Arab
في الخامس من يناير/كانون الثاني 2021، رفع روبرت سي. أوبراين، مستشار الأمن القومي آنذاك للرئيس دونالد ترامب، السرية عن النص الكامل لـ"الإطار الاستراتيجي الأميركي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ" الذي وضعته إدارة ترامب (مع بقاء بعض الكلمات الحساسة محجوبة). وكان أهم ما تم الكشف عنه أن الاستراتيجية المحدّثة تتمحور حول ثلاث قضايا رئيسية تواجه تحديات الأمن القومي الأميركي: احتواء الصين القوة الصاعدة، ومواجهة التهديدات التي تشكلها كوريا الشمالية، وتعزيز الريادة الاقتصادية العالمية لأميركا. وضمن المحور الأول برز السؤال التالي: كيف يمكن للولايات المتحدة الحفاظ على أولويتها الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ومنع الصين من إقامة منطقة نفوذ، وتعزيز نظام اقتصادي حر، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتعزيز السلام والازدهار الإقليميين
الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ
ما تم رفع السرية عنه في هذه الوثيقة لم يكن جديداً، فقد كان أول إعلان عن الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، في عام 2011، وعُرفت في حينه باسم استراتيجية التوجه نحو آسيا، بهدف إعادة التوازن مع الحلفاء الإقليميين. وفيما بعد خضعت لتحديثات مستمرة مع تعاقب الإدارات الأميركية بين الديمقراطيين والجمهوريين. وتركزت الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في حقبة ترامب الرئاسية الأولى (2017 ـ 2021) على مبدأ جعلها منطقة "حرة ومفتوحة" تتميز بتدفقات تجارية سلسة وحرية الملاحة واحترام سيادة القانون والسيادة الوطنية، والحدود القائمة.
جيانغ قوه: واشنطن لم تحمِ حلفاءها في منطقة الخليج العربي، ولم تسجل انتصاراً ساحقاً على دولة (إيران) أقل استعداداً عسكرياً مقارنة بالصين النووية
ثم واصلت إدارة الرئيس السابق جو بايدن توسيع الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في محاولة لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية آنذاك، كما عمدت إلى توسيع التحالف مع الفيليبين لتنفيذ استراتيجية "المنطقة الرمادية" في بحر الصين الجنوبي، باستخدام وكلاء آخرين مثل اليابان وكوريا الجنوبية. في المقابل، تقول بكين إن إدارة بايدن عزّزت انتشار قواتها من خلال توقيع اتفاقيات الوصول إلى القواعد العسكرية للحلفاء، وزيادة عمليات الانتشار الدورية، وإنها قامت تحت ستار الدفاع، بتصعيد أزمة مضيق تايوان، مُشجّعةً الحلفاء على التدخل وإثارة الاضطرابات في المضيق، وبالتالي تعزيز استفزازاتها وردعها ضد الصين.
ومع عودة ترامب إلى السلطة في 20 يناير/كانون الثاني 2025 رئيساً لولاية ثانية، تكثفت الأنشطة العسكرية الأميركية في المنطقة من خلال تعزيز المناورات المشتركة ونقل معدات عسكرية ثقيلة من بينها أنظمة دفاعية متطورة، الأمر الذي أثار مخاوف بكين ودفعها إلى اتهام واشنطن بعسكرة المنطقة. وفي مارس/آذار 2025، صرح وزير الخارجية الصيني وانغ يي علناً بأن استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ الأميركية تمثل عائقاً أكثر من كونها عاملاً مساعداً في الشؤون الإقليمية. بعد مرور أكثر من 15 عاماً على إطلاقها، تُعد الاستراتيجية الأميركية اليوم أكثر فعالية من أي وقت مضى، حيث انفجرت الأوضاع في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، بأن أي هجوم عسكري أو حصار بحري صيني على تايوان قد يُعتبر تهديداً لبقاء بلادها. هذا الحد القانوني، بموجب قوانين الأمن اليابانية المُعدّلة حديثاً، قد يُؤدي إلى رد عسكري من قوات الدفاع الذاتي اليابانية. أحد الأسباب التي ذكرتها تاكايتشي أمام البرلمان الياباني هو أن الجزيرة لا تبعد سوى مائة كيلومتر عن اليابان. ومنذ ذلك الحين، لم تبذل الكثير لتهدئة التوتر الدبلوماسي مع بكين.
هذا القلق عبّر عنه أيضاً الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس الابن، ففي وقت سابق من هذا الشهر، وخلال مقابلة مع وسائل إعلام يابانية، صرّح بأن بلاده ستكون على الأرجح طرفاً في أي نزاع حول تايوان بسبب قربها من الجزيرة. ونُقل عنه قوله: في الفيليبين، ليس لدينا خيار لأن تايوان قريبة جداً من حدودنا ولدينا ما يقرب من 200 ألف مواطن فيليبيني يعيشون ويعملون في تايوان. عند التعمق في تصريحات تاكايتشي وماركوس الابن، نجد أنهما ينطلقان من مخاوف مشتركة تتعلق بالجغرافيا السياسية، وهي عامل يبدو مهماً لفهم ما يجري في صراع القوى العظمى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وتشابكهما. وحسب الاستراتيجية الأميركية، تمتد أول سلسلة جزرية لاحتواء الصين عبر ساحل شرق آسيا، رابطةً اليابان وتايوان والفيليبين معاً.
وقامت اليابان أخيراً بإعادة تسليح قواتها، حيث تعمل على تحصين سلسلة جزر أوكيناوا ومياكو في الجنوب، والتي تُشكل جسراً عسكرياً طبيعياً إلى تايوان التي تُعدّ مركزاً محورياً في سلسلة الاحتواء الأميركية، وقد تضاعفت أهميتها بشكل كبير باعتبارها أهم مصنّع لأشباه الموصلات في العالم، مما أثار خشية دولية من أن سيطرة بكين على الجزيرة ستعني هيمنة صينية على هذا القطاع الحساس الذي يدخل في جميع الصناعات المتقدمة.
ومع ذلك، ظل تأثير الحلفاء محدوداً في القيام بأدوار فاعلة ضمن ما هو مخطط له في الاستراتيجية الأميركية التي تأرجحت على مدار عقد من زمن بين تبعية هذه الدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين للولايات المتحدة، واستقلالها الجزئي، على سبيل المثال: انتهج شيغيرو إيشيبا، سلف تاكايتشي من الحزب الليبرالي الديمقراطي، موقفاً ودياً تجاه الصين. وكان هذا تحولاً جذرياً عن موقف رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي المتشدد، الذي كان مرشد تاكايتشي السياسي. وبعد توليه منصبه، مال الرئيس الفيليبيني ماركوس الابن مجدداً نحو الولايات المتحدة، بينما تحول سلفه، رودريغو دوتيرتي، إلى معاداة الولايات المتحدة والتقارب مع الصين.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية في مركز النجمة الحمراء في بكين، جيانغ قوه، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "الحرب الأميركية الأخيرة على إيران كان لها كبير الأثر على موقف الحلفاء من استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ وإن كان ذلك غير معلن، ولكن لاحظنا جميعاً كيف أن القوى الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة مثل كوريا الجنوبية واليابان، تنصّلت من الانخراط في أزمة مضيق هرمز، وكذلك الأمر بالنسبة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)". ويضيف: "هذا يعطي مؤشراً على موقف هذه القوى من أي هجوم بري محتمل على جزيرة تايوان، لأن واشنطن لم تحمِ حلفاءها في منطقة الخليج العربي، ولم تسجل انتصاراً ساحقاً على دولة (إيران) أقل استعداداً عسكرياً مقارنة بالصين النووية". ويتابع: "بالطبع لا أحد يريد الدخول طوعاً في حرب مع الصين التي تمتلك أحد أقوى الجيوش في العالم، فهذا سيخلق تهديداً وجودياً لكل من يفكر في ذلك، وتبقى التصريحات التي يطلقها الساسة للاستهلاك الإعلامي والدعائي فقط، ولإظهار الولاء للولايات المتحدة، لكن ترجمتها على الأرض مكلفة جداً، ولا أحد من القوى المجاورة للصين مستعد لدفع هذا الثمن الباهظ".
من جهته، يرى المختص في الشأن الآسيوي في معهد فودان للدراسات والأبحاث، جينغ وي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تمثل تلاعب الولايات المتحدة الجيوسياسي بمنطقة جغرافية واسعة، تشمل شرق آسيا وجنوبها وغرب المحيطين الهندي والهادئ كما أنها سردية زائفة تنطوي على أهداف سياسية محددة مبنية على تناقضات بين الخطاب والحقائق، مشيراً إلى أن وراء الخطابات الرنانة عن حرية الملاحة والانفتاح والازدهار، يكمن سعي الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى الهيمنة، وخلق المواجهات وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
جو فانغ: الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي استراتيجية دفاعية في المقام الأول
حشد التحالفات الأمنية
ويلفت جينغ إلى أن الجانب الأهم في الاستراتيجية الأميركية يتمثل في حشد التحالفات الأمنية والشراكات العسكرية داخل المنطقة وخارجها، وكذلك حثّ الحلفاء على إظهار الولاء المطلق، وإجبار هذه الدول على إبداء استعدادها لمواجهة الصين إلى جانب الولايات المتحدة، كما فعلت تاكايتشي، والرئيس الفيليبيني ماركوس الابن. ويضيف أن "الاستراتيجية الأميركية على الرغم من أنها ترفع شعارات برّاقة مثل الانفتاح وحرية الملاحة، فإنها تهمل عمداً عمليات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة آسيا فضلاً عن المحيطين الهندي والهادئ وتُنشئ نظاماً منفصلاً، وتُجمّع منصات مختلفة بقيادة الولايات المتحدة، وهو ما يتسبّب بطبيعة الحال في تمزيق أواصر التعاون وقطع الطريق أمام أي فرصة لإرساء الأمن والاستقرار في المنطقة".
في المقابل، يقول جو فانغ، الباحث الزميل في جامعة آسيا (تايوان)، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي استراتيجية دفاعية في المقام الأول، تهدف إلى حماية الحلفاء وتعزيز أمنهم في ظل التهديدات التي تشكلها الصين، الدولة التي لديها نزاعات حدودية بحرية وبرية مع جميع جيرانها، فضلاً عن سياساتها الاستفزازية في المنطقة، مستغلة تفوقها العسكري والاقتصادي. ويضيف: لذلك تسعى الولايات المتحدة عبر العمل عن كثب مع الحلفاء في المنطقة إلى منع تنامي القدرات العسكرية والاستراتيجية للصين، وتتبع في ذلك عدة إجراءات من بينها صياغة عمليات دفاعية تلبي حاجة هذه الدول وتنفيذها مثل: منع بكين من الحفاظ على تفوقها الجوي والبحري داخل سلسلة الجزر الأولى القريبة من تايوان، ومساعدة الحلفاء على تحسين وضعهم الأمني، بما في ذلك القدرات العسكرية لضمان استقلالهم الاستراتيجي وتحررهم من الإكراه الصيني. ولولا هذه الإجراءات الرادعة، حسب جو فانغ، لأقدم الجيش الصيني على ضم جزيرة تايوان بالقوة العسكرية.

Related News
ضربات أميركية جديدة ضد موقع عسكري ومسيّرات في إيران
aawsat
19 minutes ago