عربي
لم تنتهِ فصول حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، وإن انتقلت من الإبادة الوحشية الواسعة بالجملة إلى الإبادة البطيئة بالتقسيط. مع ذلك، غابت غزّة، إلى حدٍّ كبير، عن التغطيات الإخبارية منذ أكثر من شهرَين، مع شنِّ العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، وما ترتّب عليه من تداعيات إقليمية ودولية، ليس أقلّها أزمة إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. والحقيقة أنّ قطاع غزّة هو حجر الزاوية في التحوّلات التي تشهدها المنطقة، فلولا "طوفان الأقصى"، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبغضّ النظر عن الحكم القيمي عليه، ربّما لم تقع أحداثٌ وتطوّرات إقليمية كثيرة، وبعض التطوّرات الدولية. وسواء أكانت تداعيات "طوفان الأقصى" التي نعايشها اليوم مقصودة بذاتها في عقول مخطّطيه، أو أنّها تداعيات غير مقصودة ترتّبت عليه من خارج الحسابات المستهدَفة، فهذا لا ينفي أنّ "الطوفان" ألقى حجراً كبيراً في بركة راكدة لم تتوقّف ارتداداتها. ومن ثم، لا ينبغي أبداً تجاوز قطاع غزّة، بل والوضع الفلسطيني برمّته، في أيِّ حسابات استقرار إقليمي متوخّاة، إذ أثبتت القضية الفلسطينية منذ نحو قرن أنّها صاعق تفجير لا يمكن تهميشه، مهمّا روَّج الإسرائيليون والأميركيون، وبعض حلفائهما العرب، ما يُسمَّى بـ"السلام الإقليمي" بعيداً عن الحقوق الفلسطينية.
منذ دخول وقف إطلاق النار الهشِّ حيّز التنفيذ (10 أكتوبر 2025)، خرقت إسرائيل الهدنة ما لا يقلّ عن 2500 مرّة، وقتلت أكثر من 812 فلسطينياً، وأصابت نحو 2300. ورغم أنّ البروتوكول الإنساني في اتفاق وقف إطلاق النار نصّ على إدخال 600 شاحنة يومياً من المساعدات، فإنّ ما يدخل إلى القطاع أقلّ من نصف هذا العدد. أمّا مواد البناء والبيوت المتنقّلة (الكرافانات) والمعدّات الثقيلة والوقود والمستلزمات الطبية، فإنّ إسرائيل لا تسمح بدخولها إلى الآن. ووفق تقرير لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، الصادر في 29 إبريل/ نيسان الماضي، فإنّ فِرق المراقبة الطبّية التابعة لها "تواصل الإبلاغ عن زيادة مقلقة في حالات الأمراض الجلدية الناتجة عن الطفيليات الخارجية، مثل الجرب، بالإضافة إلى جدري الماء، ما يزيد من المخاوف المتعلّقة بالصّحة العامّة". كما "لا تزال هناك تقارير عن انتشار القوارض والطفيليات في نطاق واسع، بما في ذلك الجرب والبراغيث، في جميع مواقع النزوح، بسبب الاكتظاظ الشديد، وتعطّل خدمات المياه والصرف الصحّي والنظافة، وسوء الأحوال البيئية". أمّا منظّمة أطباء بلا حدود، فأكّدت في بيان لها في 28 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) أنّ النقص الحادّ في المياه في غزّة نجم عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنيتَين التحتيَّتَين للمياه والصرف الصحّي، و"القيود المستمرّة على إمدادات الوقود والكهرباء والمواد المتعلّقة بالمياه، وهي عناصر أساسية لتشغيل هذه الأنظمة". وتقول المنظّمة إنّه دُمِّر أو أُتلف نحو "90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحّي في غزّة، ما حدّ بشكل كبير من حصول السكّان على المياه الصالحة للشرب، وزاد من مخاطر الإصابة بالأمراض في ظلّ ظروف معيشية مكتظّة ومتدهورة".
استمرار التجاهل للجرائم الإسرائيلية في قطاع غزّة، وفي فلسطين عموماً، لن يؤدّي إلا إلى انفجار إقليمي جديد... والمسألة مجرّد وقت فحسب
ولا تتوقّف جرائم إسرائيل عند ذلك الحدّ، إذ كانت قد أصدرت في مارس/ آذار الماضي خرائطَ جديدة للقطاع، وسّعت فيها "المنطقة المحظورة". وحسب اتفاق وقف إطلاق النار، فقد قُسّم قطاع غزّة إلى قسمَين عبر ما يسمّى "الخط الأصفر"، لتسيطر إسرائيل على شرقه بمساحة 53%، في حين يتكدّس غربه أكثر من مليونَي فلسطيني في 47% متبقّية. وتُظهر الخرائط الجديدة ابتلاع إسرائيل 11% إضافية من أراضي القطاع عبر إضافة "خطٍّ برتقاليٍّ"، بذريعة أنّ المنطقة بينه وبين الخطّ الأصفر محظورة لإيصال المساعدات الإنسانية. أمّا الحقيقة فهي أنّ إسرائيل توسّع دائرة استهدافها المدنيين الفلسطينيين في أرجاء القطاع، كما أنّها عبر توسيع ما تسمّيها "مناطق عازلة"، على غرار ما تفعله أيضاً في سورية ولبنان، فإنّها تفرض وقائعَ جغرافية وديمغرافية جديدة على الأرض. والنتيجة: حشر أكثر من مليونَي فلسطيني في قطاع غزّة في شريط ساحلي ضيّق، معظمه مهدّم ومن دون بنية تحتية، بهدف إرغامهم على طلب الهجرة خارجه. دع عنك أنّ إسرائيل لا تزال تمنع دخول "اللجنة الوطنية لإدارة غزّة" إلى القطاع، كما ينصّ اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن تحكّمها بمعبر رفح مع مصر لتعوق حركة المسافرين من خلاله في الاتجاهَين.
باختصار، غابت غزّة عن الأخبار، لكن معاناتها لا تزال حاضرة. ودروس التاريخ تعلّمنا أنّه لا أمن ولا استقرار ولا سلام في المنطقة برمّتها من دون أمن واستقرار وسلام في فلسطين. واستمرار التجاهل للجرائم الإسرائيلية في قطاع غزّة، وفي فلسطين عموماً، لن يؤدّي إلا إلى انفجار إقليمي جديد... والمسألة مجرّد وقت فحسب.

أخبار ذات صلة.
اختناق مالي يربك سلطة الانقلاب الحوثي
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق