قوانين "العملاء الأجانب" تضيق على حرية الصحافة في أوروبا
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تشهد الخريطة الإعلامية في القارة الأوروبية تحولاً بنيوياً مثيراً للقلق، يتمثل في صعود التشريعات المقيدة للعمل الصحافي والمجتمع المدني تحت غطاء حماية السيادة الوطنية ومكافحة التدخلات الخارجية. هذه الممارسات التي تجد جذورها الإجرائية في النموذج الروسي لقانون "العملاء الأجانب" الصادر عام 2012، بدأت آليةً قائمةً لحصر الكيانات الممولة من الخارج، لتتحول لاحقاً إلى أداة لقمع الصحافة الحرة عبر تصنيف الأفراد والمنظمات، بمجرد تلقيهم تمويلات ضئيلة أو خضوعهم المفترض لنفوذ أجنبي، وها هي تستقر اليوم ظاهرةً عابرة للحدود داخل أوروبا. أسفر هذا النموذج في نشوئه عن تصنيف ما لا يقل عن 355 مؤسسة إعلامية وصحافياً عملاء أجانب داخل روسيا. واليوم، يتمدد هذا الفكر التشريعي ليجتاح النطاق الجغرافي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والدول المرشحة للانضمام إليه على حد سواء، مشكلاً أزمة عميقة تؤثر على بنية التعددية الإعلامية وحق المجتمعات في الوصول إلى صحافة استقصائية مستقلة وعالية الجودة. تكشف البيانات الرقمية الموثقة عن حجم هذه الهجمة التشريعية والإعلامية الممنهجة في القارة؛ فبين مايو/أيار 2024 ومايو 2026، رصد المعهد الدولي للصحافة وشركاؤه 154 انتهاكاً لحرية الصحافة ارتبطت بقوانين التجسس لصالح جهات أجنبية أو الاتهامات بالتأثير الخارجي، وهي انتهاكات مست مباشرةً 272 فرداً أو كياناً إعلامياً. تتوزع هذه الحالات بين 68 انتهاكاً وقعت داخل دول الاتحاد الأوروبي، و86 انتهاكاً في الدول المرشحة للانضمام. في عام 2025 وحده، سجلت قاعدة بيانات رسم خرائط حرية الإعلام (MapMF) ما مجموعه 1481 انتهاكاً عاماً لحرية الصحافة، حظيت دول الاتحاد بنصفها تقريباً بواقع 740 اعتداءً، بينما نالت الدول المرشحة 741 اعتداءً. وفي ما يخص قضايا "العملاء الأجانب" وسرديات التمويل الخارجي تحديداً خلال عام 2025، وثق التقرير السنوي 72 انتهاكاً أثرت على 142 صحافياً ومؤسسة، توزعت بين 34 حالة في الاتحاد الأوروبي و38 حالة في الدول المرشحة، إذ تصدرت المجر وجورجيا المشهد بواقع 18 حالة لكل منهما خلال ذلك العام. يرتبط هذا الاستهداف القانوني والمجتمعي بطبيعة البيئة الاقتصادية الهشة التي تعمل فيها وسائل الإعلام المستقلة، لا سيما في دول وسط وشرق أوروبا؛ إذ تفتقر الأسواق المحلية إلى بيئة إعلانية حرة، وتسيطر السلطات السياسية على الإعلانات الحكومية لتوجيهها حصراً نحو المنابر الموالية لها، لتصبح المنح الدولية والتمويلات الخارجية شريان الحياة الوحيد لضمان استمرار الصحافة الاستقصائية. في أوائل عام 2025، تعمقت هذه الأزمة البنيوية مع بدء الإدارة الأميركية تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، وهي أحد أكبر المانحين الدوليين للمؤسسات الإعلامية عالمياً، ما ضاعف الضغوط المالية ووفر للأنظمة السياسية فرصة سانحة لاستغلال هذا التحول وتكثيف ملاحقتها للمنصات التي باتت تعاني عجزاً تمويلياً. وقد تجلى هذا الأثر بوضوح في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عندما تقرر إغلاق الخدمة الناطقة باللغة المجرية لإذاعة أوروبا الحرة "ساباد أوروبا" (Szabad Európa) عقب قطع تمويلها بحجة تعارض محتواها مع التوجهات السياسية، ما شكل ضربة قاصمة للتعددية الإعلامية في المجر وحرم الجمهور من نافذة إخبارية مستقلة. تقدم الحالة الجورجية النموذج الأوضح للتراجع السريع والحاد في حرية الصحافة على مستوى القارة الأوروبية؛ إذ قاد حزب الحلم الجورجي الحاكم سلسلة متسارعة من الإجراءات التقييدية، شملت إقرار البرلمان لنسخة قاسية من قانون "تسجيل العملاء الأجانب" في إبريل/نيسان 2025، تفرض التزامات صارمة وغرامات مالية تصل إلى 25 ألف لاري جورجي (قرابة 9364 دولاراً أميركياً)، وعقوبات بالسجن تصل إلى خمس سنوات في حالات عدم الامتثال. ولم يكتفِ المشرع الجورجي بذلك، بل اعتمد البرلمان في يونيو/حزيران 2025 تعديلات قانونية على منظومة المنح تلزم الجهات المانحة بالحصول على موافقة مسبقة من السلطة التنفيذية قبل صرف أي أموال، تزامناً مع إقرار تعديلات على قانون البث منحت بموجبها الهيئة التنظيمية صلاحيات واسعة لفرض غرامات تصل إلى 3% من العائدات السنوية للمؤسسات الإعلامية، أو إلغاء تراخيصها تحت دعاوى مراجعة الدقة والإنصاف. هذه المنظومة القانونية الخانقة، سمحت لمكتب مكافحة الفساد بشن تحقيقات ضد منصات استقصائية متميزة مثل "مشروع 64" ومؤسسة "آي فاكت"، إضافة إلى ملاحقة القيادات الإعلامية المستقلة وسجنها. هذه العدوى التشريعية والقمعية لم تبقَ محصورة في فضاء جغرافي واحد، بل سجل التقرير السنوي لعام 2025 وجود 12 مبادرة قانونية وتشريعية مرتبطة بالتضييق على التمويل والنفوذ الخارجي شملت جورجيا، والمجر، والبوسنة والهرسك، وبلغاريا، والتشيك، وسلوفاكيا. ففي جمهورية صربسكا، الكيان الكونفيدرالي ضمن البوسنة والهرسك، مرر البرلمان في فبراير/شباط 2025 قانوناً خاصاً بالعملاء الأجانب، يفرض قيوداً صارمة على المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الإعلامية غير الربحية ويلزمها بتصنيف نفسها عملاء أجانب، ورغم إبطال المحكمة الدستورية لاحقاً بنوداً رئيسية منه لتناقضها مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إلا أن القانون خلف ضغوطاً إدارية هائلة شلت عمل الصحافة الاستقصائية.  حماية السيادة تحولت في بعض الدول إلى غطاء لتقويض التعددية الإعلامية في سلوفاكيا، صادق البرلمان في إبريل 2025 على قانون شفافية معجل يلزم المنظمات بالإفصاح المفصل عن أي مانح تتجاوز مساهمته خمسة آلاف يورو، متيحاً صلاحيات موسعة لجهات التسجيل تشبه النماذج المجرية والروسية. في جمهورية التشيك، تزامن إعلان البرنامج الحكومي الجديد في أكتوبر/تشرين الأول 2025 مع طرح مقترح لشرط الإفصاح العلني عن التمويل الخارجي للمنظمات النشطة سياسياً، إذ وجه رئيس الوزراء القادم أندري بابيش اتهامات مباشرة لرئيسة تحرير موقع الصحافة الاستقصائية Investigace.cz، بافلا هولكوفا. وتكتمل هذه الحلقة مع مصادقة البرلمان البلغاري في نوفمبر 2025 على إنشاء لجنة برلمانية للتحقيق في تمويل المنظمات، وسط مبادرات مماثلة تشهدها صربيا. وفي المجر، اتخذت عملية ملاحقة الصحافة طابعاً مؤسسياً دائماً وممنهجاً عبر "قانون حماية السيادة" المعتمد أواخر عام 2023، وأُنشئت بموجبه وكالة جديدة تُعرف باسم مكتب حماية السيادة (SPO). وقد أساءت هذه المؤسسة استخدام سلطاتها تمييزياً باستمرار، مستهدفة وسائل الإعلام الاستقصائية والناقدة، عبر تصنيفها زوراً في خانة عملاء لمصالح أجنبية. المجر وجورجيا في صدارة حصار العمل الإعلامي تحت شعار السيادة وخلال عام 2025، امتدت هذه الممارسات التشويهية إلى فضاءات الإعلام الرقمي؛ إذ كشف تحقيق استقصائي عابر للحدود في أكتوبر 2025، عن استخدام فاعلين سياسيين في المجر والتشيك وسلوفاكيا الإعلانات المدفوعة على منصات شركة ميتا، لشن حملات شيطنة منسقة ضد الصحافيين المستقلين، ووصمهم بالجواسيس وأعضاء شبكة سوروس، واتهامهم بالخيانة الوطنية. ورغم أن الضغوط الشعبية والانتقادات الدولية الواسعة دفعت الحكومة المجرية إلى تجميد مشروع قانون "شفافية الحياة العامة" في مايو 2025، والذي كان يمنح المكتب صلاحيات إضافية لإدراج المؤسسات في قوائم سوداء، إلا أن الأثر النفسي والمهني لهذه الحملات ظل بليغاً في تعميق الرقابة الذاتية وتشويه السمعة. تظهر القراءة التحليلية لهذه القوانين تشابهاً لافتاً في المبررات والحجج التي تسوقها النخب الحاكمة لتسويغ سَنِّها؛ إذ تُقدم هذه التشريعات دائماً تحت ستار تعزيز الشفافية، وحماية الأمن القومي والسيادة، ومنع التدخلات الأجنبية. إلا أن التطبيق الفعلي يكشف أن الغايات الحقيقية تكمن في تشويه سمعة الأصوات الناقدة، وقمع المعارضة، وإضعاف الصحافة المستقلة أو القضاء عليها تماماً عبر إغراقها في التزامات إدارية معقدة وغرامات مالية باهظة. ولا يحدث هذا السن التشريعي بمعزل عن السياق العام، بل يسبقه بعقود وسنوات من حملات التشويه المنظمة التي تقودها السلطات لوصم الصحافة بالعمالة والجاسوسية.  355 صحافياً ومؤسسة إعلامية صُنّفوا "عملاء أجانب" داخل روسيا توضح بيانات عام 2025 تحول المسؤولين الحكوميين والفاعلين السياسيين إلى مصدر رئيسي للتهديد؛ إذ كانوا مسؤولين عن 17.7% من إجمالي الاعتداءات الموثقة في أوروبا، ويرتفع هذا المؤشر ارتفاعاً مقلقاً داخل دول الاتحاد الأوروبي ليصل إلى 20.9%، ما يثبت استغلال المنصات الرسمية لتشويه الصحافة الحرة. أمام هذا التمدد المخيف للتشريعات القمعية وسرديات الشيطنة، تبدو الردود الصادرة عن المؤسسات المركزية للاتحاد الأوروبي متأخرة وقاصرة عن إحداث ردع يحمي البيئة الصحافية. ومع أن المفوضية الأوروبية أطلقت إجراءات انتهاك في فبراير 2024 ضد قانون حماية السيادة المجري، مستندة إلى انتهاك الحقوق الأساسية وقواعد السوق الداخلية، وتبنى الاتحاد تالياً تشريعات مثل "قانون حرية الإعلام الأوروبي"، إلا أن الواقع الميداني الذي يوثقه تقرير عام 2025 يؤكد استمرار غياب رد شامل وحازم لمواجهة تنامي هذه القوانين. يمنح الاكتفاء بالإجراءات البيروقراطية الطويلة والبيانات الدبلوماسية الحكومات السلطوية الوقت الكافي لتصفية المنصات المستقلة، وتغيير الهياكل الإعلامية قبل المواعيد الانتخابية. ويتحول هذا التقاعس الدولي إلى ضوء أخضر يهدد بتحويل فضاءات ديمقراطية عديدة إلى ساحات مفتوحة للرقابة الرسمية، ما يقوض حق المجتمعات في المعرفة ويضعف من مناعة الديمقراطية الأوروبية بأسرها أمام آليات الاحتواء والاستبداد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية