الأقلية المجرية حجر عثرة بطريق التطبيع بين كييف وبودابست
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تتوالى المؤشرات إلى تحسن واضح في العلاقات الأوكرانية المجرية عقب الخسارة القاسية لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في 12 إبريل/نيسان الماضي في الانتخابات البرلمانية، لكن قضية وضع الأقلية المجرية قد تشكل حجر عثرة في وجه التطبيع الكامل والسريع للعلاقات بين البلدين، خصوصاً بعدما أعاد رئيس الحكومة الجديد بيتر ماغيار طرح شروط تتشابه إلى حدّ كبير مع 11 شرطاً حددها سلفه أوربان، حول كيفية تعامل كييف مع الأقلية المجرية التي يتركز معظم أبنائها في منطقة "زاكارباتيا" (ترانس كارباتيا) من أجل التطبيع الكامل للعلاقات، ورفع الاعتراضات السابقة على فتح مفاوضات انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي. ومن المؤشرات الإيجابية إعلان وزيري خارجية المجر أنيتا أوربان (لا تربطها أي صلة قرابة برئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان) وأوكرانيا أندريه سيبيغا، أول من أمس الاثنين، أن البلدين سيبدآن مشاورات رفيعة المستوى بشأن حقوق الأقلية ذات الأصول المجرية في أوكرانيا. وذكرت أوربان في منشور على منصة إكس، مساء الاثنين، أن "مشاورات على مستوى الخبراء تهدف إلى تسوية المسألة المتعلقة بحقوق الأقلية المجرية" ستبدأ في أقرب وقت من الأسبوع الحالي، من دون تحديد الموعد. وأضافت أن هذه المحادثات ستشكل "أساساً مهماً للتوصل السريع والمطمئن إلى تسوية المسائل المتعلقة بحقوق الأقلية". وتابعت أوربان: "أثق أن الحوار سيكون بناءً ومثمراً، وأن المفاوضات ستُفضي قريباً إلى تقدم ملموس لصالح الجالية المجرية". بدوره شدّد سيبيغا، في منشور على منصة إكس مساء الاثنين، على أن حكومته "مستعدة لفتح فصل جديد في العلاقات الأوكرانية ــ المجرية يعود بالنفع على الطرفين من دون أي تأخير"، بهدف "استعادة الثقة وإعادة علاقات حسن الجوار بين بلدينا". وقبل الإعلان عن اللقاء، حصلت بوادر تهدئة بين كييف وبودابست، ففي الشهر الماضي، وبعد إعادة ضخ النفط الروسي إلى المجر وسلوفاكيا عبر خط أنابيب "دروجبا"، بعد إعلان السلطات الأوكرانية إصلاح الأضرار فيه، سحبت المجر اعتراضها على منح أوكرانيا قرضاً أوروبياً بقيمة 90 مليار يورو (نحو 106 مليارات دولار). وفي السادس من مايو/أيار الحالي أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعادة أصول تابعة لمصرف "أوشاد" الأوكراني، كانت السلطات الأمنية المجرية صادرتها في مارس/آذار الماضي، في خطوة وُصفت بأنها تحريض من حكومة أوربان على أوكرانيا في حملتها الانتخابية. حقوق الأقلية المجرية ووصف زيلينسكي قرار السلطات المجرية الجديدة بالإفراج عن نحو 35 مليون يورو و9 كيلوغرامات من الذهب بأنه "قرار عادل ينهي فترة من التوتر المشوب بالغموض القانوني"، مشيداً بالحكومة المجرية لتبنيها "نهجاً بناءً وخطوة حضارية" في التعامل مع هذه الأزمة، ما "يعكس رغبة في تحسين العلاقات المتذبذبة بين البلدين الجارين". وفي مقابل المؤشرات الإيجابية، نقلت وكالة بلومبيرغ الأميركية في تقرير نهاية الشهر الماضي، عن مصادر كشفها أن ماغيار طرح شروطاً لرفع الاعتراضات على انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، تتشابه مع مطالب طرحها سلفه أوربان بشأن مراعاة حقوق الأقلية المجرية في أوكرانيا. وحسب "بلومبيرغ" فإن ماغيار عرض الشروط أثناء لقائه مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في بروكسل في 29 إبريل الماضي. وخلصت مصادر الموقع إلى أنه "من المرجح أن يخيّب موقف ماغيار المتشدد آمال المسؤولين في كييف وبروكسل، الذين كانوا يأملون أن يعطي رحيل أوربان زخماً لمسعى أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد، لا سيما في ما يتعلق بفتح المفاوضات رسمياً بشأن العديد من الملفات السياسية التي استوفت فيها البلاد المعايير المطلوبة". بلومبيرغ: من المرجح أن يخيّب موقف ماغيار المتشدد آمال المسؤولين في كييف وبروكسل وقبلها بيوم في 28 إبريل الماضي، قال ماغيار على منصة إكس: "لقد حان الوقت لأوكرانيا لإنهاء القيود المفروضة منذ أكثر من عقد". وأضاف أن المجريين المقيمين هناك بحاجة إلى "استعادة جميع حقوقهم الثقافية واللغوية والإدارية والتعليمية، كي يصبحوا مواطنين متساوين ومحترمين في أوكرانيا". وأثارت تصريحات ماغيار مخاوف من أن نهج الحكومة الجديدة لم يتغير بشأن الأقلية المجرية وأن هذه النقطة قد تعطل التقدم الحاصل. وفي خروج عن الأعراف الدبلوماسية، قال ماغيار في بيان عقب لقائه، في بودابست، مع زولتان بابياك عمدة مدينة بيرهوفو الأوكرانية ذات الغالبية من الإثنية المجرية: "أُبادر إلى عقد اجتماع مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في أوائل يونيو/حزيران المقبل، رمزياً في بيرهوفو، وهي مدينة ذات أغلبية مجرية". وأثارت الدعوة استياء لما تمثله من خروج عن الأعراف الدبلوماسية، والتشكيك في سيادة أوكرانيا على المدينة، فعادة ما توجه الدعوة من الدولة المضيفة، وفي هذه الحالة أوكرانيا، لتجنب التفسيرات الخاطئة. وشدّد ماغيار على أن "من مصلحة المجريين المقيمين في ترانسكارباتيا إرساء أسس جديدة للعلاقات المجرية الأوكرانية"، وخلص إلى أن "الهدف من الاجتماع (مع رئيس بلدية بيرهوفو) هو تحسين أوضاع المجريين في ترانسكارباتيا ودعم قدرتهم على البقاء في وطنهم... وإذا حلت أوكرانيا المشاكل التي يواجهها المجريون، فسنتمكن بالتأكيد من فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية الأوكرانية المجرية". وعرض ماغيار في منشور آخر قائمة من القضايا التي يتوقع أن تبادر السلطات الأوكرانية إلى حلها في منطقة ترانسكارباتيا. وتتطابق المطالب الجديدة مع قائمة من 11 شرطاً، قدمها وزير الخارجية السابق بيتر سيارتو لأوكرانيا في يناير/كانون الثاني 2024. وعملت أوكرانيا على حل جزء منها، ورأت أن جزءاً من المطالب تمت صياغته من أجل تعطيل إطلاق مفاوضات أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. وحسب تقرير نشرته "أوكراينسكايا برافدا" الأوكرانية في 27 يونيو 2024، فإن سيارتو سلم "قائمة مطالب" لوزير الخارجية الأوكراني، حينها، دميترو كوليبا، ومدير مكتب زيلينسكي السابق أندريه يرماك، وطالب بتنفيذها، ما يخالف قواعد التعامل مع الدول ذات السيادة. وطالبت حكومة أوربان أوكرانيا بإلغاء حزمة كاملة من التعديلات التشريعية المتعلقة بالأقليات العرقية، التي طبقتها أوكرانيا بعد ثورة الميدان الأوروبي في 2014، وانطلقت من أن تلك التشريعات قيدت حقوق الأقليات في أوكرانيا، وأن حلها يعد مؤشراً إلى استعادة حقوق الأقلية المجرية. وتعدلت المطالب تدريجياً أثناء مفاوضات فتحتها أوكرانيا مع المجر بمشاركة الوزارات والهيئات المختلفة، وممثلين عن الاتحاد الأوروبي للمساعدة. ورداً على تأكيد أوكرانيا أن الأقلية المجرية تتمتع بقوانين وتشريعات تحميها، أصرت حكومة المجر على مطالبها، وتمسكت بموقفها إجراء تعديلات تشريعية، واعتماد جميع تفاصيل تشريعات الأقليات والتعليم في شكل قوانين، بدلاً من قرارات حكومية أو قرارات صادرة عن وزارة التعليم. ومن ضمن المطالب إدخال مفهوم "الاستقلال الثقافي" في التشريعات الأوكرانية. ويعدّ البند رقم 11 أحد أكثر المطالب إشكالية، إذ تطالب المجر فيه بضمان تمثيل الأقليات القومية في البرلمان الأوكراني. وسعت حكومة أوربان إلى فرض النظام المجري الحالي، الذي يضمن تمثيلاً قانونياً لعدد من الأقليات القومية في البرلمان، على أوكرانيا. وطالبت المجر أوكرانيا بإلغاء شرط قانوني يلزم جميع المسؤولين المنتخبين بالتحدث باللغة الأوكرانية، وإلقاء خطاباتهم في اجتماعات المجالس بهذه اللغة. ودعت المجر إلى تعديل تشريعات تنص على أن اعتبار أي تجمعات تضم 15% أو أكثر، مناطق إقامة "تقليدية" لهذه الأقليات. ورغم موافقة أوكرانيا على خفض النسبة إلى 10% من حجم السكان، فإن مطالب المجر تقضي بإلغاء أي نسبة والانطلاق من أنه إذا سكن أي مجريين في أي منطقة، فيجب أن يتم النظر إليها ثقافياً على أنها أرض "مجرية"، ما يعني أن مقاطعة زاكارباتيا ستكون موطناً تقليدياً للمجريين، وعليه يجب اتخاذ إجراءات تبدأ بالرموز المحلية واللغة في المدارس، وتصل إلى حق المجالس المحلية وضع لافتات بلغتين (أوكرانية ومجرية) على الطرق والمؤسسات الرسمية. ومعلوم أن نسبة الأوكرانيين من أصول مجرية في "زاكارباتيا" كانت بحدود 10% وفق إحصاءات عام 2001، وتراجعت إلى النصف، بفعل انتقال جزء من المجريين الأوكرانيين إلى مناطق أخرى في أوكرانيا، أو توجههم إلى المجر وبلدان الاتحاد الأوروبي، بحثاً عن حياة أفضل. كما طالبت المجر أوكرانيا بالتخلي عن عملية اتخاذ القرار التي تجريها المجالس المحلية في هذا الشأن، وجعل منح صفة "المجرية التاريخية" أمراً تلقائياً، بعدما سبق أن رفضت مجالس محلية الاعتراف بهذه الصفة رغم استيفاء النسبة المطلوبة. طالبت المجر بإدخال مفهوم "الاستقلال الثقافي" في التشريعات الأوكرانية استخدام رموز المجر في أوكرانيا وطالبت المجر بحرية استخدام الرموز الوطنية المجرية في هيئات الحكم المحلي والمؤسسات البلدية في زاكارباتيا. وترفض أوكرانيا هذه المطالب، نظراً لأن رموز الأقلية المجرية تتطابق مع رموز الدولة المجرية. على سبيل المثال، لدى العديد من المجتمعات قاعدة تنص على أن ينشد النواب النشيد الوطني المجري في افتتاح واختتام جميع جلسات المجالس المحلية. ورداً على عرض ماغيار اللقاء معه، أكد زيلينسكي نهاية الشهر الماضي أنه سيعقد اجتماعاً ثنائياً مع ماغيار أو سيلتقيه "بصيغة أخرى". كما سعى إلى التقليل من شأن أي نقاط خلاف محتملة في العلاقات مع المجر، قائلاً إن أوكرانيا تعمل على معالجتها، وزاد: "نعمل على جميع المسائل المتعلقة بالأقلية المجرية لدينا. إنهم مواطنون لدينا مثل أي مواطن آخر". وتقع زاكارباتيا في أقصى غرب أوكرانيا، وتبلغ مساحتها قرابة 12777 كيلومتراً مربعاً، ويقطنها نحو 1.2 مليون نسمة، حسب إحصاءات 2001، من ضمنهم حوالي 10% من الإثنية المجرية، ومعظمهم يتقن اللغة الأوكرانية إضافة إلى محافظتهم على لغتهم وتقاليدهم المجرية. وتتركز الأقلية المجرية أساساً في مدينتَي بيريهوفو وتشوب الجنوبيتَين بالقرب من الحدود مع المجر، وفي أوجهورود وموكاشيفو وليست لديهم مطالب انفصالية كما حدث مع الأقلية الروسية في شبه جزيرة القرم ولوغانسك ودونيتسك الأوكرانية. وتملك زاكارباتيا حدوداً مع رومانيا والمجر وسلوفاكيا وبولندا، وتحدها مقاطعتا لفيف وإيفانو-فرانكوفسك الأوكرانيتان. وتبادل السلافيون والمجريون الحكم في المنطقة منذ القرون الوسطى، وانضمت إلى تشيكوسلوفاكيا، بعد انهيار الإمبراطورية المجرية -النمساوية نتيجة الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) ثمّ احتلت المجر زاكارباتيا لفترة قصيرة أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945). وبعد الحرب العالمية الثانية، تنازلت تشيكوسلوفاكيا عنه لمصلحة الاتحاد السوفييتي، نظراً لأن الأوكرانيين يشكلون أغلبية السكان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية