Arab
سمعنا، وكرّرنا كثيراً خلف من قالوا: الاستعمار يتقاسم تركة الرجل المريض. ... والرجل المريض هو الإمبراطورية العثمانية التي حكمت بلداننا فترات متقطعة، كما في مصر والجزيرة العربية وشمال أفريقيا، أو بشكل شبه دائم كما في سورية والعراق ولبنان وفلسطين، ولا تزال كما في بعض أجزاء سورية.
سواء في مذكرات أشخاص عايشوا المرحلة، أو تاريخ كتبه مستشرقون، أو شرقيون، أو انكشاف وثائق لم تكن معروفة، فإن أي قراءة أو استعادة لسنوات ضعف الدولة العثمانية، ثم انهيارها، وما تلاها، ستصل إلى نتيجة مرعبة: ما زلنا هناك.
لم تنته بعد عملية تقاسم التركة، والتحدّيات التي واجهتنا، نحن أبناء المنطقة، ما زالت تقف في وجهنا، والأسئلة الكبرى التي طرحها التاريخ علينا، ما زالت أسئلة بدائية ساذجة، من دون إجابات، ومن دون أسئلة فرعية مولّدة.
110 سنوات على خروج العثمانيين، وما زلنا تركة، ما زلنا كومة فوضى، من تلك التي يخلفها الراحلون على عجل. صراعاتنا مديدة، وكل الحروب التي تجري على أرضنا هي حروب الوكالة، الورثة ما زالوا يتصارعون علينا، ولم تنتهِ قسمتهم بعد.
في الحرب الإقليمية الكبيرة الجارية حالياً، من نحن؟ نحن ساحة صراع، وفي النهاية سنكون مكافأة المنتصر. ما زلنا عشائر، وحتى حين نتذابح على أننا طوائف وقوميات، نجعل الطائفة أو القومية عشيرة، ونرفع الصوت بنداءات الفزعات التي تليق بعشائر صغيرة تسكن حول غدير ماء يجف ستة أشهر في السنة.
تُرفع صور أحمد الشرع في طرابلس (لبنان) أكثر مما ترفع في حماة، والسويداء تكرّر: لا أريد دمشق. حلب تبدو بعيدة عن دمشق آلاف الكيلومترات، وأربيل تتعامل مع بغداد دولة مجاورة، اللبنانيون والسوريون يتعاملون معاً كحضارتين يفصلهما محيط. مؤمنون يدعون إلى الإسلام في الحي المجاور، يظنون ذلك جهاداً، رغم أنه الحي الذي كانوا فيه قبل يومين يأكلون سندويشة شاورما، أو يشترون جلدة حنفية.
على المستويات الأخرى، يمكن أن تقرأ رحلات أبو خليل القباني، فتنتبه إلى أننا ما زلنا عند سؤال: المسرح حرامٌ أم حلال؟ وتقرأ عن تاريخ مدارس التجهيز العثمانية، فنجد أننا في تخطيط التعليم، لم نتقدّم الخطوة التالية بعد. السجل العقاري لم يكتمل، وبعد مرور 160 عاماً على تنظيمه، ما زالت نصف العقارات في سورية والعراق ولبنان تباع وتشرى بسجلات مؤقتة، أو على أوراق دفتر مدرسي، وبشهادة شاهدين.
في الأيام الماضية، سمعت وقرأت لمحللين كثر، يحاولون شرح ما يجري في السياسة التركية الداخلية، وتلمّس تأثيراته المتوقع علينا، على سورية بشكل رئيسي، وعلى العراق وفلسطين بدرجة أقل. ألغت المحكمة نتائج الانتخابات الداخلية لحزب الشعب الجمهوري، وقرّرت عزل أوزغور أوزيل بتهمة التلاعب بالأصوات، وإعادة كمال كليجدار أوغلو إلى رئاسة الحزب.
لماذا أعرف ذلك، ولديّ من الهموم الوطنية جبل؟ لماذا أكترث للبحث في ما إذا كان القرار نهائياً، أو قابلاً للطعن، وفي ما إذا كان أوزيل يستحق العزل؟ لأني سوري يعيش في سورية، لأني من تركة الرجل المريض، وتفتيت المعارضة التركية سيؤثر فيَّ بدءاً من الأسبوع المقبل. ولو كنت عراقياً أو أردنياً أو لبنانياً، فربما لن أكترث إلى هذه الدرجة الآن، لكني، بعد بضعة أشهر، سأعود خطوتين لأعرف هذه التفاصيل، لأنها ستكون قد مسّت حياتي مباشرةً. تماماً مثلما جرى حين تعيين مدحت باشا في منصب الصدر الأعظم، أو مثلما يحصل في أي قرار يصدر عن الباب العالي.
ضيّعنا قرناً ونيّفاً في المراهقة السياسية، في المناكفات والأطماع الصغيرة، في صفقة فسادٍ هنا، وتحطيم خصمٍ هناك. في تكرار الأسئلة نفسها، والدوران حول قضايا تجاوزها الزمن والعالم. وما زلنا نتناقش في المركزية واللامركزية، على أننا إيالات، وفي المفاضلة بين الحكمين، الجمهوري والملكي، على أننا مجموعة مشايخ وتجار يطلبون فيصل من الحجاز ليولّوه عليهم. ما زال المحافظ يظن نفسه والياً، والوزير جابياً، والشرطي جندرمة. ... ما زلنا عالقين في تلك اللحظة التي تُركنا فيها كومة "كراكيب" لم يرتبها أحد.

Related News
تعويل خليجي على التأشيرة الموحدة لإنقاذ السياحة
alaraby ALjadeed
11 minutes ago