عربي
خلال لقائهما عالي المخاطر الأسبوع الماضي في بكين، سأل الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأميركي دونالد ترامب عمّا إذا كانت القوتان قادرتين على تجنب "فخ ثيوسيديدس"، مستدعياً من عمق التاريخ نظرية جيوسياسية قديمة تقوم على خطر اندلاع حرب بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة. وتعود هذه الفكرة إلى المؤرّخ والفيلسوف اليوناني ثيوسيديدس الذي وثّق الحرب بين أثينا وإسبرطة، التي استمرّت 27 عاماً قبل أكثر من 2400 سنة، وغيّرت موازين العالم الإغريقي آنذاك.
يقوم "فخ ثيوسيديدس" على فرضية أن القوة المهيمنة تجد صعوبة في التعايش مع صعود قوة منافسة، فتميل إلى اعتبار المواجهة العسكرية حتمية، رغم أن الحرب ليست دائماً الخيار الوحيد الممكن. ففي ذلك الزمن البعيد، كان الخوف المتزايد الذي أثاره صعود أثينا الديمقراطية لدى إسبرطة، القوة المهيمنة عسكرياً وسياسياً، سبباً مباشراً في اندلاع حرب مدمّرة انتهت بانتصار إسبرطة، لكنها خرجت منها منهكة. ولم تمض سنوات طويلة حتى دخلت في صراعات جديدة مع جيرانها وحلفائها السابقين الذين انقلبوا عليها، لتفقد نفوذها وتنهار قوتها نهائياً. أما أثينا، فرغم هزيمتها، نجت من الفناء، وأعادت بناء قوتها، لكنها تعلمت درساً قاسياً، أن إدراك حدود القوة شرط للاستمرار، خصوصاً أمام إمبراطوريات أكبر وأكثر رسوخاً مثل الإمبراطورية الفارسية.
بهذا المعنى، بدا شي جين بينغ وكأنه يوجّه رسالة مبطنة إلى ترامب، أن وقوف الولايات المتحدة، بوصفها القوة المهيمنة، في مواجهة صعود الصين قد يدفع العالم نحو مواجهة كارثية لا يريدها أحد. وربما أراد أيضاً أن يطمئن واشنطن بأن صعود بكين لا يعني بالضرورة الحرب، وأن هناك خيارات أخرى غير منطق الاحتواء والمواجهة. فمحاولة خنق قوة صاعدة قد تتحوّل إلى خطأ استراتيجي مكلف، وربما لو تقبلت إسبرطة صعود أثينا بدل السعي إلى تحطيمها، لكان بإمكان القوتين التعايش زمناً أطول. والسؤال اليوم: هل استوعب ترامب هذا الدرس التاريخي؟
بدل أن تنجح واشنطن في إخضاع بكين اقتصادياً، انقلبت المعركة على صاحبها، وخسرت الولايات المتحدة جزءاً مهماً من مصداقيتها الدولية
ما يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة باتت، في كثير من جوانب المشهد الدولي، تحاكي إسبرطة القديمة، بينما تبدو الصين في موقع أثينا الصاعدة، فالأرقام والمؤشرات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية تؤكد أن بكين تواصل تعزيز مكانتها العالمية بثبات. بل إن الحضور الدبلوماسي الصيني بات أكثر اتساعاً وتأثيراً، فما إن غادر ترامب بكين على متن طائرته الرئاسية حتى أعلنت الصين عن زيارة مرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمناسبة الذكرى ال25 لمعاهدة الصداقة، والاحتفال بالشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين منذ التسعينيات.
ولم يعد الأمر يقتصر على روسيا، فمنذ أشهر، توافد إلى بكين كثيرون من كبار قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، فضلاً عن مشاركة زعماء دول عديدة في قمم ومنتديات احتضنتها الصين، بينها قمة منظمة شنغهاي للتعاون والعروض العسكرية الكبرى التي حضرها بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وبالنسبة إلى كثير من دول الجنوب، وحتى لبعض الأوروبيين، أصبحت الصين قوة محورية لا يمكن تجاوزها.
في المقابل، يبدو ترامب أكثر عزلة من أي وقت مضى، فباستثناء اتصالات متفرّقة مع بعض القادة، أو اتصالاته المستمرّة والطويلة مع صديقه بنيامين نتنياهو، لم يعد له تواصل حقيقي ومستقر مع حلفائه التقليديين، خصوصاً الأوروبيين الذين تراجعت ثقتهم بواشنطن بشكل ملحوظ، إلى درجة أصبح الرجل يتحرّك منفرداً، مهاجماً حلفاءه أحياناً، ومظهراً قدراً كبيراً من الاستخفاف بالشراكات التقليدية التي شكلت لعقود أساس النفوذ الأميركي في العالم.
وقد جاءت الحرب التجارية التي أطلقها ضد الصين لتكشف حدود هذا النهج، فبدل أن تنجح واشنطن في إخضاع بكين اقتصادياً، انقلبت المعركة على صاحبها، وخسرت الولايات المتحدة جزءاً مهماً من مصداقيتها الدولية، كما فقدت ثقة عدد من حلفائها وشركائها. وفي المقابل، لم تتمكن من كسر الإرادة الصينية، بل ساهمت، من حيث لا تريد، في تعزيز التقارب بين الصين وروسيا، وفي دفع دول الجنوب إلى البحث عن بدائل للنظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
أي انزلاق إلى مواجهة مباشرة قد يقود إلى كارثة دولية غير مسبوقة
أما المواجهة مع إيران، فقد زادت من تعقيد المشهد، فالحرب التي كان يُراد لها أن تعيد تأكيد الهيبة الأميركية تحوّلت إلى مصدر استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري، وكشفت هشاشة النظام العالمي أمام اضطراب إمدادات الطاقة وتهديد الملاحة الدولية. وبدا أن طهران، رغم عقود الحصار والعقوبات، نجحت في كشف إحدى نقاط ضعف القوة الأميركية المتمثلة في اعتماد الاقتصاد العالمي على الاستقرار الجيوسياسي الذي لم تعد واشنطن قادرة وحدها على ضمانه.
في المقابل، يواصل شي جين بينغ تقديم نفسه في صورة الزعيم الهادئ والواثق، في انسجام مع الرؤية الصينية التي تروج منذ سنوات فكرة "صعود الشرق وتراجع الغرب"، وهي رؤية لم تعد مجرّد شعار دعائي، بل تحوّلت إلى جزء من العقيدة الاستراتيجية الصينية. فبكين ترى أن الزمن يعمل لصالحها، وأن أخطاء واشنطن المتكرّرة تمنحها فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها بهدوء، عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية، وعبر تعميق حضورها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ومع هذا، تدرك الصين أن الطريق إلى الزعامة العالمية ليس مفروشاً باليقين، فهي، رغم ثقتها المتزايدة، تتحرّك بحذر، لأنها تعرف أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر، وأن أي انزلاق إلى مواجهة مباشرة قد يقود إلى كارثة دولية غير مسبوقة.
لهذا، لم يكن استدعاء شي جين بينغ حكمة ثيوسيديدس مجرّد استعراض ثقافي أو اقتباس تاريخي لتأثيث خطاب دبلوماسي، بل كان تحذيراً سياسياً عميقاً. فالعالم يقف اليوم أمام لحظة شبيهة بلحظات التحوّل الكبرى في التاريخ، حيث يمكن لسوء التقدير، أو للغرور الإمبراطوري، أو لسياسات الاحتواء والمواجهة، أن تدفع البشرية إلى صدام مدمّر. ويبقى السؤال المعلق: هل يملك دونالد ترامب ما يكفي من الحكمة لفهم درس ثيوسيديدس قبل فوات الأوان؟ لأن الحرب الأميركية الصينية إذا وقعت فستكون نهاية العالم، على الأقل، كما نعرفه اليوم.

أخبار ذات صلة.
الجزائر... في جلد المعارضة
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة