المشهد هكذا يا حبيبي المواطن
Arab
1 hour ago
share
كل واحد يحاول جاهداً أن يداري حرجه ولو بالكتابة، ولو بالحكايات أو التمثيل، هل خلق الواحد ممثلاً في الأساس، حتى تصادف أن تعلّم حرفةً ما، فنسي قدراته التمثيلية الأولى وتوجه إلى الحرفة، والتي باتت كتمثيل آخر بلا مكياج وبلا خطة إنتاج وبلا أضواء ولا ديكور ولا مؤتمرات صحافية ولا جوائز أو مهرجانات؟ المهنة التي تحت جلد الواحد تحرّض صاحبها كل يوم على التمثيل، ولو من بلكونة شقته أو من داخل بيته مع قطته أو وسط أولاده، أو حتى في المقهى وهو يدخّن الشيشة أو السيجارة أو يلعب الطاولة، أو في "الأتوبيس"، أو في الطريق العام أو في حفلة التخرج أو الإحالة للتقاعد أو وهو يزوّج ابنته ويطمئن على قائمة العفش أو يعدد بنودها، فيرفع النظارة عن عينيه ويبتسم تلك الابتسامة الباهتة التي لا تعبر عن وجع أو فرح، ثم يطوي قائمة العفش ويعود إلى تلك الآية القرآنية التي سمعها من لحظات، ثم يتكلم عن دريس القمح و"مولد العدرا"، وأن الأيام تكرّ، فيتذكّر المسبحة والشاي الذي نسيه بعد الرشفتين بسبب التدقيق في أمر قائمة العفش. كل واحد يحاول أن يداري حرجه، حتى الكاتب الكبير الذي يدخل ملزماً تلك المعركة التي تدور رحاها ما بين الناشر والشاعرة من أجل الحقوق المادية وعدد الطبعات، ويتذرّع الكاتب الكبير بالطبع، مرّةً بروائح الموضوعية الشايطة، ومرّةً باللطف الحامض قدر الإمكان، كي يمرّر مقاله على الأطراف كافة، من دون أن يفرّط في منتصف عصا المصلحة التي سوف تمشي مع الواحد منا حتى حافة القبر. ولا ينسى، بالطبع، أن يمتدح الناشر الذي طبع له كتبه الأربعة في أمانة وشفافية وإخلاص، وأعطاه حقوقه كاملةً مكملةً، فتقوم على الكاتب الكبير حملةٌ قوميةٌ، حفاظاً على كرامة المرأة ويختلط في الحملة النسوي بحقوق الإنسان بالوطن، حتى ينتهي الصلح في المؤتمر المقبل على الشاي بقاعة المجلس البلدي، لأننا جميعاً في طريق واحد ومعركة واحدة، والعدو واحد، وما زال هناك يتربّص بنا الدوائر من خارجنا وداخلنا. الجميع يداري جراحه، إلا جراح المصلحة وإن نامت ما بين الأوراق غامضةً، وإن تأخّرت المصلحة تجبر الخواطر بالجوائز أو الدعوات والسفر؛ كل واحد في المشهد يؤدّي دوره كما يتمنّى أو كما يتمنّى أن تسوقه الريح نحو دفّة مركبه، كي تمشي الأحوال وتعتدل الظروف، والله يكرم الجميع، يحاول أن يتأمل المشهد، وهو مشهد متسع ومتناثر، وأحياناً يراه الواحد قبيحاً، ولكنه يداري قبحه في يافطات الإعلانات النيون في المدن الساحرة هناك بحمّامات سباحتها، وأحياناً في المسلسلات العاطفية والأهداب المصنوعة كالرماح، والمخرج هناك يتكلم عن الطاقة الإيجابية والبركة وبركات محاصيل القمح ومستلزمات الإنتاج، فمن ذاك الذي يستطيع أن يعطل المركب، حتى في نهاية الألفية الثالثة بفضل الله وحده. كل واحد يتمنّى مشهداً يحبّه، حتى الجالسة أمام باب المسجد بثوب قديم وأمامها لفّات البخور الجاوي والهندي، وحتى بائع البطيخ الذي زهّر شاله ورمى حزمة البرسيم للبغل واستعدّ بالسكين، حتى صاحب مكتب الصرافة وصاحب الميزان الحسّاس جداً والحلقان الذهب فوق كفة الميزان تهتز بنعومة وهو يحدّد السعر المطلوب، والفلاح وهو يعد الفلوس وزوجته تبحلق خفيفاً إلى بقايا ما في جوف المحفظة، فيقول لها الفلاح: (اطمني)، فتضحك، فيهتز ميزان الذهب قليلاً بالحلقان الذهب، ويضرب الفلاح كفاً بكف ويقول: (شا الله يا عدرا). الكاتب الكبير ما زال هناك يدافع عن الناشر، ونار المعركة تزحف حتى تصل إلى أوكار المنافع التي هناك؛ الناس بحق تشبه الدول في الأطماع، ولكن بميزانيات صغيرة وأسلحة من كلام وأسراب من مقالات هنا وهناك تتناثر حول وطيس المعركة التي تطاول الإنسان والأدب والمرأة والأوطان والكرامة وأشياء أخرى دائماً عن الخيانة والعمالة بالطبع. ولكن الوطن طالما كان سليماً فكل الأشياء تهون، والمركب سوف يسير بأي خشب طالما المركب قد صنع بلا أعداء. الحكايات طويلة، والمشهد غير معقد، بل المصالح هي التي تتعقد، والحفلات بالطبع تكثر صيفاً والجوائز والمواقع وخطوط الموضة. وصحيح أن هناك ذلك العنف الذي يحدُث في كل مكان، حتى في أم الديمقراطيات وأخواتها، كأن يخرج ذلك المواطن الثري جداً، وفي يده بندقية آلية، ويقتل ثمانيةً عشوائياً، رغم أنه يعمل عضو لجنة مصالحات وحزبي مرموق، إلا أنه قد يكون مريضاً نفسياً أيضاً، والوطن يتسع بالطبع للجميع، والعالم في النهاية قرية واحدة، يا حبيبي المواطن، فحافظ على بلدك، لأن القادم أجمل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows