عربي
لم تنعكس الهدنة في لبنان على نازحي بيروت، إذ فضّل أغلبهم ملازمة مراكز الإيواء خشية تعرّضهم للخطر أو فقدان ملاذ آمن يؤويهم في حال تجدد العدوان الإسرائيلي.
على الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بدءاً من منتصف ليل الخميس - الجمعة، لا يزال معظم النازحين المنتشرين في مراكز الإيواء داخل العاصمة اللبنانية، يرفضون مغادرتها. بعضهم يترقب الوضع الأمني، وآخرون باتت قراهم مدمّرة يصعب الوصول إليها، فيما يخشى البعض الآخر تجدد العدوان الإسرائيلي وخسارة أماكنهم في مراكز الإيواء.
وفي جولة لـ"العربي الجديد" على عدد من مراكز الإيواء في منطقة الجناح المحاذية للضاحية الجنوبية لبيروت، وفي مدينة كميل شمعون الرياضية في العاصمة، يشرح عدد من النازحين أسباب بقائهم، وتريّثهم قبل اتخاذ قرار العودة إلى بلداتهم وقراهم التي هجّرتهم منها آلة القتل الإسرائيلي منذ 2 مارس/آذار الماضي.
في مدرسة العلامة الدكتور صبحي الصالح المتوسطة الرسمية في بئر حسن (بيروت)، يتحدث خضر عون لـ"العربي الجديد" عن تريّثه وعدم توجهه إلى بلدته صريفا (جنوب)، رغم إلحاح أطفاله الثلاثة، ويقول: "لا يزال الوضع خطيراً، فالإسرائيلي غدّار، وحتى الساعة لم يتجاوز السكان حاجز القاسمية، ومَن يصل من أبناء البلدة سيخبرنا عن الوضع، وما إذا كان بالإمكان التوجه إليها". ويصف عون التوجه جنوباً بأنه "ذهاب إلى الموت، لا إلى القرى. صحيح أن البيت تهدّم، لكن عندما نتوجه إليه نفترش الأرض ونجلس على التراب والركام". ويضيف: "علينا المحافظة على الغرفة التي نقطن فيها في المدرسة، ففي حال اندلع العدوان الإسرائيلي مجدداً بعد الهدنة، أقلّه لا نخسر السقف الذي يؤوينا".
فيما يشير خليل حسين من بلدة النفاخية في قضاء صور (جنوب) إلى أنه سيتوجه اليوم إلى الجنوب، ويقول لـ"العربي الجديد": "منذ منتصف ليل أمس ونحن على أعصابنا، ننتظر لحظة الأمل كي نعود إلى بلدتنا ومنزلنا". كان حسين ينتظر وصول بعض أفراد عائلته الذين نزح قسم منهم إلى مدينة زغرتا (شمال)، كي يتوجّهوا جميعاً نحو الجنوب اللبناني. ولا يخفي حسين خوفه من الاستهدافات الإسرائيلية، مضيفاً "ننتظر أن تقوم الدولة بحمايتنا هذه المرة، وأن تستمر الهدنة إلى حين تثبيت وقف إطلاق النار".
أمّا الحاج عباس شكر من بلدة الريحان في قضاء جزين (جنوب)، فيؤكد لـ"العربي الجديد" أنه غير مطمئن للعودة إلى بلدته، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، ويقول: "نلتزم قرار الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) بالتريّث، لأننا نتعامل مع عدو غدّار. نراقب الوضع خلال هذين اليومين، ومن ثم نقرر العودة أو البقاء في المدرسة، مخافة انهيار الهدنة في أيّ وقت ممكن".
يجلس الطفل علي بالقرب من والدته في ملعب المدرسة، ويطلب منها العودة إلى بلدتهم جبشيت الجنوبية، فيما تفضّل الوالدة فاطمة فحص الانتظار، وتقول لـ"العربي الجديد": "لا أحد يعلم ما سيحصل خلال الأيام العشرة المحدّدة للهدنة، لذلك نراقب الوضع كي نتّخذ قرار العودة". وتتخوّف فحص من تجدّد الحرب والنزوح مجدداً، لذلك قرّرت أنّها لن تتخلى عن الغرفة في المدرسة التي نزحوا إليها، وتضيف: "قد لا نجد غرفة في حال تجدّدت الحرب. نعيش وضعاً صعباً، وكل قرار أصعب من الآخر".
وفي مدرسة عمر فاخوري الرسمية المختلطة في مجمّع بئر حسن التربوي، يحتسي النازحون قهوتهم على وقع حديث الهدنة والترقب، خصوصاً أن معظمهم قرّر البقاء في المدرسة، ريثما يتّضح الوضع الأمني في الجنوب. بغصّةٍ، يتحدث ابن بلدة ميس الجبل الحدودية سامي الحاج عن عدم قدرتهم على التوجه إلى بلدتهم التي ما تزال محتلة، بحسب قوله لـ"العربي الجديد". ويضيف: "الأمور حتى الساعة غير واضحة المعالم، ولا نعلم إن كانت الاعتداءات الإسرائيلية على قرانا ستستمرّ. من أصعب الأمور أن نشاهد بعض أهالي القرى الجنوبية يتوجهون إلى بلداتهم، فيما نُلازم بدورنا مركز الإيواء". ويتابع الحاج: "قد أتوجه إلى بلدة مجاورة لميس الجبل، مثل بلدة شقرا، كي نعرف مصير بلدتنا، لكن لا يمكنني أن أخاطر باصطحاب عائلتي معي، ولا أن نترك مكاننا في المدرسة. ففي حال تجدّدت الحرب، أقلّه نبقى هنا". ويختم بالقول: "أطفالي الأربعة، منذ الساعة الخامسة صباحاً، يطلبون مني التوجه أقله إلى مدينة صور، لكن الوضع الأمني خطير، ولا يمكن أن أعرّض أطفالي للخطر".
وعلى الرغم من قرب الضاحية الجنوبية لبيروت من مراكز الإيواء في منطقة الجناح، لم يتوجه العديد من أبنائها إلى الضاحية. وتقول لطيفة حمود لـ"العربي الجديد": "حتى اليوم لا نشعر بالأمان، ولا يوجد قرار رسمي بالعودة. سأنتظر لأيامٍ قبل المغادرة، فلا يمكن أن أخاطر بأولادي، رغم أننا غير مرتاحين في مراكز الإيواء، لكن علينا أن نصبر، فالخوف من استهداف الضاحية ما يزال موجوداً".
الحال ذاتها يرويها ابن منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت، جلال علامة، الذي يؤكد لـ"العربي الجديد" أن "الحرب لم تنتهِ حتى اليوم، وهذه الهدنة قد تكون فخاً لاستهداف الناس. وفي حال عاد الأهالي إلى منازلهم، ثم تجددت الحرب، لن يكون هناك أي مكان يؤويهم، لذلك علينا الانتظار، فمن الممكن أن نحصل على وقف إطلاق نار دائم، ومن ثم نعود بشكل كامل إلى بيوتنا، من دون خطر الاستهداف الإسرائيلي".
أما في المعهد الفني الفندقي في بئر حسن، تجلس فاطمة حجازي من بلدة الطيبة الحدودية مع جارتها زينب التي نزحت من الضاحية الجنوبية لبيروت، وتقول حجازي لـ"العربي الجديد": "كنتُ آمل أن يكون هذا آخر فنجان قهوة قبل التوجه إلى الجنوب، ووداع بعضنا بعضاً، إلا أننا لا نثق بالجيش الإسرائيلي، وما تزال عناصره في بلدتنا الحدودية". وتتابع: "الوضع الاقتصادي صعب، ولا يمكن حتى التوجه إلى مدينة صور وغيرها من القرى المجاورة لاستئجار منزل، ما يفرض علينا البقاء في المدرسة، لأن الاشتباكات قد تعود في أي لحظة".
قرّرتْ آمنة محيي الدين عدم العودة إلى قريتها الزرارية في قضاء صيدا (الجنوب)، واصفةً ذلك بـ"الكارثة لعدم توفّر الأمان". وتقول لـ"العربي الجديد": "لا نعلم ماذا سيحدث بعد عشرة أيام، وندعو فقط أن تهدأ الأحوال. المهم أن نعود إلى بلدتنا ولو اضطررنا إلى أن نأكل الخبز والبصل فقط".
أما في مدينة كميل شمعون الرياضية، فلا يزال أغلب النازحين قابعين فيها، بينما غادرها صباح اليوم الجمعة عدد قليل من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت. وتقول الشابة فداء بلحص من بلدة صديقين في قضاء صور (جنوب) لـ"العربي الجديد": لا يمكن التوجه إلى بلدتنا، لا نعلم وضع الطرقات، وما إذا كانت مفتوحة، وعامل الأمان مفقود، علينا الانتظار كي تهدأ الأحوال". وتتحدث بلحص عن الوضع الاقتصادي الصعب، وتضيف: "في حال عدتُ وكان البيت قد تدمّر، لا يوجد مكان أذهب إليه، لذلك فإنّ البقاء في المدينة الرياضية هو الخيار الصحيح".
من جهتها، تقول غادة بدوي من مدينة صور لـ"العربي الجديد" إنّها لن تعود إلى المدينة، لأن وقف إطلاق النار موقّت، وتضيف: "أخاف أن أخسر الخيمة في المدينة الرياضية، وأضطر إلى الجلوس في الشارع في حال تجدد العدوان الإسرائيلي، إضافة إلى عدم امتلاكي الأموال للتنقل".
يتحدّر ماهر حسن من بلدة شوكين الجنوبية، وكان يقطن في الضاحية الجنوبية لبيروت قبل العدوان الأخير. يقول لـ"العربي الجديد": "إسرائيل ليس لها أمان، وقد هدّمت المباني المجاورة للمبنى الذي كنا نقيم فيه، لذلك أخاف من التصدعات، ولا يمكن أن أخاطر بأولادي. هذا ما يدفعنا إلى البقاء في المدينة الرياضية، إضافة إلى عدم توفر الأموال اللازمة لترميم الشقة وصيانتها". ويصف حسن مشهد العودة إلى الضاحية الجنوبية بـ"المؤلم"، فيما لا يزال هو في خيمة النزوح.

أخبار ذات صلة.
هل أصبحت تركيا عدوّاً لإسرائيل؟
العربي الجديد
منذ 5 دقائق
الرأي العام المستعار
العربي الجديد
منذ 6 دقائق
هل ثمّة حراك مدني سوري؟
العربي الجديد
منذ 6 دقائق
أزمنة الحرب
العربي الجديد
منذ 6 دقائق