إغلاق سينما كولورادو: فصل أخير من تاريخ شاشات طرابلس
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
صالة سينمائية أخرى تُغلق أبوابها نهائياً، بعد شراء المبنى برمّته، بهدف هدمه وتشييد مبنى تجاري بدلاً منه. هذا حاصلٌ في طرابلس (شمالي لبنان) منذ أيام، مع انتشار خبر يتعلّق بمبنى صالة سينما كولورادو في قلب المدينة، إذْ يكتب الياس خلاط، ابن المدينة ومؤسّس مهرجان طرابلس للأفلام ومديره، أنّ هذه المدينة "تودّع شاشاتها بصمت في زمن الهروب من العصر الذهبي" (فيسبوك، 21 يناير/كانون الثاني 2026). جملة يضعها خلاط عنواناً لنصٍّ، يريده صرخة أخيرة قبل الانهيار الأخير، فـ"قضية السينما في طرابلس تختزل صراع الأبنية والتراث والفكر". والقضية هذه، بالنسبة إليه، لن تكون مجرّد ذكريات عابرة، "بل جرحاً مفتوحاً أتابعه منذ أكثر من عقد ونصف العقد، شاهداً على فصولٍ مأسوية، بدأت بإقفال الصالات في نهاية التسعينيات (الماضية)، وصولاً إلى زوالها وتدميرها، أو تغيير وظائفها، الواحدة تلو الأخرى". يكتب أنّ 15 عاماً تمرّ في "ملاحقة السراب"، فملف السينما لم يكن "مجرّد مادة توثيقية، بل معركة يومية"، فهو شاهدٌ على كيفية "إطفاء الأنوار" في الصالات، وكيفية تحويل "تلك الصروح الثقافية من منارات للفن إلى أطلال مهجورة". يستعيد خلاط أعواماً سابقة، إذْ يكتب أنّه، منذ 13 عاماً، يُطلق مهرجان طرابلس للأفلام، "من رحم هذا الوجع، وأمام خطر ضياع ثقافة السينما". محاولة مستميتة، كما يكتب، في ظروف بالغة القسوة، "لإبقاء النبض السينمائي حياً في عروق المدينة". سيحاول مراراً، عبر مبادرات عدّة، العمل على إعادة فتح ولو صالة واحدة، لكنّ المحاولات كلّها "تصطدم بجدار من اللامبالاة، أو بـ"سوريالية عقارية" مُعقّدة، بما فيها محاولتي الجادة واليائسة مع سينما كولورادو عام 2015"، التي تذهب "أدراج الرياح". فالدولة "الغائب الأكبر"، والقانون "مُعطّل"، وهذان الغياب والتعطيل "جوهر المأساة"، كما يقول، متسائلاً: "أين الدولة ومؤسساتها هذه السنين كلّها؟ أين القوانين التي يُفترض بها حماية الأبنية التراثية والمواقع الثقافية؟"، ومُعتبراً أن ما يحدث في طرابلس "نتاج مباشر لغياب الرقابة، وتواطؤ الصمت". يرى خلاط أنّ "القوانين اللبنانية، المتعلقة بالمباني التاريخية والتراث، لا تزال قاصرة أو مُغيّبة، عمداً أحياناً، لتسهيل صفقات عقارية على حساب الهوية الثقافية للمدينة"، وأنّ "المسؤولية الرسمية للدولة لا تقتصر على إصدار البيانات، بل في فرض "تصنيف" يحمي هذه الصالات بصفتها معالم تراثية، غير قابلة للهدم أو التشويه، وتقديم حوافز للمحافظة عليها، بدلاً من تركها للفناء"، كما يُشير إلى أنّه "بين رصاص الحرب وغبار الإهمال"، يُطرح سؤال مرير: "ألا يمكن لهذه المدينة أن تحتفظ ولو بصالة واحدة؟ صالة وحيدة تكون شاهدة على عصر ذهبي ولّى، وتثبت أن طرابلس لا تزال جزءاً من الخريطة الثقافية لهذا الوطن؟"، فـ"ما نعيشه اليوم نتيجة سياسات مركزية عقيمة"، غير مكتفية بـ"تهميش الأطراف"، لأنها "تقتل كل الأحلام الممتدة من طرابلس إلى كل لبنان". وإذ تقضي الحرب الأهلية، بآلتها العسكرية، على صالات بيروت ووسطها التجاري، "يقتل الإهمال سينما طرابلس اليوم، ذاك القاتل الصامت الذي يمحو الهوية ببرودة أعصاب، ويحوّل تاريخاً من الفكر والإبداع إلى ركام تحت أقدام المصالح الضيقة". ويُنهي الياس خلاط نصّه الفيسبوكي بالقول إنه (النص) "صرخة أخيرة" ربما: "أنقذوا ما تبقى من روح المدينة، قبل أن يُسدل الستار نهائياً". من جهتها، تُلفت جمعية تراث طرابلس ـ لبنان انتباه الجميع إلى ما يجري في المدينة الشمالية، إذْ "تُظهر معلومات وصُور متداولة أخيراً أعمال إفراغ وتفريغ في سينما كولورادو، إحدى أقدم وأهم الصالات السينمائية في المدينة، من دون أي إعلان رسمي، أو توضيح علني، عن طبيعة هذه الأعمال، أو مآل هذا المعلم الثقافي"، كما في بيان لها، تذكر فيه أن مبنى الصالة تلك "مُصمّم بحسب طراز معماري يقترب من أسلوب "آرت ديكور"، للمهندس الراحل جورج دوماني"، ما يمنحها طابعاً معمارياً "يتناغم مع روح المدينة"، في منتصف القرن الـ20. وصالة سينما كولورادو تتسع لـ800 مَقعد، موزعة بين الأوركسترا والبلكون والبينوار، مع تصميم داخلي يفصل بين هذه المساحات، لـ"توفير تجربة مشاهدة راقية لجمهور المدينة". وبحسب البيان نفسه، فإن للصالة مكوّنات ثقافية وأرشيفية غنية، "تعكس ارتباطها الوثيق بعالم الفن السابع، بما في ذلك مخزون من الأفلام القديمة والأرشيف السينمائي، المرتبط بأسماء ومشاهد سينمائية مهمة، إضافة إلى عناصر تراثية، كالزجاجيات والسجاد الفاخر والقطع الداخلية، التي تحمل طابع تلك الحقبة، والتي تشكّل جزءاً من ذاكرة المكان، وتجربة زوّاره"، ولعلّ أهم ما يعزز القيمة الثقافية لهذه الصالة، بحسب البيان، أنها شاهدة على عرض "إلى أين؟" (1956)، للّبناني الراحل جورج نصر (1927 ـ 2019)، ابن طرابلس. تذكر الجمعية أن الفيلم، بفضل التقدير العالمي له، وعرضه في مسابقة الدورة العاشرة (2 ـ 17 مايو/أيار 1957) لمهرجان كانّ السينمائي، "يضع اسم المكان في سياق ارتباطه بروّاد السينما اللبنانية" دولياً. قيمة سينما كولورادو تتجاوز كونها مبنى قديماً، لأنها "شاهد حي على مرحلة أساسية من التاريخ الحديث لطرابلس"، وعلى زمن ستكون فيه المدينة "مساحة نابضة بالحياة الثقافية والفنية، ومنبراً للمعرفة والانفتاح والتلاقي الاجتماعي"، فهنا "تشكّلت ذاكرتنا الجماعية الحديثة، وهنا عبرت السينما من كونها مجرد وسيلة ترف إلى ممارسة ثقافية، ساهمت في بناء وعي أجيال كاملة"، وما يقلق اليوم ليس مصير مبنى، بل "مصير ذاكرة حضرية كاملة تفرغ تدريجياً"، والمعالم الثقافية لطرابلس تعاني الآن "تآكلاً"، يترافق و"غياب السياسات الواضحة لحماية تراثها الحديث". وترى الجمعية، بصفتها "جهة مدنية معنية بالدفاع عن التراث المادي واللامادي للمدينة"، أنّ هذا الملف "قضية رأي عام بامتياز، تستحق التوقف عندها، والتدقيق في أبعادها الثقافية والقانونية والاقتصادية"، طارحة تساؤلات عدّة: حق المدينة في حماية ذاكرتها الحديثة، ودور السلطات المعنية في صون المعالم الثقافية غير المصنّفة، ومستقبل المواقع ذات القيمة الثقافية في مدينة "شكّلت الثقافة دائماً أحد أعمدتها الأساسية". لذا؛ تتوجه الجمعية إلى وسائل الإعلام، "بوصفها شريكاً أساسياً في حماية الذاكرة العامة"، بنداء مهني وأخلاقي "للاهتمام بهذا الموضوع، والاقتراب منه ميدانياً، والاستماع إلى روايات المكان، وأصوات المدينة، وطرح الأسئلة التي تستحق أن تطرح اليوم قبل فوات الأوان"، فـ"طرابلس ليست هامشاً، وتراثها الحديث ليس تفصيلاً عابراً"، كما أن سينما كولورادو "ليست مجرّد صالة مهجورة، بل مرآة مدينة تختبر اليوم علاقتها بماضيها ومستقبلها".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية