عربي
لم تعد الشركات البريطانية تواجه ضغط الحرب أو تشدّد سياسات الهجرة كلٌّ على حدة، بل اجتماع العاملين معاً في لحظة واحدة. فالحرب رفعت كلفة الإنتاج والنقل والتشغيل، فيما جعلت الورقة البيضاء للهجرة استقدام العمالة الأجنبية أكثر صعوبة وكلفة.
لذلك لم يعد السؤال داخل كثير من المؤسّسات مقتصراً على حاجتها إلى موظفين جدد، بل اتسع ليشمل جدوى التوظيف من الخارج أصلاً، في وقت تبدو فيه العمالة الأجنبية أكثر عرضة لانكماش الفرص.
يقول باتريك ميلنز، رئيس السياسات لشؤون العمل والأفراد في غرف التجارة البريطانية، في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، إن الشركات تؤيد عموماً مقترحات الحكومة الواردة في الورقة البيضاء للهجرة، وهي حريصة على الاستفادة من الطاقات المحلية، لكنّها تخشى في الوقت نفسه أن تؤدي القواعد الأكثر تشدداً في التوظيف من الخارج، إلى جانب ارتفاع تكاليف الأعمال بفعل الاضطرابات الجيوسياسية، إلى جعل الاستقدام الخارجي أكثر صعوبة أو أقل جدوى عند الضرورة.
وأضاف أن اللجوء إلى العمالة من الخارج يبقى بالنسبة إلى كثير من الشركات خياراً أخيراً حين لا تكون المهارات المحلية متاحة، مشيراً إلى أن 13% فقط من الشركات الأعضاء في الغرف تلجأ إلى نظام الهجرة.
ويلفت أيضاً إلى أن 67% من الشركات في أنحاء المملكة المتحدة تعاني نقصاً في المهارات، محذّراً من أن أي قيود إضافية على التوظيف من الخارج قد تفاقم صعوبة ملء الوظائف الشاغرة العاجلة، ما لم تُسارع الحكومة إلى معالجة أزمة المهارات المحلية عبر تحسين المشاركة في سوق العمل وتعزيز المسارات التقنية والمهنية وتوفير إطار أكثر مرونة للتدريب. ورفعت الحرب الإيرانية ولا سيّما التوتر حول مضيق هرمز، منسوب القلق لدى الشركات ودَفعت كلف الطاقة إلى الارتفاع.
وتُظهر بيانات مارس/آذار 2026 هذا الأثر بوضوح، إذ ارتفعت أسعار مدخلات المنتجين بنسبة 5.4% على أساس سنوي، بعد أن كانت 0.7% فقط في فبراير/شباط، مع قفزة شهرية بلغت 4.4%، وكان النفط الخام من أبرز العوامل الدافعة لهذا الارتفاع. يحمل قطاع الضيافة مثالاً أكثر مباشرة على هذه الضغوط، إذ تقول كيت نيكولز، رئيسة اتحاد الضيافة البريطاني (UKHospitality)، في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، إن شركات الضيافة تواجه حالياً ضغوطاً شديدة بسبب ارتفاع كلفة توظيف العاملين، في ظل زيادة الحد الأدنى الوطني للأجور، وارتفاع مساهمات أصحاب العمل في التأمين الوطني، إلى جانب صعود النفقات التشغيلية الأوسع في الوقت نفسه.
وتضيف نيكولز، أنّ ارتفاع تكاليف التوظيف أسهم بالفعل في فقدان أكثر من 100 ألف وظيفة في القطاع، محذّرةً من أن استمرار هذه الضغوط، في وقت تعاني فيه الشركات أصلاً أعباءً مرتفعة، قد يحدّ من النمو في قطاع الضيافة. وشددت على ضرورة أن تتحرك الحكومة لخفض كلفة ممارسة الأعمال، بما يتيح للقطاع أن ينمو ويوفر وظائف ويدعم الشوارع التجارية الرئيسية. تتضح العقدة حين تلتقي كلفة الحرب مع تشدّد الاستقدام داخل قرار التوظيف نفسه.
فالشركات البريطانية كانت تواجه أصلاً سوق عمل صعباً، إذ تشير غرف التجارة البريطانية إلى أن 71% منها عانت صعوبات في التوظيف خلال الربع الأول من عام 2026، فيما بقيت كلفة العمل أكبر ضغط سعري على الأعمال بنسبة 73%. ثم جاءت تعديلات الهجرة لتزيد المشهد تعقيداً، عبر رفع شرط المهارة والحد الأدنى للراتب، وفرض قيود إضافية على بعض المسارات والمرافقين، إلى جانب زيادة رسوم مهارات الهجرة وتشديد شرط اللغة.
يبرز هذا المأزق بحدة أكبر في التصنيع، ويوضح جيمي كاتر، مدير السياسات الأول في اتحاد الصناعات البريطانية (Make UK)، في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، أن وجود نحو 50 ألف وظيفة شاغرة غير مملوءة في قطاع التصنيع البريطاني، بما يكلّف الاقتصاد نحو 6 مليارات جنيه إسترليني سنوياً من الناتج المفقود، يجعل من الضروري أن تتمكّن الشركات من استقطاب العمال المهرة الذين تحتاج إليهم، محذّراً من أن القيود المفروضة على التوظيف من الخارج تجعل نمو الأعمال أكثر صعوبة.
ويقول كاتر إنه من الإيجابي أن تعتزم الحكومة إدراج بعض الوظائف في قائمة النقص المؤقتة الجديدة، بما يسمح للمصنّعين بالتوظيف من خارج المملكة المتحدة في المجالات التي تعاني نقصاً عاجلاً. لكنّه يشير إلى أنّ كلفة هذا الخيار تبقى باهظة، ولا سيّما بسبب رسوم مهارات الهجرة المفروضة على تأشيرات العمال المهرة التي سترتفع بنسبة 33% من دون أن تسهم مباشرةً في تمويل تدريب المهارات المحلية.
ويشدّد على أنه في وقت ترتفع فيه الكلف، ينبغي للحكومة أن تضمن قدرة قطاع التصنيع على ملء الوظائف الحرجة، سواء من داخل بريطانيا أو من الخارج، داعياً إلى أن تشمل قائمة النقص المؤقتة وظائف مثل اللحام، والتصنيع المعدني، وتشغيل ماكينات التحكم الرقمي بالحاسوب CNC، وأن تُستخدم عائدات رسوم مهارات الهجرة في دعم التدريب المهني المحلي والتلمذة الصناعية لتخفيف ضغوط التوظيف.

أخبار ذات صلة.
الإمارات تعلن انسحابها من «أوبك»
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق