المعارضة السياسية المغاربية و"إسقاط" التطبيع
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تقلص النشاط السياسي المناهض للاحتلال الإسرائيلي إلى الحدود الدنيا في أكثر من دولة مغاربية، وخصوصاً التي كانت إلى عهد قريب على أكبر وأكثر حماسة مُتَّقدة في المساندة والدعم وشعارات أخرى لا غنى عنها في جميع التحدّيات النضالية (المغرب، الجزائر وتونس). وقد رأينا كيف أنّ الفئات المهتمة في موريتانيا وليبيا لم تتجرأ، في ما يبدو، على النضال، ولم يكن مستوى ما خيض فيهما من أشكال تعبوية متفرقة دالاً ومعبّراً عن الدعم والمساندة، بل كان خالياً كذلك من المَغزى الرمزي الذي يمكن أن يُؤلف على الصعيد المغاربي بين الأبعاد العاطفية المختلفة التي للرابطة القومية المتضامنة والساعية إلى تحقيق أهداف مشتركة متى ما تقرّرت لِدَاعٍ من الدواعي. ويبدو أنه منذ "الاتفاق" بين الدولة الصهيونية الغاصبة وحركة حماس في 15 يناير/ كانون الثاني من السنة الماضية (2025، رغم أنه لم يدخل حيز التنفيذ جزئياً إلا في 19 من الشهر نفسه)، تغيرت أوضاع الحَراك السياسي المنتظم والمتواصل بصورة مفاجئة، وكأنه كان انعكاساً شرطياً لذلك الاتفاق قبل أن تُعْرَفَ أبعاده، وإيذاناً بنهايته وانطفاء شعور المتحمسين له بصورة فعلية. والأهم، في ما أرى، هو التفكك الذي أصاب عُرى الحركة التي كانت قد التأمت مِنْ قَبْلُ بسبب الغضب النضالي العارم الذي بدا شاملاً، بل مطلقاً، لا يقبل بغير التضحية ويطالب بدعم الصمود إلخ، بحيث تآلفت، في الغضب إياه، من طريق نشطائها الراديكاليين المراهنين على "التغيير الجذري" حركات سياسية سبق لها، من قبل، أن تعاقدت على النضال المشترك، في "الشارع العام" تحديداً كما يقولون، من أجل "إسقاط التطبيع" منذ وقع عليه المغرب ضمن اتفاقية أبراهام في سنة 2022. وبما أن التوقيع المذكور "التبس" في مرحلته بالقضية السياسية الوطنية، فإنه لذلك، رغم اقترانه بالشعور الوطني الآخر المتعلق بالقضية الفلسطينية، أصبح بمثابة المحرك والكابح في الوقت نفسه لطبيعة المعارضة السياسية القائمة في البلاد في اتجاهين متعارضين تقريباً: ناحية إيجابية، تنطلق من توجيه الدعم المطلق والفوري للعملية العسكرية المتقنة التي قامت بها حماس، اعتماداً على الشعار الاستراتيجي الساعي إلى "تحرير فلسطين من النهر إلى البحر"، بحيث قامت مظاهرات وَجَرَت مسيرات في أهم المدن المغربية لم تتوقف طوال مرحلة كاملة، تميزت بالكثافة والشعار الصارخ والمطالبة بفضح القوى الرجعية المتآمرة ومناشدة الرأي العام الدولي محضَ الدعم وشحذَ المساندة والتنديد بالموقف الأميركي الموالي عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لإسرائيل الغاصبة، وما تقوم به من تقتيل لعله تجاوز مختلف التقديرات التي ارتبطت بطبيعة المواجهة التي خيضت منذ 7 أكتوبر (2023). التجنيد والدعم والمساندة كانت موجهة، منذ البداية، لحركة حماس ومن يدور في فلكها باعتبارها العمود المقاوم في المواجهة المستحيلة مع العدو الناحية الثانية، سلبية من غير إطلاق، لأنها أظهرت بصورة واضحة شيئين: أن معارضة التطبيع قد تكون لها معانٍ أخرى، أبرزها وأحدها، في الشعور الوطني المغربي الخاص، تبخيس القضية الصحراوية، وبين المتظاهرين، في مختلف المدن التي خرجت لتوفير الدعم وتأكيد المساندة، فئات كثيرة تعتبر قضيتها الوطنية الخاصة فوق كل شبهة، كما ترى في إيمانها بـ"مغربيتها" فوق كل اعتبار آخر، ولو كان متعلقاً بالقضية الفلسطينية، هذا بالإضافة إلى المراهنة التي أبداها النظام السياسي القائم على التطبيع نفسه، من حيث المصالح التي يمكن أن تجنى منه لفائدة تلك القضية الصحراوية نفسها، فضلاً عن التداعيات التي تثيرها وتتسبب فيها تلك القضية على الصعيد الإقليمي في العلاقة مع الدول المغاربية الأخرى. وأما الشيء الثاني، فكامن في أنّ المعارضة السياسية خيضت في شوارع المدن المغربية تحت إيقاع الشعار، حتى لا نقول التأثير المطلق، للحركات ذات التوجه الإسلاموي، بما في ذلك "حركة مناهضة التطبيع". والمقصود أن التجنيد والدعم والمساندة كانت موجهة، منذ البداية، لحركة حماس ومن يدور في فلكها باعتبارها العمود المقاوم في المواجهة المستحيلة مع العدو. ولهذا الاعتبار قرأنا في كثير من الصحف والمواقع المغاربية ما لا يُحصى من الشتائم التي حقَّرت السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن تلك الصحف والمواقع مَنْ اعتبرها متواطئة مع العدو الصهيوني. فـ"قدسية" القضية الفلسطينية، في هذا التصور، "قدسية" تَرْدِفُ كفاح "حماس" في مواجهة "اليهود"، لأنها هي الخاصية البارزة، إلى جانب مفهوم الشهادة في حقلٍ يُجَاوِرُها، وهما اللتان طبعتا التصور "الإسلامي المغاربي" في اختلافات تأويلاته وتناقضاته منذ ثورة عز الدين القسام (1939) مروراً بحرب فلسطين (1948) إلى ظهور حماس وبناء "الدويلة الإسلاموية" في قطاع غزة (2007). وأضيف إلى هذا أن فئات يسارية راديكالية أمَّنَت على ذلك تكتيكياً فأصبحت ذيلية مجرورة بدافع النضال الطبقي، عاجزة في الوقت نفسه عن تجاوز مثبطات الأزمة المستحكمة في بنياتها وخطها السياسي ومقولاته الإيديولوجية الثورية. يبدو، من خلال هذا التأويل، أنّ مختلف أشكال النضال التي توخت الدعم والمساندة والتنديد بالغاصب ومن يعاضده، كانت في بعض تعبيراتها السياسية لمواجهة الأوضاع الخاصة التي تعيشها المعارضات في البلدان المغاربية، وكانت في المغرب موجهة بصورة أساسية لما سُمّي إسقاط التطبيع، للعلم المتحصل لدى بعض الحركات الإسلاموية من أن "حماس" لطبيعتها الإيديولوجية واستراتيجيتها في الكفاح، تستهدف مكمن التطبيع أصلاً، أي الدولة اليهودية كمشروع موعود (بلفور) مستنبت على الأرض الفلسطينية، وفي "إسقاط" هذه الدولة إسقاط للتطبيع بطبيعة الحال. لا يجب أن نُسْأَل عن الكيفية والقدرة وردود الفعل المختلفة للكيان نفسه وللمتحالفين معه على الصعيد الدولي، وكذا لميثاق الأمم المتحدة التي زكت وجوده في المنطقة العربية منذ التقسيم في سنة 1948. المعارضة السياسية خيضت في شوارع المدن المغربية تحت إيقاع الشعار، حتى لا نقول التأثير المطلق، للحركات ذات التوجه الإسلاموي بيد أن الذي لم يكن واضحاً لعموم المشاركين في المظاهرات المناوئة للصهيونية والداعمة لـ"حماس" أن العمل على إسقاط التطبيع، أو المساهمة فيه، هو، في الوقت نفسه، ولو بصورة غير مباشرة، موقف يمكن تأويله في ظرفيته بسهولة من العموم والسلطات الحاكمة، ذلك بحسب الإدراك والفهم السياسي، وأيضاً انطلاقاً من الحسابات السياسية المباشرة التي لها أهدافها في الإدانة، أو في التزكية، في المنع، أو في الإباحة، إلخ. وأول تأويل يُثَار بالنسبة إلى العموم هو الذي يُرى، بدافع من الشعور الوطني الخاص المُتَمَحوِر حول "الموالاة"، على أنه يَصُبُّ في موقف الخصوم التاريخيين للمغرب المعارضين لاسترجاع صحرائه، وهو نَفْسُه تأويلُ النظام المُطَبِّع الذي تُمَثِّلُ الدولة الجزائرية في "لا وعيه" وفي "اللاوعي الجمعي" (المُسَمى عند المشايعيين بـ"تَمَغْرَبِيتْ") سلسلة من التحديات المترابطة يمكن تلخيصها في جمل مفيدة: المنافسة السياسية والاقتصادية (الغاز والبترول) المباشرة واحداً من مصادر القوة والتجبر والتلويح بالحرب (سباق التسلح والهاجس الأمني)، فضلاً عن الدعم المتنوع والمتواصل لجبهة البوليساريو واستضافة جمهوريتها المفترضة على أراضي سيادتها، مع ما يرتبط بذلك من عدوان إيديولوجي "شعبي" ورسمي، وهو متبادل بين البلدين في أحيان كثيرة، ولعله بلغ مع الحدة والإسفاف، مع ما يبثه من أكاذيب وكراهية، ما لا يخفى على متتبع من انحطاط ودناءة. والواقع أنه عندما انحسرت، أو توقفت المظاهرات في مختلف المدن المغربية، رغم تواصل العدوان الإسرائيلي واستمراره، فقد عنى ذلك، من حيث التقدير على وجه الخصوص، أن النضال السياسي، في إطار المعارضة لنظام الحكم القائم، عندما ربط أصلاً بين مساندة "حماس" وفق تصور وشعور دينيين، وبين إسقاط التطبيع بالاعتماد على التصور السياسي الاستراتيجي "الوطني الخاص" (الصحراء)، لم ينجح في التوفيق النضالي بينهما معاً في ضوء ما كان يتطلّبه الدفاع عن قضيتين أصبحتا مُنْفَصِلتين، بعد أن كانتا مُتَّصِلتيْن منذ بداية السبعينيات في الوعي وعلى مستوى التصور والنضال: الصحراء (في علاقة بالدولة الجزائرية) وفلسطين في علاقة مركبة باليهود المغاربة وبالدولة الصهيونية المغتصبة. والمشكلة الحقيقية التي عانت منها المعارضة السياسية بحكم ذلك، أن الفتور الذي عانت منه، وفيه درجات معينة من اليأس لأن السلطة لم تُبدِ في المواجهة أي رد فعل عنيف حيالها كما كان من المتوقع، تَرَافَقَ مع تزايد جرائم القتل اليومي والتدمير المتواصل في أرض غزة من دون تمييز. ولم يكن من الغريب، بعد ذلك، أن يشتبه المناضل الإسلاموي، واليساري معه، في عدد القتلى من النساء والأطفال والرجال، لأنهم كانوا بالنسبة إليهما في الاعتبار شهداء عند ربهم، لا ضحايا إجرام تاريخي عنوانه التصفية العرقية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية