عربي
لم يكن إدغار موران (1921 ـ 2026) منظّراً سينمائياً فقط، يستعين بعلومٍ إنسانية، أبرزها علم الاجتماع، ليقرأ الفن السابع، إنتاجاً وصناعة وجماليات. فالهوس السينمائي فيه راسخٌ منذ مراهقته، إذْ يرِدُ في معلومات مختلفة عنه أنّه، في بداية ثلاثينيات القرن الـ20، "يُشغَف" بالسينما "الناطقة باللغة الألمانية"، خاصة نتاجات النمساوي غيورغ ويلهلم بابست، إضافة إلى السينما السوفييتية، وتلك المسماة في فرنسا بالسينما الشاعرية.
وإذْ يبدو هذا عادياً لا هوساً، في زمن يصنع سينمات متنوّعة، في بدايات فنّ يحتاج إلى وقتٍ لبلورة أساليب ومشاريع ومسارات، فإنّ موران، باكتشافه هذا الفن باكراً، يرى فيه منافذ إلى فهم حالات اجتماعية واقتصادية وانفعالية، يُضيف إلى الكتابة عنها مشاركةً في إخراج أفلامٍ، والكتابات تلك تكاد تكون أول من أدخل العلوم الإنسانية إلى عالم السينما برمّته. ورغم أنّ الأفلام المشارك في إخراجها قليلةٌ للغاية، تبقى أساسية في لحظة تأسيسية لما سيُصبح لاحقاً جزءاً من النتاج السينمائي غير التجاري ـ الاستهلاكي طبعاً: "سينما ـ الحقيقة".
هذه الخطوة العملية ستكون الأولى له في محاولة كشف جوانب أخرى من معنى الصورة، ومفرداتها وحاجاتها واشتغالاتها. كما أنها تأتي بعد أعوام قليلة على تأليفه كتابين، يبقيان إلى الآن جزءاً ضرورياً في "صُنع" ثقافة ومعرفة ووعي، لا فكاك منه: "السينما أو الإنسان المتخيّل" (Le Cinéma ou l'Homme imaginaire) الصادر عام 1956 (منشورات Minuit)، و"النجوم" (Les Stars) الصادر بعد عامٍ واحد (منشورات Le Seuil). علماً أنّ كتابات متفرّقة له تستند، في جوانب منها، إلى قراءاته التحليلية للسينما، كمن يبحث في كلّ فن وعلم وإنتاج عما يساهم في جعل كتاباته تحريضاً على مثابرة فعّالة في المُشاهَدة والنظرة والنقاش والنقد.
في كتابه الأول، يشتغل على "اختراع الأخوين لوميير"، الذي يُصبح "أقوى آلة أحلام على مرّ العصور"، مستكشفاً أساطير مولودة في الصالات المظلمة، وكيفية تأثيرها على الوعي الجمعي، كما يكتب جان ـ لوك دُوَان (لو موند، 31 مايو/أيار 2026)، مُضيفاً أنّ هذا التأمّل يتوسّع أكثر في "النجوم"، فلـ"آلهة الشاشة"، مُلهِمة "عبادة حقيقية"، حياتان: أفلامها وواقعها.
أمّا "سينما ـ الحقيقة" (تحديدها المختصر يُسمّيها السينما المباشرة، ويُحدّدها بكونها تتميّز برغبة في التقاط الواقع "فوراً"، ونقل شكل من أشكال الحقيقة، المتأتية منه)، فيختبرها أولاً بتعاونه مع أحد أبرز سينمائييها الفرنسيين، جان روش (1917 ـ 2004)، الذي يُعتبر "مبتكر الإثنوخيالي"، إنْ يصحّ التعبير العربي لمفردة Ethnofiction (فيلم وثائقي خيالي إثنوغرافي، مزيج من الوثائقي والخيال في مجال الأنثروبولوجيا البصرية)، وأحد منظّري الأنثروبولوجيا البصرية ومنظّريها. تعاونهما معاً يُنتج "وقائع صيف" (1961)، واختزال مضمونه سهل، رغم ما يكشفه من وقائع ويوميات باريسيين وباريسيات، يُطرح عليهم سؤال واحد: كيف تتدبّرون أموركم/أموركنّ مع الحياة؟
هذا الفيلم، المرتكز على مقالة له بعنوان "من أجل سينما ـ حقيقة جديدة"، يُعدّ "البيان السينمائي لحركة سينما الحقيقة، المُشكِّكة في قدرة السينما على التقاط الواقع، ما يؤدّي إلى نقاشات كثيرة لغاية عام 1963" ("سينما ـ حقيقة: أفلام وجدل"، سِفْرين غْراف، المنشورات الجامعية في رين، 2014). في كتابه "الذكريات تأتي للقائي" (2019)، يكتب موران أنّ فكرة الفيلم تنبثق من رغبته في تحقيق فيلمٍ سوسيولوجي، نواته الأساسية سؤال موجّه إلى كلّ فرد: "كيف تعيش؟". هذا يُشير، بعيداً عن أي قراءة نقدية، إلى هاجسٍ تتضح معالمه سريعاً: التنظير/التحليل/التأمّل مهمّ وضروري، لكنّه يزداد أهمية وضرورة باشتغال ميداني، يستعين بالكاميرا، الوثائقية تحديداً، في فهم آلياته ولغته (التنظير/التحليل/التأمّل). اشتغال كهذا ربما لن يمارسه آخرون وأخريات.
التجربة السينمائية الثانية، رغم اكتفائها بكتابة سيناريو "ساعة الحقيقة" (1964) لهنري كالِف، المُشارك معه في الكتابة إلى جانب موريس كْلافِل، تذهب إلى ما يُمكن اعتباره مخالفاً، كي لا يُقال نقيضاً، لما يجهد في طرحه، عبر سينما الحقيقة، من دون التنصّل من بحثٍ ميداني عن وقائع وحقائق. نصّ يروي حكايات فردية حاصلة زمن الحرب العالمية الثانية والمحرقة، فيتوغّل في ثنايا تساؤلات، بعضها على الأقل مطروحٌ إلى الآن: المحرقة والهوية والعلاقات البشرية والمقاومة والأسرار والمواجهة.
رحيله (29 مايو/أيار 2026) يُذكّر بانطباع قديم، سيكون أول انطباع لاحق مباشرة على قراءة "النجوم"، قبل سنين. استعادة الكتاب الآن، وإنْ سريعاً، تؤكّد هذا: سلاسة (أهذه سلاسةٌ فعلاً؟) كتابةٍ تكاد تُبعد القارئ عن كون المقروء تحليلاً فكرياً "عويصاً" لمسائل، ترتبط بصناعة السينما (وجمالياتها أيضاً)، وبصناعة نجومها، انطلاقاً من أحوال عصر "يتخبّط" باللاحق على النتائج المأسوية للحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، ومن جهدٍ يُبذل في تلك الصناعة (هوليوود أساساً، وفرنسا بالتأكيد)، التي "تتخبّط" بدورها في لحظة، يُفترض بها أنْ تكون تأسيسية مجدّداً، مع بدء تنامي سطوة الاستديوهات، ومتطلباتها المرهِقة للنجوم والصناعة.
أكتب "سلاسة قراءة"، لأنّ النص متمكّن من إيراد أفكار وتحليل بأسلوب يُقرِّب لا يُنفِّر، ويضع عالماً بكامله أمام مهتمّ/مهتمّة بتلك الصناعة (فن. ثقافة. آليات عمل. سلوك يومي. تربية. مشاهدة. إلخ)، بأسلوب يُشوِّق على متابعة القراءة، وهذا غير عابر البتّة.
