عربي
تنكشف، في أزمنة الحرب، الحضارة من موضعها الأشدّ حساسيةً: المدن، والشرائع، والوعود الكبرى عن التقدّم، وفكرة الإنسان عن نفسه... جميعها تقف دفعةً واحدةً أمام سؤال قديم يتجدّد مع كلّ دورة عنف: أيُّ أثر تركته القرون في الكائن البشري؟ سؤال كهذا يفتح التاريخ من داخله، ويستدعي صوراً بعيدةً وقريبةً في آن: إمبراطوريات مرّت، وعواصم اندثرت ثمّ عادت بروح مغايرة، ومقابر مفتوحة حفرت في الذاكرة مجرى ممتدّاً من الألم، وأجيال ورثت من سابقتها حكايات الركام أكثر ممّا ورثت رصيد المعرفة. عند هذه العتبة، يغدو الحديث عن الحرب حديثاً عن معنى العمران نفسه، وعن المسافة بين ما شيّده الإنسان في العالم وما هذّبه في نفسه. وما شهدته منطقة الشرق الأوسط يمنح هذا السؤال مادّته الراهنة. التصعيد المتّسع منذ أواخر فبراير/ شباط الماضي تجاوز موضع النار المباشر، وامتدّ إلى الممرّات البحرية، والطاقة، وكلفة النقل والتأمين، وعطّل العمل في مرفق بحري حيوي، ودفع أسعار النفط إلى قفزات حادّة. هكذا خرجت الحرب من حدود الجبهة وصارت تمسّ شروط العيش والإمداد والانتظار، في رقعة كاملة.
في هذا المشهد يظهر التناقض الحضاري بأوضح صورة. العالم المعاصر أتقن هندسة التدفّق: البحر يصل الميناء، والميناء يصل السوق، والسوق يصل البيت. ثم يأتي اختناق واحد في عقدة حسّاسة، فيتسرّب الاضطراب إلى السلسلة كلّها. هنا تبدو الحضارة شديدة البراعة في إحكام السطح، متعثّرةً في تهذيب الجوهر. تنمو التقنية بسرعة، أمّا الضمير فيسير بخطى أبطأ، ويترك القوّة حرّةً في توسيع أثرها ساعة تجد الفرصة المناسبة. من هذه الزاوية، تبدو الحرب أكثر من انفجار سياسي؛ تبدو امتحاناً متكرّراً لما إذا ما كانت الخبرة البشرية قد صاغت وعياً يليق بهذا الرصيد الهائل من ذاكرة التعمير، أم أنّها راكمت، فوق أرض متعبة، طبقات جديدة من التنظيم الهشّ فوق القابلية للهدم نفسها.
يجيء معجم الحرب ليضيف إلى الصورة طبقة أخرى من التعقيد. الكلمات المتداولة في المجال العام مصقولة، منضبطة، موحية بالعقل والإجراء: حماية، وتأمين، واستقرار، وإدارة تصعيد، وأمن عبور. بهذا القاموس تكتسب القوّة هيئةً تنظيميةً، وتدخل الفداحة إلى الوعي العام عبر صياغة تهدّئ وقعها، وتُحوّل الخسارة الواسعة إلى ملفّ يُدار. أثر هذا المعجم عميق، لأنّه يبدّل موضع الخراب في الإدراك، وينقله من مقام الجرح المفتوح إلى مقام الإجراء المحسوب. الحضارة، في هذا الموضع، تكشف وجهاً مقلقاً من وجوهها: قدرة عالية على تهذيب ألفاظ العنف، وعلى صياغة القسوة في عبارات متماسكة، وعلى منح القوّة إيقاعاً بارداً يكاد يخفي فداحتها.
أيُّ معنى يبقى للعمران إذا ظلّ الخراب كامناً في مركز الرؤية الإنسانية، يستيقظ كلّما ضاقت السياسة واتّسع بطش القوة؟
من هنا، يتغيّر معنى السيادة أيضاً. السيادة، في صورتها الكلاسيكية، أحالت طويلاً على داخل منظَّم، وعلى حدود تضبط المجال وإلى إيقاع عام تحرسه الدولة ومؤسّساتها. أمّا في اللحظة الراهنة، فقد دخل البحر في تعريف الداخل، ودخلت الطاقة والممرّات وسلاسل الإمداد وكلفة التأمين وقدرة السوق على الاحتمال. الحصانة تتوزّع على درجات، والاستقرار يغدو مهلةً مشروطةً، والقدرة على امتصاص الصدمة تتحوّل إلى جزء من تعريف القوّة نفسها. بهذه الصورة، يكشف زمن الحرب أنّ المجال السياسي أوسع من خرائطه، وأكثر هشاشةً ممّا توحي به صوره الرسمية. ما يضطرب في نقطة حسّاسة يترك أثره في نقاط بعيدة خلال وقت قصير، كأنّ المنطقة كلّها صارت جسداً واحداً يدفع ثمن الاختناق في موضع واحد.
ثم يهبط الأثر إلى الطبقة الأعمق: طبقة الحسّ الإنساني. الحرب الطويلة تعيد ترتيب العلاقة بالزمن. الغد يفقد بعض بداهته، والخبر يخرج من مقام المتابعة إلى مقام المناخ العام. ومع التكرار، يبحث الوعي عن اقتصاد داخلي يقيه الانكسار الكامل. عند هذا الحدّ تتخذ المسألة بُعداً وجودياً خالصاً: ماذا يبقى من الإنسان تحت ضغط متّصل؟ أيُّ صورة يحتفظ بها عن العالم، وعن نفسه، وعن الآخرين، في جوّ تتجاور فيه الحياة العادية مع احتمال الخسارة الكبرى؟ هنا تمارس الحرب فعلها الأعمق، لأنّها تمسّ القدرة على الثقة، وعلى تخيّل المستقبل، وعلى الاحتفاظ برجفة الضمير أمام ما يراه المرء كلّ يوم.
يُقاس رصيد الحضارة فعلاً بقدرتها على صون الإنسان ساعة الأزمة
ومن داخل هذه الطبقة، يخرج سؤال الحضارة في صيغته الأكثر إحراجاً. بعد هذا التراكم كلّه، بعد هذا الامتلاء بالأرشيفات والنُّصُب التذكارية وكتب التاريخ وأطروحات السلم والكرامة وحقوق الإنسان، ما يزال العالم يفتح الباب نفسه في كلّ أزمة كبرى. اليد التي تبني تعرف الطريق إلى الهدم أيضاً. الذاكرة مثقلة بالشواهد، ومع ذلك يظلّ الدرس مؤجّلاً، أو موزّعاً على رفوف المكتبات، أو محفوظاً في المناسبات الخطابية، من غير أن يصير قيداً داخلياً يردع الرغبة في توسيع الخسارة.
التقارير الإنسانية الجارية تمنح هذا السؤال جسده الواقعي. الوصول يتعثّر، والملاجئ تتعرّض للضغط، والحاجة تتّسع، وحركة المساعدة تمرّ من عنق ضيّق في وقت يزداد فيه الاضطراب حول الممرّات والإمدادات والأسعار. يحمل المدني، في هذا السياق، العبء الأثقل من نظام يُدار فوق رأسه، وبمسمّيات كُبرى، فيما ينكمش يومه إلى مطالب أولى: عبور آمن، وغذاء، وماء، وسقف، وقليل من اليقين. عند هذه العتبة يُقاس رصيد الحضارة فعلاً: بقدرتها على صون الإنسان ساعة الأزمة، وبقدرتها على كبح اتّساع القوة حين تغريها قدرتها المزعومة على إعادة تشكيل المجال كما تشاء.
أزمنة الحرب تمثّل لحظات مراجعة جذرية لفكرة الإنسان نفسها. فما يُختبر خلالها أعمق من توازنات آنية؛ الذي يُختبر هو رصيد الكائن البشري من النضج، ومقدار ما استطاع أن يحوّل التجربة إلى بصيرة، والخراب إلى حكمة، والذاكرة إلى قيد أخلاقي. وكلّ مرة يعود فيها العالم إلى الحافَة نفسها، يعود السؤال معه بثقل أشد: أيُّ معنى يبقى للعمران إذا ظلّ الخراب كامناً في مركز الرؤية الإنسانية، يستيقظ كلّما ضاقت السياسة واتّسع بطش القوة؟ هنا يبدأ التفكير في أزمنة الحرب، وهنا أيضاً تخرج الحضارة من صورتها اللامعة المعلّقة إلى امتحانها الواقعي الحقيقي.

أخبار ذات صلة.
اختناق مالي يربك سلطة الانقلاب الحوثي
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق