عربي
لكل حرب جزّارها. وفي السودان، يبدو أن "أبو لولو" يتصدر لائحة جزّاري الحرب المتواصلة منذ إبريل/نيسان 2023، بين الجيش و"الدعم السريع"، باعتباره من الأيدي القذرة الكثيرة، لتنفيذ مجازر "الدعم" في الفاشر بشمال دارفور وغيرها، وجرائم السرقة والبطش والترهيب. ولولا الفيديوهات التي ينشرها بنفسه، أو التي يَطلب تصويرها وهو يرتكب جرائمه، لما كان "أبو لولو" حظي بتلك الشهرة، إذ ليست خفية شهرة "الدعم السريع" في السودان، بوصفها واحدة من أكثر المليشيات استخداماً للعنف، والقائم في الكثير من الأحيان، قبل سقوط نظام عمر البشير وبعده، بصورة منهجية على الحسابات العرقية والإثنية. وبعد الحرب، تضاعفت جرائم "الدعم" من القتل الجماعي إلى الاغتصاب إلى النهب والتعفيش، وهو ما جسّده نموذج "أبو لولو" الذي عاد اسمه إلى الواجهة أخيراً، في ظلّ الانشقاقات التي تعاني منها "الدعم" والمعلومات عن إعادة إطلاق سراحه، أخيراً، بعدما عمدت هذه القوات إلى إعلان اعتقاله، العام الماضي، على الأرجح لتهدئة الرأي العام الدولي، بعد ما كُشف عن المجازر التي ارتكبتها في الفاشر، إثر سيطرتها عليها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
أبو لولو طليقاً
وكشفت وكالة رويترز، أول من أمس الاثنين، أن "أبو لولو"، أعيد إطلاق سراحه بعد اعتقاله أواخر العام الماضي، بحسب مصادرها، رغم استمرار "الدعم" في نفي ذلك، وتأكيدها أنه لا يزال معتقلاً وسيحاكم في "محكمة خاصة". وقالت تسعة مصادر للوكالة، إن الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بـ"أبو لولو"، أطلق سراحه وعاد إلى القتال في كردفان، بعدما كان اعتُقل أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية بسبب مقاطع فيديو تُظهره وهو يعدم أشخاصاً عزلاً في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي تمكنت "الدعم" من السيطرة عليها في أكتوبر الماضي، عقب حوالي عام ونصف العام من الحصار والتجويع والتطويق الذي فرضته على المدينة، بما هو أحد أهدافها الاستراتيجية في إقليم دارفور.
نفت "الدعم السريع" الإفراج عن أبو لولو وأكدت أنه سيحاكم بمحكمة خاصة
وقال مصدران، وهما مسؤول في الاستخبارات السودانية وقائد "الدعم"، لـ"رويترز"، إنهما شاهدا شخصياً "أبو لولو"، وهو "عميد" قوات الدعم السريع، واسمه الحقيقي، الفاتح عبد الله إدريس، في ساحة القتال بكردفان في مارس/آذار الماضي. وقال ضابط بالجيش التشادي للوكالة، إن ضباطاً في "الدعم" كانوا طالبوا بإعادة أبو لولو إلى الميدان لتعزيز معنويات القوات التي تخوض معارك عنيفة هناك.
وتحدثت "رويترز" في المجمل مع 13 مصدراً قالوا إنهم على علم بالإفراج عن أبو لولو، بينهم ثلاثة قادة في "الدعم"، وضابط فيها، وأحد أقارب أبو لولو، وضابط تشادي، وسبعة مصادر لها اتصالات بقيادة "الدعم" أو على اطلاع بمعلومات استخبارية بشأن عملياتها الميدانية.
لكن أحمد تقد لسان، المتحدث باسم حكومة "تأسيس" وهي حكومة التحالف الذي تقوده "الدعم السريع"، نفى للوكالة، الإفراج عن أبو لولو، مؤكداً أن محكمة خاصة ستحاكمه هو وآخرين متهمين بارتكاب انتهاكات خلال هجوم الفاشر. وجاء في البيان أن "الحديث بأن أبو لولو تمّ إطلاق سراحه حديث غير صحيح ومغرض، أبو لولو والآخرون المتهمون في انتهاكات عند تحرير الفاشر، موجودون قيد التوقيف في السجن منذ القبض عليهم ولم يخرج قط من السجن".
لكن لا أحد بإمكانه التأكد من أي معلومة من هذا النوع، في بلد غارق بالفوضى والحرب الأهلية منذ سنوات. فضلاً عن أن العقوبات الدولية التي فرضت على "أبو لولو"، لا قيمة لها فعلياً على أرض الواقع، ولن تكون محلّ اهتمام لمجرم حرب، وتظهر مراجعة عدد وافر من الفيديوهات المتداولة على "إكس" و"تيك توك"، وبعضها نشرها أبو لولو بنفسه هول جرائمه، فهو أو مرافقوه نشروا فيديوهات عدة له، وهو يقتل مواطنين، بدم بارد، وليس بطلقة واحدة في الرأس، بل بطلقات نارية عشوائية.
أبو لولو ومرافقوه نشروا فيديوهات عدة له، وهو يقتل مواطنين، بدم بارد، وليس بطلقة واحدة في الرأس، بل بطلقات نارية عشوائية
تعويض عن الانشقاقات
وكان قائد "الدعم السريع"، محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي، اعترف نهاية أكتوبر الماضي، بوقوع تجاوزات من قواته في الفاشر، وقال إن لجانا للتحقيق وصلت المدينة وبدأت عملها للمحاسبة العلنية والفورية لأي جندي أو ضابط ارتكب جرماً. وإثر ذلك، جرى الحديث عن احتجاز "الدعم" لأبو لولو، الذي يظهر دائماً بلباس عسكري في الفيديوهات، حاملاً سلاحه، وضاحكاً في وجه ضحاياه. ونشرت "الدعم" صورة لأبو لولو وهو مكبّل اليدين، وبثّت مواقع إعلامية مقربة منها، تقارير عن اعتقاله، ولقطات له داخل سجن، وهو ما لا يمكن التأكد من مصداقيته أو جديته.
وبعد المقاطع التي أظهرت أبو لولو يعدم ضحاياه بدم بارد، أصبح يشتهر بلقب "جزار الفاشر"، وهو اللقب الذي أشار إليه مجلس الأمن عندما فرض عليه عقوبات في 24 فبراير/ شباط الماضي بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، علماً أن تحقيقاً مستقلاً للأمم المتحدة، كان خلص أيضاً إلى أن عمليات القتل الجماعي في الفاشر تحمل سمات الإبادة الجماعية. كما خلص تحقيق منفصل أجرته المنظمة الدولية إلى مقتل ما يربو على ستة آلاف على يد مقاتلي "الدعم" من 25 إلى 27 أكتوبر الماضي. وتُظهر أربعة مقاطع فيديو تحققت منها "رويترز" أن أبو لولو أطلق النار على ما لا يقل عن 15 أسيرا أعزل في الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025، كانوا جميعهم يرتدون ملابس مدنية.
وكانت قناة الجزيرة نشرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تقريرا قالت فيه إن أبو لولو أُفرج عنه، مستندة إلى مقاطع فيديو غير محددة المصدر على الإنترنت. لكن في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول، قالت لجنة المساءلة التي عينتها قوات الدعم السريع لوكالة رويترز، إن أبو لولو لا يزال محتجزا لديها، لكن أربعة مصادر عادت لتؤكد لـ"رويترز" في تقريرها الجديد، أنه أفرج عنه في ديسمبر الماضي، وبأمر من شقيق حميدتي، عبر الرحيم دقلو. وقال أحد قادة "الدعم" إن القيادة أمرت الضباط الآخرين بالتزام الصمت بشأن عودة أبو لولو، وقد طلب منه عدم التصوير. وقال أحد قادة "الدعم"، للوكالة، إن أبو لولو "حرّ منذ نحو ثلاثة أشهر أو أربعة، وهو في ساحة المعركة مع قواته". وأشار قريب له إلى أن "الدعم" بحاجة إلى خدماته لأن القوات تواجه صعوبات، حيث تواجه قتالاً عنيفاً في كردفان.
وتعاني قوات الدعم من انشقاقات في صفوفها، وقد عاد بعد قادتها لينضموا للجيش. لكن حسابات سوادنية، تتحدث أيضاً عن أعمال تصفية داخل هذه القوات أيضاً. والأسبوع الماضي، أكد القيادي المنشق عن "الدعم" علي عبد الله رزق الله، المعروف باسم "السافنا"، إن هذه القوات نفذت عمليات تصفية بحق عدد من قادتها، مشيرا إلى وجود تدفق كبير للأسلحة إلى صفوفها. وجاء انشقاق السافنا، بعد أيام قليلة من انشقاق اللواء النور القبة، أشهر قادة "الدعم" الميدانيين. ويعد القبة من مؤسسي "الدعم السريع" وأحد قادة معارك الفاشر. ويضاف إلى هذا الأسماء، القائد الميداني في "الدعم" بشارة الهويرة، الذي غادر صفوف هذه القوات في شمال كردفان قبل أسابيع. وظهر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، قبل أسبوع، إلى جانب القبة، مؤكداً أن "بناء الدولة السودانية يتطلب قدراً عالياً من الحكمة وتغليب المصلحة العامة"، مضيفاً أن "السودان بحاجة إلى مشروع وطني يقوم على التعايش والتسامح، بعيداً عن الأحقاد وخطابات الكراهية". كما أعلن الأمير إسماعيل محمد يوسف، أحد قادة "الدعم"، انشقاقه وانضمامه إلى الجيش.

أخبار ذات صلة.
مؤشر حرية الكتابة
العربي الجديد
منذ 30 دقيقة