عربي
تعدّ تجربة الإسلام السياسي التونسي، كما جسدته حركة النهضة، إحدى أجرأ التجارب التي خاضتها الحركات الشبيهة في المنطقة العربية، أعنى من حيث محاولتها الانسجام مع الانتقال الديمقراطي ما بعد الثورة، وخوض غمار السلطة عبر تحالفات متنوعة ومتعدّدة، غير أن التجربة برمتها انتهت إلى طريق مسدود.
من الحكمة القول إن الممارسة الحزبية برمتها انتهت إلى العجز والفشل في تونس، رغم الفرصة العظيمة التي منحها الشعب لهذه الأحزاب، ما بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، ولم يكن إجهاض المسار الديمقراطي طارئاً كما يعتقد بعضهم، بل كان نتيجة تراكم الفشل في الممارسة السياسية لدى النخبة الحزبية التي تصدّرت المشهد طوال العشرية الديمقراطية، ولتنتهي الفسحة بإنهاء المسار التعدّدي برمته يوم 25 يوليو/ تموز2021.
غير أن مسؤولية حركة النهضة كانت أكبر من غيرها من ناحيتين: أولاهما أن التيار الإسلامي كان الأكثر استفادة من مسار الحريات الذي انطلق قطاره ما بعد سقوط نظام بن علي. وبعد الحظر والتشريد وسياسة القمع الممنهج، وجد الإسلاميون كما مثلتهم حركة النهضة في موقع القوة الأهم حزبياً في البلاد، ونالوا تعاطفاً شعبياً واسعاً بسبب مظلوميتهم التاريخية تجسّد في الأصوات الممنوحة لهم، وخصوصاً في الانتخابات الأولى سنة 2011. وثانيهما أن حركة النهضة كانت شريكاً أساسياً في كل الحكومات التي شُكِّلَت طوال السنوات العشر من الديمقراطية، وإذا كانت قد قادت حكومتين ما قبل انتخابات 2014، فإنها كانت شريكاً في كل الحكومات اللاحقة، وجاءتها الفرصة لرئاسة حكومة 2019 وتخلت عنها لتكتفي برئاسة البرلمان الذي حُلَّ سنة 2021.
لم يكن لدى حركة النهضة رؤية استراتيجية واضحة عندما كانت في السلطة، وهو ما انعكس عليها بعد خروجها منها
من الناحية النظرية، يمكن القول إن الحركة اكتسبت خبرة في العمل السياسي وفي إدارة الدولة، بالإضافة إلى وعي بطبيعة المرحلة. ومن الناحية الواقعية، ظلت حركة النهضة ساذجة سياسياً، ولا تملك رؤية استراتيجية للمرحلة، واكتفت بسياسة التحالفات المترحّلة عبر الانتقال من الموقف إلى نقيضه. فبعد التحالف مع المنصف المرزوقي ومنحه منصب رئاسة الجمهورية، انتقلت إلى الشراكة مع حزب نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي قبل أن تهجره لتتحالف مع يوسف الشاهد المنقلب على حزب نداء تونس، وهو سلوك يكشف عن انتهازية سياسية أكثر مما هو تكتيك ذكي لتحقيق أهداف كبرى. الأخطر في هذا السياق الانطباع الذي ساد عن السلوك السياسي لحركة النهضة، حيث كل من حالفها وقع في أزمة، بداية من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية برئاسة المرزوقي، وصولاً إلى حزب تحيا تونس بقيادة يوسف الشاهد، مروراً بحزب نداء تونس. لقد أدّى تمسّك قيادة النهضة بالبقاء بالسلطة تحت أي ظرف، وبكل التحالفات الممكنة، إلى تآكل الحياة السياسية وانعدام ثقة الشارع بالوجوه الحزبية، خصوصاً مع تحوّل الحياة الحزبية برمتها إلى نزاع مع النهضة أو ضدها، فاختفت البرامج السياسية والعمل الميداني وإقناع الشعب بأهمية الديمقراطية، وتركزت النزاعات على مواقع التأثير والنفوذ، وهذا ما يفسّر إلى حد كبير لماذا اختفى كثير من القيادات الحزبية ذات الأصوات العالية، منذ انتهى الدور السياسي لحركة النهضة، كأنما ارتبط نشاطهم بوجودها، واتجهت بعض قيادات هذه الأحزاب إلى البحث عن موطئ قدم مع النظام الجديد الذي تجاهل وجودها.
سلوك يكشف عن انتهازية سياسية أكثر مما هو تكتيك ذكي لتحقيق أهداف كبرى
لم يكن لدى حركة النهضة رؤية استراتيجية واضحة عندما كانت في السلطة، وهو ما انعكس عليها بعد خروجها منها، فمثلاً عندما احتدّ الصراع على اختيار أعضاء المحكمة الدستورية، ظلّ نواب الحركة في البرلمان في نزاع مع الأطراف الأخرى، والغاية ضمان قدر من النفوذ فيها، لينتهي الحال إلى قطع الطريق على تشكيل هذه المؤسّسة الدستورية المهمة، التي كان ممكناً لها أن تلعب دوراً مفصلياً في منع أي تلاعب بالنظام السياسي. بالطبع، لا يمكن تحميل حركة النهضة كل أخطاء المرحلة الديمقراطية، ولكن كل كيان سياسي أو اجتماعي يتحمل قسطاً من فشل التجربة بقدر حجمه. ولهذا كان عجز حركة النهضة عن إدارة المرحلة، لا يوازيه إلا التأثير السلبي للاتحاد العام التونسي للشغل، وهو الطرف الآخر الذي يمكن تحميله القسط الأكبر من مسؤولية انهيار مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، والذي كان يبدو لوهلة واعداً.
اليوم، مع انغلاق الأفق السياسي وتدهور العمل الحزبي والمدني وفيما تعاني حركة النهضة من اعتقال قياداتها وإغلاق مقرّاتها، يبدو أن إعادة انبعاثها لن تكون سهلة ولا يسيرة، رغم أن هذا لا يعني ضعفاً في وجودها الجماهيري. ولكن مع تغير المشهد السياسي وصعود جيل جديد، سيحتاج الأمر مفردات خطابية مختلفة، بعيداً عن مفردات المظلومية، والتنصّل من المسؤولية وتحميل الفشل للآخرين. وقبل هذا كله وذاك، ينبغي إعادة بناء ثقة الشارع بالعمل الحزبي، وإقناع الناس بأن الخيار الديمقراطي ليس ترفاً فكرياً، بل هو السبيل لبناء دولة قوية.

أخبار ذات صلة.
أسعار اللحوم في ليبيا تقفز 29% خلال أيام
العربي الجديد
منذ 51 دقيقة
"الخطر السنّي"... ما بعد محور الممانعة
العربي الجديد
منذ 52 دقيقة