ضُرب بالقاهرة: المدينة إذ يزِنُها الذهب والنحاس
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تنفتح المدن عادة على زوّارها من أبواب الحكايات، ومن تفاصيل العمارة الممتدة في الفضاء، غير أن الباحث محمد عبد الحميد يختار في كتابه "ضُرب بالقاهرة: عملات وتاريخ" (دار المعارف، القاهرة، 2025) أن يطل على التاريخ من بوابات مغايرة، بوابة المعدن الذي صمد في وجه النسيان، وتحول من أداة تداول عابرة إلى وثيقة صلبة تروي تحولاتها الكبرى. ينتهج المؤلف تفكيك المسكوت عنه في السردية التاريخية التقليدية، وينحاز إلى الأقراص الصغيرة التي تداولتها الأيدي واستقرت في الجيوب، معيداً صياغة هوية المدينة بناءً على ما تركه الذهب والنحاس من آثار لا تُمحى. في ثنايا العمل، تتبدّى النقود صنواً للسلطة، ومرآة تعكس رؤية النخبة الحاكمة لنفسها وللمجتمع الذي تديره، وهو تشابك يذكّر بأفكار كارل بولاني في كتابه "التحول الكبير"، حيث يتشابك النسيج الاقتصادي مع البنيان الاجتماعي والسياسي، وتكف العملة عن كونها مجرد وسيط تجاري لتصبح خطاباً سيادياً يحمل ملامح الحقبة التي ولدت فيها. يمنح عبد الحميد هذه القطع النقدية موقع الصدارة، جاعلاً منها مصدراً أولياً قادراً على تصحيح المرويات ومواجهة الثغرات التي تركتها النصوص المكتوبة. وتشير المنهجية التي اتبعها إلى رغبة واضحة في توسيع مفهوم الوثيقة التاريخية، مقتفية أثر المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف، الذي رأى في المخلفات اليومية البسيطة مادة غنية لقراءة التاريخ الإنساني، حيث تكتسب النقود تميزها من قدرتها على التكرار والانتشار، ما يجعلها أشد مقاومة للتلف والفقد بالمقارنة مع المخطوطات الورقية، ويمنح الكتاب قوته في تحويل العابر اليومي إلى دالٍّ تاريخي راسخ. الهوية المعرفية وتأصيل علم المسكوكات يتلمس الكتاب جذوره المعرفية في التراث العربي والمصري، معيداً الاعتبار للمؤرخ تقي الدين المقريزي الذي وضع اللبنات الأولى لعلم المسكوكات عبر أبحاثه المبتكرة في تاريخ النقود. هذا الربط يمثل رغبة في تأصيل هذا الحقل المعرفي وحمايته من الهيمنة الاستشراقية التي احتكرت هذا الفضاء طويلاً، وصاغت مفاهيمه وفق تصوراتها الخاصة. يتجلى التوازن في الطرح من خلال دمج الجهود الغربية والاستشراقية ضمن السياق التطوري للعلم. هذا التوازن الدقيق بين المحلي والعالمي يفتح سؤالاً ضمنياً يرافق القارئ: هل نحن أمام علم عربي للمسكوكات، أم أمام حقل معرفي كوني تتقاطع فيه الجهود الإنسانية؟ والإجابة التي يقترحها النصّ صراحة وضمناً هي أن المعرفة لا تُبنى إلا عبر هذا التداخل والاشتباك المستمر، ولكن بشرط أساسي وهو استعادة موقع الذات داخلها، وعدم الاكتفاء بموقع المتلقي للمدونات الغربية الصارمة. تحولات الجغرافيا  يعيد المؤلف تعريف القاهرة، بوصفها مجالاً جغرافياً وبشرياً. فالكاتب لا يحصرها في حدود المدينة الفاطمية المسوّرة ويمد أطرافها لتشمل الفسطاط والعسكر والقطائع وما تلاها من عواصم متتابعة، بما يجعلها كياناً جغرافياً تاريخياً متحوّلاً وديناميكياً. هذا التوسيع ليس إجراءً اعتباطياً، إذ يخدم فرضية مركزية تشير إلى أن النقود تكشف تحولات المركز الاقتصادي والسياسي بدقة لا تتيحها النصوص الأدبية. وتصبح "دار الضرب" مؤشراً حاسماً لبوصلة الحكم. انتقالها من الفسطاط إلى القاهرة لا يبدو مجرد حدث إداري أو تنظيمي فرضته الظروف، إنما علامة فارقة على تحوّل عميق في بنية السلطة وحركة التجارة العالمية. تكشف النقود تحولات الاقتصاد والسياسو بدقة لا تتيحها النصوص الأدبية يبلغ هذا التحليل ذروته في قراءة حريق الفسطاط الشهير عام 1168 م/ 564 هـ، الذي يظهر في صفحات الكتاب انعطافاً اقتصادياً حاسماً أنهى مركزية المدينة القديمة وصاغ واقعاً جديداً. بهذا المعنى يرى عبد الحميد التاريخ في مستوياته العميقة والبطيئة، حيث تتحكم البنى الاقتصادية الطويلة الأمد في مسار الأحداث وتوجه حركة البشر والجيوش. تظهر فصول الكتاب كيف تحولت العملة في العصر الفاطمي إلى وسيلة للدعاية السياسية والاستباق العسكري، ويتضح ذلك الفصل الذي يتناول "دنانير الحروب النفسية" في العصر الفاطمي. يقدّم الكاتب مثالاً لافتاً يتمثل في دنانير الخليفة المعز لدين الله التي سُكّت باسم مصر وضُربت فيها قبل دخول الجيوش الفاطمية إليها بسبعة عشر عاماً كاملة. تحولت النقود من وسيلة تبادل اقتصادية إلى صورة من صور استقرار الحكم، وأداة استباقية حادة، تُمهّد للسيطرة السياسية والعسكرية وتعلنها قبل وقوعها الفعلي على الأرض. إنها، بحسب هذا الطرح، شرط من شروط تحقق السلطة وتثبيت أركانها. تسهم الرموز المتداولة في تشكيل الوعي الجمعي ورسم ملامح الهوية المشتركة كما يتصور بنديكت أندرسون حول "الجماعات المتخيلة". وهكذا يحمل الدينار في طياته تصوراً عن سلطة مرتقبة، ويخلق حالة من القبول النفسي والتمهيد الذهني لدى الناس قبل وصول السلطة الفعلية إلى الأرض. أزمنة الشدة يقارب الكتاب أزمنة الأزمات عبر دراسة "الدراهم السود"، مستنداً إلى ملاحظات المقريزي حول تدهور العملة ونقص عيارها في فترات المجاعات والاضطرابات، ويربط هذا التدهور المادي بالبنية السياسية للدولة، فالعملة الرديئة تكشف عن تخلخل الشرعية وتراجع القدرة على إدارة المجال. ويتضح هنا البعد التاريخي لسياسات النقد، حيث تطرد النقود الرديئة العملة الجيدة من الأسواق، ويكشف التحليل عن كون العملة ساحة للصراع وتضارب المصالح بين الحكام والفئات الاجتماعية. يصبح كل تعديل في الوزن أو العيار قراراً سياسياً يعكس موازين القوى، ويزيل عن النقود حيادها الظاهري لتبدو أداة في قلب التدافع اليومي. صراع على الشرعية تختزل عبارة "السكة لمن غلب" طبيعة الحكم في العصر المملوكي، حيث غدت النقوش على العملة الوسيلة المثلى لإعلان الشرعية وانتزاع الاعتراف. يبرز الكتاب محاولات شجر الدر لتثبيت مكانتها السياسية عبر السك، وحذر عز الدين أيبك الذي انعكس في غياب اسمه عن العملات في بداية عهده تجنباً للمواجهات المبكرة مع الخصوم. يجسد هذا السلوك الاقتصادي مفهوم القوة الرمزية، حيث ترتكز السلطة على آليات القبول والاعتراف المجتمعي ولا تكتفي بالقوة العسكرية. يتطلب استمرار العملة قبول الناس لتداولها اليومي، ويمثل هذا القبول في جوهره اعترافاً ضمنياً بالنظام القائم ومشروعيته السياسية، فالدرهم والدينار هما الوثيقة التي يوقع عليها المجتمع كل يوم. تتحول المسكوكات وفق هذا المنظور إلى نصوص سياسية، يساهم فيها الخط والكلمة والمساحات الفارغة في صياغة خطاب السلطة وتوجيهه. تكتسب العملة أهمية توازي المراسيم الرسمية والمدونات التاريخية، وتصبح وثيقة حية تسجل تحولات الهوية السياسية للمدينة وتعلن زوال عهد وبداية عهد آخر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية