عربي
ما الذي تغيّر في الجزائر حتى اقتنعت نخب سياسية وقوى حزبية كانت على نقيض المسار الانتخابي، بضرورة المشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من يوليو/تموز المقبل، وبالعدول عن خيار المقاطعة؟ سواء كان هذا السؤال متأخراً في السياق الحالي بعد إغلاق باب الترشيحات، أو مقدمة لنقاش موضوعي حول المسألة، فإنه يبقى مفتاحاً لفهم تحوّلات في موقف هذه النخب، ومدخلاً ضرورياً لإنصافها من التفسير التقليدي الذي يختزل الأمر في توصيفات ظرفية أو مطامح مادية.
لفترة ليست بالقصيرة، وبأدوات مختلفة ومتعددة، تعرضت النخب والكيانات المعارضة في الجزائر لمطرقة مستمرة من تشويه الاختزال السياسي، لمساراتها ومواقفها وشخصياتها، ومحاولات للتقليل من خطابها، وحملات التشكيك في منطلقاته، التي ترى المصلحة العامة من زاوية مختلفة، ومحاصرة نطاقها السياسي والإعلامي. لقد ظلت هذه النخب والقوى المخالفة في تصوراتها السياسية لتصورات السلطة، في دائرة التسديد ضدها لإشغالها، سواء شاركت في الانتخابات أو قاطعت، وسواء اتفقت مع السلطة في خيارات ومحطات أو اختلفت في أخرى.
برزت بعض القراءات السياسية، وستبرز بشكل أكبر في خضمّ الحملة الانتخابية (بين السادس من يونيو/حزيران المقبل و29 منه)، تلك التي تختزل تحولات موقف النخب والرموز المحلية التي رفضت في خضم الحراك الشعبي عام 2021، الانخراط في المسار الانتخابي والمؤسسة التمثيلية، نحو الترشح للبرلمان في الانتخابات المقبلة، في حدود "انتهازية سياسية" أو "تطلع نحو طموح مادي"، أو بحثاً عن "سلم اجتماعي". وهي تفسيرات إضافة إلى كونها بالغة السطحية في قراءة المشهد السياسي، وفهم دينامياته المحركة، سقطت في فخ التفسير الشعبوي، سواء ذلك الذي يستبطن من أساسه، رفضاً لوجود المعارضة، أو ذلك الذي يرى أن المعارضة ليست سوى ظاهرةٍ وتصلبٍ في حالةٍ من العدمية.
تملك المعارضة في الجزائر كل الحق السياسي والأدبي في تغيير مواقفها ومراجعة خياراتها، في نطاق مشهد ذي نسق متآكل، وتجربة سياسية جزائرية لم تثبت بعد بفعل التغيرات السريعة. ثمة ضرورة لتغيير الذهنيات السياسية والنخبوية المشوشة التي ولدت داخل معنى عتيق ومغلق من المفاهيم والتصورات، لأن المقاطعة ليست خطاً سياسياً، لا هي عربة ولا هي حصان، كما أن المشاركة بحد ذاتها ليست برنامجاً انتخابياً. في بعض الظروف يكون الحفاظ على الفكرة السياسية أكثر أهمية، حين يكون السعي لإنجازها واقعاً غير ممكن. الانتخابات وسيلة وليست غاية، والبرلمان ساحة من ساحات التدافع السياسي، لا يتوقف عنده المسار ولا يبدأ منه، وعوضاً عن جلد المعارضة ونخبها التي سعت في نطاق ما يتوفر لها من ظروف وأدوات، يتعين السعي إلى فهم ما يستدعي الدراسة والفهم والمعرفة، عزوف الناخبين الذي هو موجه بالأساس ضد السلطة وقوى الموالاة التي تشكل حزامها السياسي والحكومي.

أخبار ذات صلة.
مؤشر حرية الكتابة
العربي الجديد
منذ 27 دقيقة