عربي
قبل نحو 20 عاماً، اتّصل بي ناقد أدبي سوري معروف، ليقول لي إنّه كان معجباً جدّاً بقصيدة محدّدة نُشرت في ديوان لي صدر حينها. مدحها، وتحدّث عنها مطوّلاً مستخدماً طريقته التفكيكية في التحليل الأدبي. كان يعرف تماماً ما يقوله، وما يتحدّث عنه. قرأ القصيدة وأعجبته فعلاً، ورأى فيها ما يتناسب مع منهجه التفكيكي النقدي.
بعد ما يقارب شهراً، التقيت في سهرة كاتباً صديقاً، كان مقرّباً من الناقد، وقال لي إنّ أكثر ما لفت نظره في ديواني الجديد القصيدة التي أعجبت الناقد، وأطلق على مسمعي مصطلحات نقدية سمعتها قبلاً من الناقد نفسه. بعد أيّام، التقيت شاعرةً هي صديقة مقرّبة للكاتب صديق الناقد، فأخبرتني أنّ قصيدتي تلك من أجمل ما كتبتُ من الشعر. بعدها بمدة تصادفت في المقهى مع صديقة، هي أيضاً كاتبة وصديقة مقرّبة من الناقد وصديقه الكاتب. نعم، كما توقّعتم، أبدت إعجابها العارم بالقصيدة من دون باقي قصائد الديوان. ولم يقف الأمر عند هؤلاء، إذ كما لو أنّ تلك القصيدة كانت "القصيدة اليتيمة" الخاصّة بي، فقد أُعجب بها كثرٌ من الأصدقاء وأصدقائهم. كان يتناهى إلى مسمعي دائماً أنّ فلاناً من الناس، وفلاناً آخر منهم، قد قالوا إنّ هناك قصيدة خارقة لرشا عمران في ديوانها الجديد عنوانها "...".
لفتني وقتها أنّ المعجبين بالقصيدة كانوا من دوائر عدّة، ومن شلل أدبية ذات طابع مناطقي لا يجمع بينها اجتماعياً سوى الناقد نفسه، الذي كان محبوباً ومحترماً من جميع الشلل الثقافية السورية في ذلك الوقت. وأكاد أجزم اليوم بأنّه كان الوحيد بينهم، تقريباً، الذي قرأ القصيدة وفكّكها وحلّلها فأعجبته وحكى عنها. أمّا إعجاب الآخرين بها فكان متناقلاً بالعدوى، أو بالثقة، بمعنى أنّ المعجب الأوّل (الناقد) هو مصدر ثقة لصديقه، الذي يعتبر أيضاً مصدر ثقة لصديقته، وهكذا صار رأي الناقد، القارئ الوحيد للقصيدة، رأياً جمعياً لدى من تبنّوا رأي سلطة ثقافية معيّنة. فالناقد الأدبي هو سلطة بشكلٍ من الأشكال، هو مؤثّر في علاقة المتلقّي بالنصّ الأدبي، وتأثيره قوي إلى درجة أن يتبنّى رأيه كثرٌ من دون أن يقرؤوا النصّ.
يتشكّل الرأي العام حول موضوع ما من سلسلة تأثيرات متبادلة تنتشر عبر شبكات متداخلة من الثقة، والعلاقات المجتمعية، والانتماء، سواء الأيديولوجي أو المناطقي أو الطبقي. يتشكّل الرأي العام أيضاً من التكرار الذي يمنح الرأي شرعيةً تضفي عليه مصداقيةً، فيبدو كما لو أنّه حقيقة واقعة وليس مجرّد وجهة نظر. يتشكّل الرأي العام أيضاً من قوة الفكرة، لكنّ هذه القوة لا تشترط أن تكون الفكرة صحيحةً، بل أن يكون مُطلقها الأوّل صاحب تأثير أو نفوذ يجرّ خلفه سلسلةً من أصحاب النفوذ بالنسبة إلى آخرين لا يتبنون الفكرة أو الرأي فقط، بل يتبنّون حتى اللغة التي صيغت بها الفكرة أو تكوّن معها الرأي.
في العموم، الرأي العام السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الفنّي لا يتشكّل من الفراغ، ولا يتكوّن من تشابك مجموعة آراء حرّة ومستقلّة ومتوازنة ومتوازية، بل في كثير من الأحيان يبدأ من صوت واحد يمتلك تأثيراً معيناً في مجموعة بشرية ما، ثم يتحوّل هذا الصوت إلى مجموعة أصوات مشابهة (ومتشابهة) تقدّم نفسها حقيقةً وحيدةً بفعل التكرار والهيمنة المجتمعية. وهذا الرأي لا ينتصر ويتعمّم لأنّه الأقوى أو الأكثر مصداقية، بل لأنّ مطلقه يمتلك شرعيةً سلطويةً مهيمنةً ومؤثّرة، فينتقل رأيه من شخص إلى آخر ومن مجموعة إلى أخرى، فيبدو الرأي في النهاية كما لو أنّه نتاج قناعة جمعية، أو نتاج ذائقات وقناعات متعدّدة ومتقاربة استطاعت أن تتشابك لتشكل رأياً جمعياً أو عامّاً. لكنّ الحقيقة أنّ الذائقة العامّة أو الرأي العام يتشكلان في مساحة تكون غالباً مبهمةً؛ مساحة غامضة تسمح للعدوى الاجتماعية بأن تشتغل فيها بصمت شديد وبكفاءة عالية، من دون أن ينتبه المجموع العام إلى أنّهم يردّدون رأياً مستعاراً صاحبه الأوّل هو الأكثر نفوذاً بينهم.

أخبار ذات صلة.
غلاء الوقود يعيد ترتيب حياة البريطانيين
العربي الجديد
منذ 25 دقيقة
في الأدب الشعبي
العربي الجديد
منذ 47 دقيقة