من عناصر الحماية (الحكوميين) للاعتصام بعد حصوله على الموافقة. أي إنّ الوجوه معروفة للدولة، وثمّة من يقود حراكاً في الشارع وله مطالب محقّة، فإذاً ما شأن الشارع المضادّ الذي أذهلنا بعنفه وتشبيحه، وأعاد إلينا صورة شيطنة المعارضة التي تفنّن نظام الأسد في ترسيخها في المخيّلة؟
أيّ تراخٍ أو تبريرٍ للعنف الذي شهدناه أخيراً في ساحة المحافظة وسط دمشق، يشكّل تراكماً قد يهدّد المناخ السلمي للاحتجاج المدني. ومهما يكن تاريخ المحتجّين، أو موقف من لم ترق لهم سياسات السلطة التي اعتبرت أنّ الثورة انتهت، وأنّ الوقت قد حان للبناء، فمن الضروري التأكيد أنّ الثورة حرّرت السوريين جميعاً، وأنّ على الحكومة الانتقالية أن تعمل ليلاً ونهاراً من أجل الحفاظ على الجميع، ولكن حين نسمع عن اختلافات في المعاملة والرواتب داخل مؤسّسات الدولة، وعن تمايز بين الأفراد، وضغوط معيشية كبيرة في بلد يُصنَّف أكثر من ثلاثة أرباع سكّانه تحت خطّ الفقر، يصبح من الطبيعي أن ينزل الناس إلى الشارع في غياب من يمثّلهم سياسياً، وأن يشاركوا على طريقتهم في رسم سياسات الدولة ومحاولة تحسينها بما يناسب الجميع، غير أنّ تعرّض هؤلاء للضغط يعيد إلى الذهن صوراً من العنف والتهديم الداخلي والانقسام الدموي المتصاعد.
أيُّ تراخٍ أو تبريرٍ للعنف يشكّل تراكماً يهدّد المناخ السلمي للاحتجاج المدني
هذا المناخ لا يحتمل العنف، ويجب على حكومة دمشق أن تؤكّد ذلك عبر خطابها الإعلامي، وعبر العاملين معها في الظلّ، ومن خلال الإعلام الموازي، ويجب ألّا تنزلق الحالة المدنية من الصراع السياسي إلى العنف، مهما كانت درجته أو منطقه أو مبرّره، لأنّ ذلك يعني اغتيال الحلم الثوري بالحياة السياسية، وبالتنافس في تقديم البرامج والأفكار، لكي تكون سورية حرّة حقّاً، لا بلداً مخصّصاً لفئات بعينها. ويتفهّم كاتب هذه السطور الحنق الذي يصدر من بعضهم عبر حملات التشهير والتحريض، بخصوص الوجوه التي ظهرت في ذلك الاعتصام، ولكن ذلك مدان ومرفوض. فالتجارب القاسية لا تغادر النفوس بسهولة، ومن عاش زمناً طويلاً تحت الخوف والعنف قد لا يرى في الشارع وعداً بالحرية بقدر ما يرى فيه احتمالاً لعودة التهديد، بحسب مراجعات متقاطعة في علم النفس، لكن هذا لا يفيد أحداً في مناخ ينقسم فيه السوريون كلّ مرّة عند حافّة دموية. فالحدث، من حيث وجود شارع مضادّ لشارع آخر، سبق أن تكرّر في دمشق، وتحديداً أمام مبنى مجلس الشعب، حين رفع عدد من السوريين شعار "دم السوري على السوري حرام"، رفضاً لما جرى من مجازر في السويداء العام الماضي. يومها، هاجم تلك الوقفة الإنسانية الصامتة عددٌ من الأشخاص الذين حملوا العصي، ومارسوا السُّباب والتشبيح، واعتدوا على الحاضرين، وكان من أبرز من تعرّضوا للاعتداء ناشطة وباحثة معروفة، تعمل أصلاً مع الدولة في الهيئة الوطنية للمفقودين التي شكّلها الرئيس أحمد الشرع. وقد جرى توثيق ذلك كلّه أمام الكاميرات، ثم لم تحرّك الحكومة ساكناً بحقّ هؤلاء المهاجمين.
ولّد الصمت شعوراً بالخوف من بطش من سُمّوا "مجهولين". وأيُّ مجهولين في فوضى دمشق، بينما تعرف الحكومة الانتقالية جيّداً من فيها، بعدما أمسكت بمفاصل البلاد؟ "المخرّبون" و"الخارجون عن القانون"، تسميات تُلصق اليوم بتحرّكات عنيفة تهدّد السلم الأهلي، ويسود، في المقابل، شعور عامّ بأنّ هؤلاء ليسوا سوى شمّاعة لهشاشة الوضع الأمني. وهذا الشعور نابع من اعتياد الناس على عدم الثقة في الحكومة، أيّ حكومة، ولا حتى في إعلامها. وذلك يحتاج إلى عمل وشفافية وأفعال تُظهر أنّ السلطة نفسها تحت مبضع النقد، وأنّ الأولوية هي أن يحكم الشعبُ الشعبَ، لا أن يحكم الخوفُ الشعبَ. ومهما تكن صيغ الوقفات والاحتجاجات والاحتفالات والمسيرات وشعاراتها، وغيرها من المسمّيات المدنية السلمية لتحرّك المواطنين في الشارع، فهي أفضل ألفَ مرّة من حمل السوري السلاح مجدّداً ضد سوري آخر، فلا تكون اللغة سوى الدم، ولا تكون النتيجة سوى خسارة تتجدّد.

أخبار ذات صلة.
غلاء الوقود يعيد ترتيب حياة البريطانيين
العربي الجديد
منذ 25 دقيقة
في الأدب الشعبي
العربي الجديد
منذ 47 دقيقة