الامتحانات الرسمية... مصير معلّق بين الهدنة وتوافق الأحزاب اللبنانية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تثير الامتحانات الرسمية في لبنان جدلاً عارماً في هذه الأيام وسط استمرار الخروق الإسرائيلية رغم الهدنة. وتحتدم الإشكالية بين من يدعو لإلغائها، ومن يتمسّك بها باعتبار أن استبدالها بإفادات سيقود إلى الطعن بالشهادة اللبنانية، حتى إنّها تحوّلت على ما يبدو إلى قضية حزبية وطائفية. يحتدم الجدل راهناً حول مصير الامتحانات الرسمية في لبنان. وهو جدل شهدنا مثيلاً له العام الماضي عندما برزت مواقف متباينة من هذا الاستحقاق التربوي، حتى استقر الأمر على إعفاء تلامذة الشهادة المتوسطة (البريفيه) منها، وإجرائها لطلبة الثانوية العامة (البكالوريا)، باعتبار أنّ الجامعات الأجنبية لا ترضى أن يتقدم للتسجيل فيها طالب يحمل إفادة أنه درس المنهاج الذي يخوّله الانتقال إلى الدراسة الجامعية. مع العلم أن الجامعات في لبنان درجت على إخضاع حتّى من يحصلون على شهادة الثانوية العامة لامتحانات خاصة بها يتحدّد على أساسها قبولهم في صفوفها من عدمه، هذا باستثناء بعض كليات الجامعة اللبنانية (العلوم – العلوم الاجتماعية – الآداب والعلوم الإنسانية - كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية التي تدرّس باللغة العربية). وكما العادة يبدو الطابع الطائفي لهذا الجدل لا يحتاج إلى اجتهادات لكشف حقيقته. فالمعلوم أنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان، أدت إلى تهجير ما لا يقلّ عن مليون و300 ألف مواطن من الضاحية الجنوبية ومحافظتَي النبطية والجنوب ومن قضاءَي البقاع الغربي وراشيا، ومن محافظة بعلبك – الهرمل. وما جرى التوصل إليه من هدنة لعشرة أيام ثم تمديدها إلى 21 يوماً إضافياً كانت هشّة وشكلية، ولم تترافق مع عودة الأهالي، ولا سيّما أنّ إسرائيل تُصرّ على رفض عودة أهالي أكثر من 80 مدينة وبلدة وقرية إلى ما تبقى من بيوتهم، بعد أن تسبّبت عمليات النسف والجرف والقصف في اجتثاث معظمها. وبات من المستحيل عودة السكان إلى خرائبها، على غرار ما جرى في رفح وخانيونس وباقي مدن ومخيّمات قطاع غزة. والآن كيف يمكن مقاربة العام الدراسي في لبنان؟  الأوضاع نفسية وتربوية عانى كل طلاب لبنان من مضاعفات الحرب، وما تخلّلها من رعب نتيجة غارات الطيران والقصف. وشاهد هؤلاء المباني المنهارة على نحو كلّي أو جزئي، وغادر كثيرون مع ذويهم على عجل هرباً من أن يُقتلوا تحت أنقاض بيوتهم. لكن المئات منهم قُتلوا في أعمال القصف هذه أو سقطوا مع ذويهم. إذن، تلامذة وأهل ومعلمون ومعلمات فقدوا حياتهم في معمعة القتال، ما قاد الذين نجوا إلى معاناة الحزن والاكتئاب والضغوط النفسية الحادة الناجمة عن فقدان أحبّة لهم. وهكذا لم يقتصر الأمر على ما عاينوه من مآسٍ، إذ إنّها طاولتهم على هذا النحو أو ذاك. يمكن تحديد عدد من طاولهم هذا الوضع بمئات ألوف طلبة المدارس. هؤلاء كي يتعافوا من مشاهداتهم بحاجة إلى برامج معالجة ودعم ورعاية نفسية. وقد حاولت بعض الجمعيات الأهلية تقديمها لهم في مراكز الإيواء الجماعية بالمدارس. لكن جملة من قصدوها تُراوح بين 125 ألفاً و145 ألفاً، بينما توزّع الباقون على منازل مستأجرة أو لدى أقارب ومعارف. الباقون من التلاميذ والطلاب لم يحصلوا على هذا الدعم، الذين هم بأمسّ الحاجة إليه بعد أن خسروا أفراداً من عائلاتهم وأقاربهم، واقتُلعوا أيضاً من بيئاتهم العائلية والتربوية. هؤلاء أيضاً ولأنهم غادروا على عجل لم يحملوا معهم كتبهم ودفاترهم، أو حتى الأجهزة التي يمكن من خلالها تلقي دروسهم عبر تقنية "أونلاين". ثم إنّ التجهيزات الضرورية لم تتوفر لهم في المدارس والأماكن التي استقروا فيها من كهرباء، وإنترنت، وتجهيزات إلكترونية مثل الحواسيب والألواح والهواتف الذكية. وهم بهذا المعنى خسروا ما لا يقلّ عن شهرين من عامهم الدراسي على نحو كامل، وأكثر منه قبلها، بتقطع. باعتبار أنّ إقامتهم اقتصرت على الابتعاد عن مكامن الخطر نحو مناطق آمنة، سواء في العاصمة أو في محافظتَي جبل لبنان والشمال أو بعض مناطق البقاع. ثم إنّ الأماكن التي قصدوها لم تكن آمنة بالمُطلق، وتعرّضت بدورها لغارات زرعت الرعب في قلوب الصغار والكبار. المفارقة التي شهدها لبنان حالياً تمثلت في أنّ معظم المدارس الرسمية تحولت إلى مراكز إيواء، مقابل فتح مدارس حكومية وخاصة أبوابها في العديد من المحافظات والأقضية، بعدما وجدت إداراتها التربوية ألّا مبرّر لاستمرارها مقفلة ما دامت هناك إمكانية للتدريس. وهكذا بات القطاع يعاني من خلل واضح. فجزء من الطلاب لم تتسنَّ له الدراسة إلى حد ما، وجزء آخر تابعها تبعاً لجغرافية الأمن والاعتداءات. التقارير التي تلقاها المركز التربوي للبحوث والإنماء من الإدارات المدرسية تحدثت عن أنّ ما لا يزيد على 70% من المناهج قد أُنجز في المناطق الآمنة. وهي نسبة جيّدة تسمح بإكمالها حتى نهاية العام، بينما هناك في المناطق التي استُهدفت أو تعرّضت للتهجير والاعتداءات ما يُراوح بين 35 و40% من المناهج لم يتمكّن المعلمون من تدريسها، علماً أنّ هناك مناطق تنخفض فيها هذه النسبة لما هو أقلّ من ذلك بكثير، وخصوصاً قرى ومدن التهجير أو "الخط الأصفر" (المنطقة التي يحتلّها الجيش الإسرائيلي في جنوب الليطاني). يا زمان الطائفية! ما تزال وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي تتأرجح في مواقفها بين إجراء الامتحانات أو إعطاء التلاميذ والطلاب إفادات مدرسية، كما كان يحدث في غضون سنوات الحرب الأهلية وبعض الأزمات. وهو أمر يلاقي اعتراضات من الجامعات، خصوصاً تلك التي ترى مدى تدهور مستوى الطلاب الذين يَفدون إليها. فمخرجات المرحلة الثانوية تربوياً، متدنّية في المواد العلمية والأدبية معاً، بالقياس إلى ما كان عليه طلاب لبنان في السنوات السابقة. عندما أشرنا بداية إلى الطابع الطائفي الذي يتخذه الجدل لم نكن نتذكر أغنية الفنان الراحل زياد الرحباني "يا زمان الطائفية "، أو إشارته إلى أن الطائفية موجودة في العدس والحمص والبرغل، بل لأنّ إسرائيل عبر ممارساتها عملت على التلاعب بالبنية الطائفية اللبنانية. فمثلاً قامت بتهجير القرى والمدن الشيعية (الخيام، بنت جبيل، النبطية، كفركلا، ميس الجبل...) مع عدد محدود من القرى السنّية في القطاع الغربي، بينما أبقت على القرى المسيحية والسنّية والدرزية في القطاعَين الأوسط والشرقي. وبديهي القول هنا إنّ أبناء الطائفة الشيعية كانوا الأكثر تضرّراً من هذه السياسة. بالمقابل، نجد أنّ مناطق الشمال السنّية والمسيحية ومناطق الجبل بشقّيه الدرزي والمسيحي لم تتأثر كثيراً بالغارات والاعتداءات، وتابعت التدريس نسبياً بالتوازي مع بيروت، وكأنّ شيئاً من المعاناة لم يكن. أي أنه تبعاً لإحصاءات وزارة التربية اللبنانية، هناك 337 مدرسة رسمية موجودة في مناطق تعرّضت وتتعرّض للاعتداءات، أكان في الجنوب أم الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، تضمّ نحو 82 ألف تلميذ، تُضاف إليها 47 مدرسة مقفلة لأسباب متنوعة، من بينها ما تعرّضت له من أضرار. أما التعليم الخاص فأغلبية مدارسه، وبنسبة تقارب أو تتجاوز 77%، عادت إلى الحضور، بينما مارست بقية مدارسه التعليم عن بُعد، فيما نجد نسبة ضئيلة جداً منقطعة كلياً عن التعليم. هذا الوضع قاد إلى مناخات طائفية في النظر إلى مسألة الامتحانات. وإذا كان من المرجّح أن يحصل تلامذة الشهادة المتوسطة (البريفيه) على إعفاء، فالمشكلة ستظهر في شهادة الثانوية العامة. إذ إنّ الإدارات المدرسية في المناطق التي كانت خارج الاستهداف تُصرّ على إجراء الامتحان الرسمي، باعتبار أن عدم إجرائه واستبداله بحصول الطلاب على إفادات مدرسية، يقود إلى الطعن بالشهادة اللبنانية وبالتعليم اللبناني من أساسه، وينعكس على المستوى التربوي عموماً. هذا المناخ من المواقف المتباينة انتقل إلى الأحزاب السياسية التي باتت كلّها تتطابق مع أغلبية طائفية ما. فحركة أمل وحزب الله يمثلان الشيعة، والحزب التقدمي الاشتراكي يمثل الدروز، وكل من القوات اللبنانية وحزب الكتائب والتيار الوطني الحر يمثلون المسيحيين، ويتفرق التمثيل السنّي بين مواقع نيابية مستجدّة وما تبقى من تيار المستقبل. هناك من الاقتراحات التي يجري التداول بها حالياً ما هو غرائبي، لكنه يمكن أن يكون مفهوماً لمن يعرفون مطبات وعوائق بُنية الواقع اللبناني. نؤشر هنا إلى طرح البعض فكرة أن يكون هناك امتحانان رسميان، واحد للنازحين، وآخر للطلاب الذين ظلوا في بيوتهم وتابعوا عملية التعليم في مدارسهم. مثل هذا الاقتراح يتلاءم مع البُنية الطائفية، مضافة إلى المشكلة التي خلقتها إسرائيل عندما صبّت جام غضبها على البيئة الحاضنة لحزب الله. وبناءً عليه، بادرت وزيرة التربية إلى عقد مشاورات مع ممثلي المكاتب التربوية للأحزاب السياسية، ما يقود حكماً إلى إخضاع التربية للحسابات السياسية والطائفية، ويضع القرار التربوي في خانة التوافقات المستحيلة بين فرقاء لم يجتمعوا إلّا على عدم الاتفاق. الأمر الذي يقود إلى شلل في إنفاذ القرارات الرسمية التي تتناول مسائل لا علاقة للتوازنات الطائفية بها. علماً أن هناك اقتراحات تفكر بها الوزيرة كرامي يمكن أن تكون مقبولة، من نوع تمديد العام الدراسي لشهر إضافي لإنجاز معظم المنهاج، وحذف ما هو متعذر الانتهاء منه. لكن هنا تبرز مشكلة شائكة من نوع؛ ماذا لو لم تصمد الهدنة الهزيلة الراهنة، وعادت الأوضاع إلى الانفجار؟ ما العمل حينها وقد باتت معظم المدارس الرسمية مراكز إيواء، بعد التحذير الذي أطلقته إسرائيل وكلّ من حركة أمل وحزب الله بعدم عودة الأهالي إلى جنوبي الليطاني؟ هناك معطى إضافي يتمثل في المواقف التي أعلنتها روابط معلّمي المراحل الثانوية والأساسية، فقد أعلنوا أنّهم لن يراقبوا الامتحانات، وبدأوا إضرابات احتجاجية على عدم وفاء الدولة بإعطائهم رفقة موظفي القطاع العام والعسكريين في الخدمة والمتقاعدين، ما وعدت به من أشهر إضافية لتحسين أوضاعهم المعيشية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية