ثورة يناير: شهادة جيل هُزم ولم يمت
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أجلس اليوم، بعد 15 عاماً كاملة على ثورة 25 يناير، وأتأمل الحال كما يتأمل المرء صورة قديمة لنفسه: يعرف ملامحها، يتذكّر اللحظة، لكنه لا يستطيع إنكار المسافة الهائلة بين ما كان وما أصبحنا عليه. مرّت 15 عاماً. الحلم أقرب مما كان تحوّل لإحساس ثقيل بهزيمة كبيرة لا تخصّ فرداً أو تياراً، بل جيلاً كاملاً ظنّ أنه يحلّق عالياً. والمساحات التي كنّا نتحرك فيها اتسعت يومها إلى أقصى درجة، ثم ضاقت وصارت أضيق من أن تتسع لصوت أو فكرة. كل عام يمرّ يبدو كأنه يضيف جداراً جديداً، أو باباً يُغلق إلى الأبد. خرج قبل أسابيع الزميل علاء عبد الفتاح من السجن، وكان خبر إطلاق سراحه مبهجاً، رغم كل ما يحيط به من حسابات سياسية وقانونية، مرتبطة بحصوله على الجنسية البريطانية، ولكنّها لحظة مختلطة المشاعر مثل فرح ناقص، لأن هناك أسماء أخرى ما زالت في العتمة. منهم محمد عادل، الزميل والصديق، في السجن منذ ما يقارب 13 عاماً، فشلت في أثنائها كل المناشدات، وكل الحملات والمشاركة في الحوار الوطني، فكان استمرار حبسه ليس مجرد ظلم فردي، بل رسالة قاسية عن طبيعة المرحلة وعن ثمن الإصرار على الموقف. يؤلمني أكثر ربما الانقسام الذي يزداد حدّة، والفجوة التي تتسع يوماً بعد يوم، بين كل القوى التي شاركت في ثورة يناير. كأننا لم نتعلم شيئاً. تبدو المجموعات القليلة التي تبقت في صفوف المعارضة اليوم مهلهلة ومتناحرة أكثر من أي وقت مضى، تجرّع الجميع الهزيمة القصوى، والحقيقة أننا لم نجد يوماً صيغة جامعة، ولا قدرة حقيقية على تجاوز الجراح القديمة. قبل أشهر، وبعد الحراك أخيراً في المغرب، عاد النقاش عن "الجيل الجديد" أو "جيل زد"، هل يكون الرهان القادم؟ السؤال مشروع، لكن الإجابات، في أحيان كثيرة، ساذجة أو مستنسخة على عجالة، وقد انتبه بعض المعارضين في الخارج، خصوصاً القريبين من جماعة الإخوان المسلمين، متأخرين، فحاولوا افتعال "ثورة جيل زد" على الإنترنت. كانت محاولة بائسة ومحدودة للاستنساخ، ككل محاولات الاستنساخ التي تتجاهل السياق وتكرّر الشعارات، والدعوة إلى التظاهر من خارج مصر، تلك الوصفة التي أثبتت فشلها مرّة بعد مرّة. انتبهت السلطة، على الجانب الآخر، هذه المرة مبكراً، أدركت أهمية هذا الجيل، وخطورة أن تصل إليه أفكار معارضة قبل أن يُعاد تشكيل وعيه، فبدأ الإنفاق السخي على الدراما التلفزيونية التي تخاطب هذه الفئة تحديداً، بقصص جذابة ومشكلات تُقدَّم بقدر من الصدق، لكنها محكومة بإطار آمن لا يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء، بالإضافة إلى مبادرات عديدة، حكومية أو من أحزاب الموالاة لمخاطبة الجيل الجديد، فيما غير مسموح لأحزاب المعارضة أي تحرّك يذكر... منتهى المهانة. اتفقنا على إسقاط حسني مبارك، ثم تنازعنا على كل ما بعده، ولا نزال قرأت مؤخراً مقالات عدّة كتبها شباب من جيل زد، تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثانية والعشرين. لم يتجاوز بعضهم السابعة عندما اندلعت شرارة يناير عام 2011. الثورة بالنسبة لهم أسطورة سمعوا عنها من بعيد. ومع ذلك، المدهش أن كثيرين منهم لا يزالون يصدقون بها، رغم كل موجات التخوين والتشويه. لديهم ذكريات باهتة عن حدثٍ جللٍ لم يكونوا يفهمونه حينها، لكنه ترك أثراً غامضاً في الذاكرة. يرى بعضهم أن جيلنا قد هُزم، وأن عليه أن يتنحّى، ويعطي فرصة للجيل الجديد، وهذا صحيح، لقد هُزمنا. لكننا تنحّينا بالفعل بعدما فُعلت بنا الأفاعيل من هزيمة واعتقال وتضييق وتخوين وإهانات. أثق بأن الأمل في الجيل الجديد، إن استطاع تجنب ما وقعنا فيه من أخطاء، وإن استطاع الابتكار والخروج من ذلك الحصار. لا أزال مقتنعاً بأن الانقسام العنيف الذي حدث بعد تنحي حسني مبارك بين شركاء الميدان، إلى جانب طمع الفصيل الأكثر تنظيماً واندفاعه للاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها، كان السبب الرئيسي في فشل الثورة وانتصار الثورة المضادة. لم نصل بعد إلى أي صيغة توافق حقيقي حول ما نريده. اتفقنا على إسقاط حسني مبارك، ثم تنازعنا على كل ما بعده، ولا نزال. نحن جيل عرف الهزيمة، لكنه عرف أيضاً معنى أن يقف الناس بلا خوف، وأن يكون للصوت وزن كنا نظن أن الأحلام بسيطة، وأن المطالب بسيطة. لم نتخيّل كل هذه الوحشية والشراسة في المقاومة، لم ندرك أن الثورة لم تكن لها قاعدة شعبية صلبة بما يكفي، وأن من قاومها لم يكونوا دوائر الفساد والبيروقراطية فحسب، بل قاومها أيضاً ناسٌ عاديون، من الشعب البسيط، خائفون من الفوضى. الأغلبية ذات المزاج المحافظ، التي كان سهلاً على الثورة المضادة تجييشها لاحقاً، خصوصاً مع أخطاء الجماعة التي تصدرت للحكم في 2012 و2013. كان يناير 2011 لحظة صدق نادرة دفعت أجيال ثمنها، وربما ستفهم الأجيال الجديدة لاحقاً، لماذا حدث ما حدث، ولماذا وصلنا إلى هذا المصير؟ ولذلك؛ لا يمكن ترك الحكاية غارقةً في السواد، لأنّ الحقيقة أن الحلم لم يمت، وطالما نحن أحياء فشيء منه لا يزال يتنفس ولو بصعوبة. قد ينسحب الحلم ويتوارى ويتحول إلى همس طويل النفس، فنحن جيل عرف الهزيمة، لكنه عرف أيضاً معنى أن يقف الناس بلا خوف، وأن يكون للصوت وزن. هذه المعرفة لا تُمحى، مهما تراكم فوقها الخوف والتشويه، وربما لن نكون نحن من يقطف الثمار، وربما انتهى دورنا عند الشهادة ونقل الخبرة. لكن هذا ليس قليلاً، فالهزائم الموثقة دروس، والأجيال الجديدة لن تبدأ من فراغ، بل من تراكماتنا وجراحنا وهزيمتنا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية