عربي
لا تزال أشواق ثورة يناير تسكن ضمير ملايين المصريين، ممن شاركوا فيها وحلموا بغد أمن، لخّصته شعاراتها الثلاث "عيش، حرّية، عدالة اجتماعية"، بالرغم من مرور 15عاماً على ذكراها المغدورة، وعدم تحقيق أحلامها النبيلة، إلا أنها لا تزال كابوساً لدى خصومها الذين لا يرغبون في تكرار أحداثها، ويصفونها بالفوضى تارة، ويشوّهونها تارة أخرى، وتحميلها كل أوزار الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه مصر بفعل سياسات الاستدانة وبيع الأصول، وتغييب المشاركة السياسية وتردّي حالة الحقوق والحرّيات، حتى ليحلم بعضٌ ممن يعيشون قسوة هذه اللحظة بالعودة إلى ما قبل 25 يناير باعتبارها مرحلة شهدت، نسبيّاً، قدراً أكبر من الانفتاح السياسي. ويذكّرنا تلك بالحملة التي طاولت ثورة أحمد عرابي التي وقفت ضد استبداد الخديوي توفيق، وفور هزيمة الثورة في 1882، اعتبروها مسؤولة عن المجيء بالاحتلال الإنكليزي.
هناك قراءات متنوعة لثورة يناير، ترى أولاها أنها تمثل حلم التغيير نحو حياة أفضل، ووطن يحترم الحقوق والحرّيات، والمثير أن أكثر الأحداث التي كانت سبباً مباشراً في الثورة، ضمن منظومة انتهاك حقوق الانسان مقتل الشاب خالد سعيد تحت التعذيب، وقبلها تزوير انتخابات 2010 الفاضح بإسقاط كل المستقلين والمنتمين إلى المعارضة، تمهيدا لتطبيق سيناريو التوريث. والقراءة الأخرى التي يحاول تقديمها رجال النظام الحالي لضمان عدم تكرارها تحميل ثورة يناير مسؤولية تردّي الأوضاع السياسية والاقتصادية، ومنها ما يتعلق بأمن مصر القومي مثل سد النهضة وجزيرتي تيران وصنافير، والتي تروّجها أجهزة الدولة والمستفيدون من مزايا التعيينات في البرلمانات، والمرضيّ عنهم في هيئات الإعلام والتنسيقيات والمجالس القومية.
ومع ذلك، لا تزال أحلام يناير تراود الأجيال المختلفة، تلك اللحظة التي جمعت الملايين من المصريين في مختلف المحافظات للايمان بشعارات بعينها، وهي امتداد لموجات تغيير واحتجاج سابقة في 1972 و1977و2003 و2005 التي حملتها حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير فيما بعد. ولا تزال ثورة 25 يناير تحتاج إلى كثير من النقد الذاتي من مختلف التيارات التي شاركت فيها وآمنت بها ورفعت شعاراتها، وكانت طرفاً في قيادة الحراك السياسي من 2011 إلى 2013، والتي سرعان ما دخلت في صدام بينها وبين بعض في أعقاب فوز الإخوان بانتخابات الرئاسة في عام 2012، والذي انتهى بمظاهرات 30 يونيو ثم إغلاق المجال العام بالكامل أمام أي تغيير سياسي جاد، من خلال استخدام التعديلات الدستورية المتوالية والإقصاء الكامل لكل قوى المعارضة، وإصدار القوانين المقيدة للحريات، والانفراد بصناعة القرار بعيداً عن كل قوى يناير التي ألقى بقوتها الصلبة خلف قضبان السجون.
لم تنجح قوى الثورة في جذب الجماهير إلى صفوفها لخوض معركة التغيير
ويرى الباحث في مطالب الثورة أنها عبرت عن أهداف نبيلة في المساواة بين المصريين جميعاً، وركزت على احترام حقهم في المشاركة والتمثيل السياسي داخل برلمان مستقل، وليس تابعاً لرجال الأعمال وسلطة الأجهزة، وأكّدت احترام حقوق المصريين في الحرية والعدالة الاجتماعية، وسعت إلى بناء أجهزتها من داخل ميدان التحرير، سواء بصيغة المجلس الرئاسي المشترك، وفي صيغ أكثر ديمقراطية. ولكن رغبة تلك القوى، ومنها جماعة الإخوان المسلمين والقوى المدنية الأخرى، تصادمت، منذ البداية، عند صياغة استفتاء مارس (2011) في متاهات نظريةٍ تخصّ بعض نصوص الدستور التي كانت أيضا فخّاً للإيقاع بين أطراف الميدان. واستمر هذا الصدام في انتخابات 2012 بتعدّد المرشحين المعبرين عن أهداف الثورة، وعند اختيار الجمعية التأسيسية التي وضعت الدستور، ثم الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الراحل محمد مرسي.
وهناك عدة أسباب أدّت إلى هذا الصدام المبكر أهمها أن القوى السياسية التي شاركت في الثورة لم تتفق على برنامج موحد تلتزم به فيما بعد 2011، ولم يكن لديها توافقات سياسية مشتركة في صياغة نظام بديل لما بعد حسني مبارك، وكان المطلب الوحيد المتفق عليه إنهاء النظام، بسبب ذلك حدثت التناقضات بين الأطراف ومحاولات تحقيق المكاسب الفردية، بل وقعت عدّة حركات سياسية في شرك محاولات النظام الإيقاع بينها وبين القوى الأخرى مقابل مكاسب سياسية، وهو ما دفع جماعة الإخوان إلى الوقوف ضد مظاهرات أمام مقر مجلس الوزراء في 2011، متمسّكين بأن السلطة للبرلمان وليس الميدان. بالرغم من أن المتظاهرين كانوا يريدون نقل السلطة إلى مجلس النواب الذي تسيطر عليه الجماعة، وتصاعد الصراع أكثر بعد فشل التوافق على جمعية تأسيسية، وإصدار الإعلان الرئاسي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، ثم الصدام أمام قصر الاتحادية.
كانت ثورة يناير صرخة من أجل التغيير وحقوق الناس، وجاءت في سياق الربيع العربي الذي بدأ بصرخة البوعزيزي في تونس ضد الفقر والاستبداد
أخطات قوى الثورة عندما فشلت في بناء قواعد جماهيرية تؤمن بأهدافها في المحافظات، ولم تستفد من المناخ السياسي الحر، فلم تنجح في جذب الجماهير إلى صفوفها لخوض معركة التغيير، سواء عبر البرلمان أو عبر بناء أحزابها، بل انعزلت في معارك السياسة، ليصبح الصراع نخبوياً وفردياً، وكذلك تعجّلت جماعة الإخوان في قطف الثمار، بعد فوزها بمقعد الرئاسة في 2012.
وأيضاً كان هناك تركيز مبالغ فيه من تلك القوى لخوض معارك جزئية، ومنها الجدل حول تعديلات الدستور من دون الانتباه إلى حقيقة الواقع التي كانت تهيمن فيه أجهزة الدولة العميقة، وتلعب الدور الرئيسي في محاولات إجهاض التغيير والالتفاف عليه من خلال تقييد مظاهر الحراك السياسي، وصولاً إلى الهيمنة على الإعلام والسلطتين، التشريعية والقضائية، وأيضاً كان أحد الأسباب تعجل جماعة الإخوان في قطف الثمار بعد فوزها بمقعد الرئاسة في 2012. في الوقت نفسه، كانت أجهزة الدولة العميقة تسعى إلى الالتفاف على مطالب يناير الذي اعتبرته تهديداً لمصالحها. وكان البعدان، الإقليمي والدولي، حاضراً بكل قوة، فلم تكن دول الإقليم راغبة في نجاح هذا النموذج وامتداده إلى دول أخرى في المنطقة، ولذلك وقفت ضده بكل الإمكانات المالية والسياسية.
بالطبع، هناك دروس مختلفة يمكن الخروج بها من فشل ثورة يناير، وهذا يتطلب من القوى السياسية المؤمنة بها دراسة كل ما حدث من خطوات سياسية وتقييم مسارها للخروج بهذه الدروس، والاستفادة بها في المستقبل. وقد كانت ثورة يناير صرخة من أجل التغيير وحقوق الناس، وجاءت في سياق الربيع العربي الذي بدأ بصرخة البوعزيزي في تونس ضد الفقر والاستبداد، وستظل ضمن ضمير الشعب، وصفحة مضيئة من أهم نضالات الحركة السياسية المصرية.

أخبار ذات صلة.
أسعار اللحوم في ليبيا تقفز 29% خلال أيام
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة
"الخطر السنّي"... ما بعد محور الممانعة
العربي الجديد
منذ 49 دقيقة