عربي
في غضون دقائق من حادثة إطلاق النار التي شهدها عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت الماضي (بحضور دونالد ترامب ومسؤولين أميركيين)، اجتاح سيل من المعلومات المضلّلة ونظريات المؤامرة المشهد الإعلامي.
مئات الصحافيين والمحرّرين، من أبرز المؤسسات الإعلامية، كانوا حاضرين في فندق واشنطن هيلتون، ينقلون الوقائع لحظة بلحظة، ويوثقون ما يجري. ومع ذلك، لم يمنع هذا التدفق الكثيف للمعلومات من انفجار موجة واسعة من نظريات المؤامرة التي اجتاحت المنصات الرقمية خلال وقت قياسي، متجاوزة الوقائع، ومُعيدَة تشكيلها في سرديات متناقضة، غالباً بلا أي سند.
أجلي الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار مسؤولي إدارته من الحفل بعد اندلاع إطلاق نار خارج القاعة حيث عقدت المناسبة، في ما يُعدّ ثالث محاولة اغتيال تستهدفه خلال عامَين، بعد حادثتَين سابقتَين عام 2024، في بنسلفانيا وفلوريدا.
وعلى الرغم من سرعة استجابة الأجهزة الأمنية، والتغطية الإعلامية المباشرة التي وثّقت مجريات الحدث من زوايا متعدّدة، فإنّ السردية المهيمنة على الإنترنت طغى عليها الشك.
مدققو الحقائق في وكالة فرانس برس، إلى جانب منصات رصد التضليل مثل "نيوزغارد"، وثّقوا انتشاراً واسعاً لمنشورات صادرة عن حسابات مناهضة لترامب، تروّج لفرضية أن إطلاق النار "مفبرك"، وأنه جزء من استراتيجية سياسية تهدف إلى كسب التعاطف الشعبي أو صرف الانتباه عن ملفات حساسة، أبرزها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. هذه المزاعم حققت انتشاراً ضخماً، إذ حصدت نحو 80 مليون مشاهدة على منصة إكس خلال يومين فقط.
وهذه السرديات لم تظهر في فراغ، بل استندت إلى نمط سابق من الخطاب المؤامراتي. العديد من الحسابات نفسها كانت قد ادّعت، عام 2024، أن محاولتَي اغتيال ترامب في بنسلفانيا وفلوريدا كانتا أيضاً "مدبّرتَين".
ويشير باحثون إلى أنّ هذه السردية تنبع جزئياً من تيار مؤامراتي يساري يُعرف باسم "بلوأنون" (BlueAnon)، في محاكاة ساخرة لحركة "كيوأنون" (QAnon) اليمينية، ما يدلّ على أن التفكير المؤامراتي لم يعد حكراً على طرف سياسي بعينه.
صوفيا روبنسون، من "نيوزغارد"، لخصت هذا التكرار بقولها إنّ العديد من الحسابات التي زعمت أن حادثة 2026 مفبركة، أعادت إنتاج الادّعاءات نفسها التي ظهرت بعد محاولتَي الاغتيال عام 2024، بل إنّ بعضها استخدم الحادثتَين السابقتَين "دليلاً" على أنّ "فبركة" محاولات الاغتيال جزء من أسلوب ترامب السياسي.
لكن اللافت في هذه الحالة تحديداً أنّ وفرة المعلومات لم تُضعف نظريات المؤامرة، بل ساهمت أحياناً في تغذيتها. وفي هذا السياق، قالت الأستاذة في جامعة ماريلاند، جين غولبيك، إن انعدام الثقة بالمؤسسات، إلى جانب صعوبة التمييز بين الحقيقة والخيال، يخلق بيئة مثالية لانتشار الشائعات، حتى في ظل توفر معلومات دقيقة. وأضافت، متحدثة لوكالة أسوشييتد برس، أن لنظريات المؤامرة بعداً "ترفيهياً"، إذ تمنح الأفراد شعوراً بالمشاركة والذكاء عبر "تجميع الخيوط" وصياغة تفسيرات بديلة.
هذا التفاعل المعقّد بين المعلومات والتأويل تجلّى بوضوح في طبيعة المزاعم المتداولة. بعض المستخدمين ربط الحادثة بالحرب على إيران، باعتبارها محاولة لصرف الانتباه عن تبعاتها السياسية والاقتصادية، في وقت يواجه فيه ترامب انتقادات من أطياف مختلفة، بما في ذلك داخل قاعدته. آخرون ذهبوا أبعد، فربطوا الحادثة بمشروع قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض، مشيرين إلى أنّ ترامب استخدم الحادثة لتبرير الحاجة إلى المشروع، بالتوازي مع مساعٍ من وزارة العدل للضغط على معارضيه لسحب دعوى قضائية تتعلق بتكلفة المشروع البالغة 400 مليون دولار.
كما ظهرت مزاعم أخرى تتهم الحكومة أو الجيش الإسرائيلي بالوقوف وراء الهجوم، كما استُغلت تصريحات سابقة للمتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، التي قالت قبيل الحفل على قناة فوكس نيوز إن "طلقات ستُطلق داخل القاعة"، كدليل مزعوم على معرفة مسبقة بما سيحصل، رغم أن التصريح كان مجازياً في سياق الحديث عن خطاب ترامب.
ومن بين أبرز محاولات "إعادة تركيب" الواقعة، تلك التي قارنت بين حادثة 2026 ومحاولة اغتيال ترامب في يوليو/تموز 2024 في باتلر في بنسلفانيا. بعض المستخدمين اعتبر أن التأخير في إجلاء ترامب من الموقع في الحادثتَين مؤشر على "تنسيق مسبق"، فيما استُخدم فيديو يُظهر إخراج نائب الرئيس جي دي فانس أولاً "دليلاً" إضافياً على هذه الفرضية.
في المقابل، تؤكد الوقائع المتاحة غياب أي دليل على أن إدارة ترامب كانت وراء الهجوم. ودان البيت الأبيض الهجوم، واتهم ما وصفه بـ"ثقافة كراهية يسارية" بالتحريض على العنف السياسي.
لنظريات المؤامرة بُعد ترفيهي يمنح شعوراً بالمشاركة والذكاء عبر تأويل الأحداث
في المقابل، يواجه المشتبه به كول ألين (31 عاماً) احتمال السجن المؤبد إذا أُدين، بعدما وجهت له تهمة محاولة اغتيال ترامب، وتهمتَين أُخريَين تتعلّقان بالأسلحة.
توازياً، أشار معهد الحوار الاستراتيجي في لندن إلى أنّ وسائل إعلام رسمية في دول مثل روسيا وإيران ساهمت في تضخيم نظريات مؤامرة حول الحادثة، بينها مزاعم غير موثقة عن صلات بين المهاجم والجيش الإسرائيلي.
البعد الأعمق لهذه الظاهرة لا يتعلق بالمحتوى فحسب، بل بالبنية التي تنتجه وتضخّمه. الأستاذة في جامعة مينيسوتا، إميلي فراغا، أشارت إلى أنّ وفرة المعلومات، خصوصاً عندما تكون متناقضة وسريعة التغيّر، قد تدفع الأفراد إلى تبني سرديات مبسطة يسهل استيعابها، حتى لو كانت غير دقيقة. وقالت لـ"أسوشييتد برس": "نحن ببساطة غير قادرين على معالجة هذا الكم من المعلومات"، وأضافت أن المعنى الذي يصنعه الأفراد "ليس ضرورياً أن يكون مرتبطاً بالواقع".
من جهة أخرى، يلعب الاقتصاد الرقمي دوراً مركزياً في تغذية هذه الظاهرة. الباحث في نظريات المؤامرة مايك روثشيلد لفت إلى أن هذه السرديات تجد صدى لدى بعض صانعي المحتوى الليبراليين، كما بدأت تنتشر أيضاً في أوساط يمينية مع تراجع الثقة بترامب. أما والتر شيراير، من جامعة نوتردام، فيذهب أبعد، ولفت إلى أن "جاذبية الادعاء" باتت مرتبطة بقيمته التجارية: كلما كان أكثر إثارة، زادت فرص انتشاره وتحقيقه عوائد مالية عبر منصات مثل "إكس". في هذا السياق، تصبح السياسة نفسها ثانوية أمام "تسييل العلامة السياسية".
تكشف حادثة عشاء مراسلي البيت الأبيض أن التحدي لم يعد في نقص المعلومات، بل في فائضها، وفي كيفية إدارتها وتأويلها. وبينما تتراجع ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، وتتصاعد قوة المؤثرين والمنصات الرقمية، يبدو أن نظريات المؤامرة لم تعد مجرد هامش في النقاش العام، بل باتت جزءاً بنيوياً منه، وهي عابرة للانقسامات السياسية، ومتصلة مباشرة باقتصاد الانتباه، الذي يكافئ الإثارة أكثر مما يكافئ الحقيقة.
